رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: نواكشوط ـ أحمد ولد سيدي 4 فبراير، 2013 0 تعليق

حـرب مــالـي.. ولادة عسيرة لاستراتيجية القاعدة.. وبداية لتحول المنطقة لموقع حرب مفتوحة

 

تقول إحدى الدراسات العسكرية الحديثة: إن تاريخ شمال مالي أسهم في الظروف  الحالية اليوم التي يعد فقدان (الأمن والاستقرار)، أبرز ملامحها، فمع استيطان شمال أفريقيا من قبل العرب في القرن السابع الميلادي بدأت حركة عبور الصحراء  مسببة اختلاط العرب الرحل بالسكان السود في إقليم جنوب الصحراء.

وتضيف الدراسة أن الأراضي المالية الحالية كانت قلبا لامبراطوريات كبيرة  كامبراطورية غانا وامبراطورية مالي وامبراطورية السنغال، التي تعاقبت علي الحكم ابتداء من القرن التاسع وحتى القرن السابع عشر الميلادي  لتنتهي مع قدوم الأوروبيين؛ حيث ازدهرت التجارة  كما نمت إلى جانبها أنشطة  عدة غير شرعية  كالعنف وغيره.

تطور من نوع خاص

لم يتغير الحال في جمهورية مالي (إقليم أزواد)، بسبب أن التجارة غير الشرعية يمثلها اليوم تهريب البضائع والسجائر والوقود والأسلحة والمخدرات.

     وظلت منطقة مالي ولاسيما الجزء الشمالي منها المسمى إقليم أزواد مكانا للصراعات العرقية والدينية، بين حكومة الجنوب التي تريد ضم الشمال لسيطرتها، وبين سكان الإقليم الذين يحاولون الانفصال عن الجنوب والاستقلال، أو الحكم الذاتي، عن جمهورية مالي بوصفهم يستحقون ذلك حسب مزاعهم.

     وفي غضون ذلك واغتناماً لفرصة الصراعات والفوضى العارمة في الإقليم بادرت الجماعة السلفية للدعوة والقتال إلى جعله ملاذا آمنا لها وموقعا استراتيجيا لمواصلة نهجها الفكري بعد اقتتالها العنيف مع الحكومة الجزائرية، وتحولها إلى مناطق «كيدال» و»غاو» بالشمال المالي في نهاية عقد التسعينيات من القرن المنصرم.

جذور الأزمة الحالية

     وبعيد سنوات قليلة حولت الجماعة السلفية للدعوة والقتال اسمها إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، مواصلة جهودها في خطف الرعايا الغربيين واستهداف دول المغرب العربي التي يرى التنظيم أنها تمثل العدو الأكبر بعد الغرب وأمريكا.

     وكان تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي يبني عقيدته على استراتيجية الجهاد، كما يقوم في الوقت الحالي ببناء هرمه وقاعدته الشعبية معا في إقليم أزواد، وهو بذلك يخطط للوضعية الحالية التي أراد من خلالها أن يكون الطوارق الطامحون بدورهم إلى استقلال الإقليم يشكلون الشرارة الأولى لاندلاع أزمة الإقليم.

     واستجاب الوضع المحلي والدولي لطموحات تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي في جعل إقليم أزواد موقعا استراتيجيا له، فكان الربيع العربي وسقوط نظام العقيد الليبي معمر القذافي، الذي تحصل من خلاله التنظيم على كميات كبيرة من المال والسلاح استطاع من خلالها تعميق دوره في المنطقة، كما استطاع عبر وساطات وناشطين عشائريين من أبرزهم الزعيم «إياد آغ غالي» أن يقود الحركة الوطنية لتحرير أزواد إلى حرب مفتوحة مع الجيش المالي بهدف استقلال الإقليم ومن أجل سحب البساط من تحت الحركة الوطنية لتحرير أزواد، وتولي تنظيم القاعدة وحلفائه من الحركات الإسلامية المقاتلة في شمال مالي لزمام الأمور وتصفية الحسابات مع الجيش المالي الذي تم طرده من المنطقة نهائياً، وتابع التنظيم تهيئة كتائبه وقياداته ومقاتليه لحرب محتملة قد يقودها الغرب والأفارقة لاستعادة الشمال.

استباق للأحداث

     ما لم يفهمه الكثير من الفرقاء السياسيين الإقليميين والمحليين في مالي وأزواد، هو أن حركة أنصار الدين الإسلامية تعتبر من أهم الحركات الشعبية الواسعة الانتشار التي تعد من أقرب الحركات إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، حيث قاتلت باستماتة لطرد الجيش المالي من الشمال، وسيطرت على مدينة «تمبكتو» أهم مدن إقليم أزواد.

     وقد استبقت الحركة التي يتزعمها إياد آغ غالي أحد أبرز الوجوه السياسية والعسكرية والتقليدية في إقليم أزواد الأحداث في الإقليم ببيانها الشهير قائلة إنه: «لم يعد لدى أنصار الدين خيار سوى سحب عرضها بوقف الأعمال القتالية الذي توصل إليه الوسطاء بصعوبة لكن الماليين استخفوا به».

     وتزامن إعلان وقف الحركة للتهدئة مع استعدادات لنشر آلاف من القوات الأفريقية المدعومة من الغرب لاستعادة شمالي مالي، حيث بادرت جماعة أنصار الدين وعلى لسان الناطق الإعلامي باسمها سنده ولد بوعمامة إلى السيطرة على مدينة كوني الواقعة حوالي 50 كلم من ولاية موبتي في الوسط المالي.

     وأشار ولد بوعمامة إلى أن المدينة لها قيمة عسكرية خاصة حيث تشكل منطقة الدفاع عن مدينة موبتي بعد أيام من المواجهات بين قوات تابعة لحركة أنصار الدين والجيش المالي.

     وتعد منطقة كوني أول منطقة تعلن حركة أنصار الدين السيطرة عليها خارج منطقة أزواد، والمصنفة كشمال لدولة مالي، فيما تقع المدينة الجديدة خارج هذه المنطقة التي تطالب حركات أزوادية باستقلالها، فيما تسيطر عليها حركات إسلامية مسلحة منذ بداية أبريل الماضي.

تدخل دولي وإقليمي عقّد أوراق اللعبة.

     أرغم تحرك جماعة أنصار الدين الإسلامية المدعومة من طرف اتحاد الحركات الإسلامية وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي نحو المناطق الجنوبية القريبة من العاصمة باماكو، الطيران العسكري الفرنسي على التدخل وقصف المقاتلين، وقالت باريس إنها تأتي دون ترك العاصمة المالية باماكو تسقط بيد مقاتلي القاعدة وحلفائهم.

     وبداية لحرب الشمال التي كانت الحركات الإسلامية والقاعدة هي من أرغم الأفارقة والفرنسيين على بدئها دون تأخير، استجاب عدد من الدول الأفريقية إلى إرسال قوات لباماكو، كما واصلت فرنسا تدخلها الجوي والبري وكثفت من حضورها العسكري في الوسط والشمال المالي، مؤكدة أنها تستهدف معسكرات وأماكن أسلحة تابعة للقاعدة وحلفائها، كما أن المقاتلين الإسلاميين بدورهم ألحقوا عدة خسائر بصفوف الفرنسيين والجيش المالي بدءا بإسقاط مروحيات فرنسية وانتهاء بقتل وأسر عدد من الجنود الماليين.

     وما يزيد الوضع تعقيدا هو حصول القاعدة وحلفائها على كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة والذخيرة، فضلاً عن خبرتها الهائلة في القتال ومعرفتها الفائقة للمنطقة الشمالية التي تعد مكان أبرز المعارك المترقبة بين الأفارقة والفرنسيين مع مقاتلي التنظيمات الإسلامية المسلحة.

صراع مفتوح.. وشرارة محتملة لدول الجوار

     مع انتقال الحرب الحالية إلى مناطق الشمال المالي التي كانت تسيطر عليها القاعدة والحركات الحليفة لها، فإن إمكانية تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة لحرب عصابات بين القاعدة والجنود الأفارقة والفرنسيين تظل قائمة.

     وتأكيداً على ذلك عرض نائب أمير القاعدة في المغرب الإسلامي يحيى أبو الهمام تحييد بعض الدول التي لم تشارك في الحرب الحالية، متوعدا الفرنسيين بأيام صعبة شمال مالي.

وقال يحيى أبو الهمام إن المقاتلين الإسلاميين انسحبوا من المدن لترتيب أوراق العملية، وسيعودون إليها بقوة.

وتوقع يحيى أبو الهمام الإعلان عن قيادة مشتركة بين كل التنظيمات الإسلامية المسلحة في الشمال المالي لمواجهة ما أسماه الحرب الصليبية الحالية.

     وقال يحيى أبو الهمام: إن الفرنسيين لم يستوعبوا الدروس بعد، وإن الأيام القادمة ستحمل لهم الكثير من النكبات بالشمال المالي، كما سيستهدف المقاتلون الإسلاميون كل الدول التي شاركت من قريب أو بعيد في الحرب الحالية ورفضت التحييد.

مآلات محتملة.

     ويرى الكثير من المراقبين أن حرب مالي قد تتحول إلى حرب عصابات، قد يضطر معها الفرنسيون إلى الانسحاب وترك الأفارقة يغرقون في دمائها، أو يقررون زيادة قواتهم وتواجدهم العسكري في المنطقة، وهو ما من شأنه أن يجعل من إقليم أزواد أفغانستان أفريقية أو صومالا جديدا.

      ومع كل الاحتمالات يبقى السؤال المطروح بعد ذلك: هل حرر التدخل العسكري الأفريقي والفرنسي الشمال المالي من قبضة القاعدة وحلفائها؟ أم إن خلط أوراق اللعبة وتناثرها كانا سيد الموقف؟!.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك