رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الشيخ: محمد محمود محمد 27 يونيو، 2019 0 تعليق

حكمة وقوع الشر في العالم

  

إن الأدلة التي تدل على وجود الله -تعالى- كثيرة، لا تقع تحت حصر، في السموات وفي الأرض، في الإنسان وفي الحيوان، وفي الطير، والحشرات، والأسماك، والجبال، والسهول، والبحار، والأنهار، والنجوم، والكواكب، لو تأملت كل شيء في الكون في ذاته؛ من حيث هو لوجدت فيه تعقيدًا بالغاً يستعصي في وجوده، وفي تركيبه، على زعم الصدفة، ولو تأملت لوجدت فيه أيضًا من الاختلاف والتمايز ما ينفي التراتبية التي يسميها (الملحدون الجدد) زورًا وبهتانًا بالحتمية العلمية.

     ثم إذا نظرت في مجموع ذلك الخلق؛ من حيث تنوعه وتعدده وكثرته التي تفوق الحصر لوجدت ذلك دليلا ثانيًا على وجود الخالق العظيم المبدع، ثم إذا نظرت مرة ثالثة إلى ذلك الخلق المتعدد، في السموات بكواكبها ونجومها، وفي الأرض بما عليها من كائنات وموجودات، كيف أن كُل هذه المخلوقات تحافظ على وجودها إلى جوار غيرها الذي هو من جنسها، وغيرها الذي هو من الأجناس الأخرى؟، من الذي هيأ لها أسباب البقاء، وهداها إليها؟، وهي إما كائنات لا تعقل، أو ذات عقول محدودة، لا تفكر؛ فستجد عند ذلك الإجابة التلقائية العفوية يهتف بها قلبك وعقلك قائلة إنه الله العظيم.

الإنسان العاقل

     بهذه البساطة في الاستدلال يهتدي الإنسان العاقل إلى أن الكون له خالق، وإذا كنا لا نراه؛ فما ذلك إلا لأن ملكاتنا محدودة، وقدراتنا قاصرة عن إدراك ذاته -سبحانه- مع ذلك تبقى مشكلة وقوع الشر في العالم هي المعضلة التي تحرك الشبهات والشكوك في عقول الملحدين على اختلاف مشاربهم وتياراتهم، وهي ليست مشكلة بلا حل، لكنها تظل كذلك عند الملحد إمعاناً منه في تمجيد ذاته التي لا تقبل وقوع الابتلاء عليها، وإمعاناً منه في انعدام البصيرة التي لا يرى معها للإنسان وجوداً محتملاً في غير هذا العالم الفاني.

معضلة الشر في عقول الملحدين

     إن استعصاء فهم حكمة وقوع الشر في العالم أوقع الملحدين في لبس عظيم، وضلال مبين؛ حيث إنهم يقولون: لو كان للعالم إله خالق لما سمح للشر أن يقع؟!؛ فوقوع الشر دليل عندهم على عدم وجود الله -تعالى-!، لكن هذا الدليل في الواقع فقَّاعة لا مضمون لها ولا وزن؛ ذلك لأن الشر حين يقع في العالم؛ فإنما يقع بالمخالفة لتعاليم الله -تعالى-؛ فالذي يعمل الشر هو الذي لا يطبق تعاليم الله- تعالى-؛ فالله لا يأمر بالشر، ولا يحث عليه، بل نهى عنه وحذر منه، فمن ذلك مثلاً: قوله -تعالى-: {وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة:190)، وقوله -تعالى-: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ} (البقرة: 205)، وقوله -تعالى-: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} (آل عمران: 57)، وقوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا}(النساء: 36،) وقوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}، (الأنفال: 58)؛ فحين يقع الشر في العالم؛ فهو يقع بالمخالفة لأمر لله -تعالى.

عقاب أهل الشر في الآخرة

     ينتظر الملحدون أن تتدخل عناية الله -تعالى- في الدنيا لتنصر المظلوم على الظالم، وتكبح جماح الشر وأهله، وتعلي راية الحق وأهله، وينتظر الملحدون تدخلاً قدرياً حاسماً، تسود على أساسه قيم المحبة، والحرية، والسلام، ربوع الأرض؛ وحيث إن ذلك لا يحصل؛ فإن هذا يعني أن الإنسان هو إله نفسه، هو الذي يفعل ولا فاعل غيره!.

الطرح الساذج

     وذلك الطرح الساذج إنما دفع إليه الكفر باليوم الآخر أصلاً؛ فلو آمن الملحد بالآخرة لما طرأ على ذهنه ذلك التفكير السطحي الساذج؛ فالدنيا وفق بيان الله عنها وعن حقيقتها، مجرد قاعة امتحان للخلق جميعاً أخيارهم وأشرارهم، {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}(هود: 7)، {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}(الكهف: 7)، {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} (الملك: 2)؛ فنحن على الأرض بمثابة الجالسين في قاعة الامتحان، أما النتائج التي ستُظهر فوز المظلوم ودحر الظالم، ومكافأة المصلح، ومعاقبة المفسد؛ فإنها ستكون في الآخرة، قال -تعالى-: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ(20)} (البلد: 10-20)؛ فبين أن النجاة في الآخرة لا تكون إلا بفعل الخير في الدنيا «فكاك أسرى، وإطعام جوعى، وعطف على أيتام، ومساعدة مساكين، وإيمان، وصبر، ورحمة»، وأما من كفر بأعمال الخير وجحدها وعمل بضدها فله عقوبة النار. 

عذاب دنيوي يقع على المفسدين

     حين تتشكك القلوب وترتاب، وتتشابك الأفكار في عقل الإنسان؛ فلا يستطيع عند ذلك أن يَسْتَلَّ الحق من بين ركام الأباطيل، وإذا به يقول: إذا كانت الدنيا هي دار الابتلاء والآخرة هي دار الجزاء؛ فلماذا يقع العقاب على بعض المفسدين في الدنيا، على النحو الذي ورد ذكره في سور القرآن الكريم؟، كقوم نوح، وفرعون، وعاد، وثمود، وغيرهم؟ وإن إزالة ذلك اللبس الفكري، يحصل بأن يتذكر الإنسان أن ما جرى على هؤلاء إنما هو الإبادة، أي إنهاء حياتهم إنهاء عنيفا وقويا وحاسما، أي أن هذه ليست هي العقوبة، كل العقوبة، إنما هذه مقدماتها فحسب؛ «فلا يمكن أن تكون نهاية شرير يرتكب الفظائع على مدى خمسين عاماً مثلاً أن يلقى حتفه تحت عجلات قطار سريع فحسب، ويكون الأمر بذلك قد انتهى، إن العدالة تأبى ذلك» لكن حين يقع شيء من ذلك، وأضرابه مما لحق بالأمم التي أساءت استقبال رسالات الله لها؛ فإن الأمر لا يعدو أن يكون مجرد إظهار لغضب الله على هؤلاء الفاشلين، حتى تكون لنا نحن من بعدهم فيهم العبر والدروس والعظات، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} (الآنفال: 42).

الأمم المعاندة

     فالحاصل أن ما قصه الله علينا من قصص هذه الأمم المعاندة للحق، لم يكن سوى أنه أنهى حياتهم الدنيوية، إنهاء حاسما، يشبه ذلك أخذ ورقة الإجابة من الممتَحَنِين وإخراجهم بالقوة من قاعة الامتحان بعد أن أجابوا عن الأسئلة كلها في الصفحات إجابات خطأ، وأصروا على ذلك، وصاروا يثيرون الهرج وعدم الانتظام داخل قاعات الامتحان، وقد توالت قبل صرفهم بالقوة عديد من التحذيرات لهم، وإنذارهم، لكنهم لم يعبؤوا بذلك؛ فطردوا بالقوة حسماً لفتنتهم، حتى لا يتسرب هرجهم إلى سائر لجان الامتحانات؛ فيتأثر بهم غيرهم؛ فالحاصل أن إفناء المكذبين للرسل (عاد وثمود ونحوهم) لم يكن هو العقوبة، بقدر ما هو مقدمة وبداية لها؛ ولذلك يخبرنا -سبحانه وتعالى- أنهم يوم القيامة سوف يندمون حين يعاينون العذاب ويباشرون العقوبة ويطلبون الرجوع للدنيا لتصحيح الإجابة، قال -تعالى-: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ}(فاطر: 37).

لماذا يقع العذاب ؟

     حين يقع العذاب ببعض المفسدين دون بعض؛ فإن ذلك يحصل لسببين: الأول: أنه سبق في علمه -سبحانه- أن هؤلاء المعذبين لن يتغير موقفهم، وأنهم لن يزدادوا بالحياة إلا فساداً وطغياناً، كما لن يخرج من أصلابهم من يرُجى فيه الصلاح؛ فعند ذلك تكون الإبادة حتمية.

- والثاني: لكي تحصل بهلاكهم على هذا النحو الشديد، عبرة لمن يعرف بهم وبما حل بهم؛ فلا يحذو حذوهم ولا يفعل فعلهم، وإن ذلك يعني أن الذنوب نفسها التي ارتكبها الهالكون، قد يرتكبها آخرون ولا تنزل بهم عقوبة الإفناء والإبادة كما نزلت بغيرهم، لسببين أيضاً: إما لأنه سبق في علمه -سبحانه- أنهم سيؤمنون، أو سيخرج من أصلابهم من يؤمن، أو أن هؤلاء مع كفرهم بالله -تعالى- أو ارتكابهم للشر، لديهم أعمال أخرى صالحة، فيها نفع وفائدة للإنسانية في حركة حياتها الدنيوية.

والخلاصة أن الأصل عدم تدخل الأقدار بترجيح كفة أهل الخير على كفة أهل الشر في الدنيا، لكن ذلك يحصل في حالات محدودة لحكمة معينة، يُسَلِّم بها المؤمن لخالقه، بمقتضى إيمانه به، ويدركها كل عاقل إذا أعطى لنفسه فسحة من التعقل والتدبر.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك