حرمــة قتـل المسـتأمن في الكتاب والسنة- بيان اللجنة العلمية بجمعية دار الكتاب والسنة في خان يونس حول مقتل الصحفي الإيطالي
إن الشريعة الإسلامية جاءت بحفظ الضرورات الخمس - الدين والنفس والمال والعرض والعقل - والتأكيد على حرمة الاعتداء عليها، ومن المعلوم أن دين الإسلام قد صان النفس الإنسانية وحافظ عليها، وقد أجمع المسلمون على حرمة الاعتداء على النفس المعصومة؛ إذ إن النفس الإنسانية تنقسم إلى قسمين: مسلمة وكافرة، أما المسلمة فلا يجوز الاعتداء عليها واستباحتها بغير حق ومن فعل ذلك فقد وقع في كبيرة من أكبر الكبائر؛ قال تعالى: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما} (النساء: 93)، وكما في الصحيحين من حديث عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله [: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة». وكما في سنن الترمذي والنسائي وصححه الألباني عن عبدالله بن عمرو أن النبي [ قال: «لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم». فلا يحل لأحد أن يعتدي على نفس مسلمة بغير حق، والأدلة على ذلك كثيرة من القرآن والسنة، أما الكافرة فإما أن تكون محاربة أو معاهدة، يقول ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة: «الكفار إما أهل حرب وإما أهل عهد، وأهل العهد ثلاثة أصناف: أهل ذمة، وأهل هدنة، وأهل أمان».
أما أهل الحرب فهم الذين ناصبوا المسلمين العداء وقاتلوهم وأخرجوهم من ديارهم وتآمروا عليهم، فهؤلاء لا عهد لهم ولا ذمة، ويجب قتالهم ومحاربتهم، حتى يعطوا الجزية على يد وهم صاغرون.
وأما أهل العهد الثلاثة - الذمي والمهادن والمستأمن - فيقول ابن القيم في أحكام أهل الذمة: «أهل الذمة عبارة عمن يؤدي الجزية وهؤلاء لهم ذمة مؤبدة، وهؤلاء قد عاهدوا المسلمين على أن يجري عليهم حكم الله ورسوله؛ إذ هم مقيمون في الدار التي يجري فيها حكم الله ورسوله، بخلاف أهل الهدنة فإنهم صالحوا المسلمين على أن يكونوا في دارهم سواء كان الصلح على مال أو غير مال، لا تجري عليهم أحكام الإسلام كما تجري على أهل الذمة، لكن عليهم الكف عن محاربة المسلمين، وهؤلاء يسمون أهل العهد وأهل الصلح وأهل الهدنة.
وأما المستأمن فهو الذي يقدم بلاد المسلمين من غير استيطان لها، وهؤلاء أربعة أقسام: رسل وتجار ومستجيرون - حتى يعرض عليهم الإسلام والقرآن فإن شاؤوا دخلوا فيه وإن شاؤوا رجعوا إلى بلادهم - وطالبو حاجة من زيارة أو غيرها، وحكم هؤلاء ألا يُهاجروا ولا يُقتلوا ولا تُؤخذ منهم الجزية، وأن يُعرض على المستجير منهم الإسلام والقرآن فإن دخل فيه فذاك وإن أحب اللحاق بمأمنه ألحق به، ولم يعرض له قبل وصوله إليه فإذا وصل مأمنه عاد حربيا كما كان».
فهؤلاء الثلاثة - الذمي والمهادن والمستأمن - من أصحاب النفس المعصومة، التي ثبتت عصمتها في القرآن الكريم و السنة المطهرة.
- قال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم
أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين} (الممتحنة: 8).
قال ابن جرير الطبري: عُني بذلك: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين، من جميع أصناف الملل والأديان أن تبروهم وتصلوهم، وتقسطوا إليهم... وقوله: {إن الله يحب المقسطين} يقول: إن الله يحب المنصفين الذين ينصفون الناس، ويعطونهم الحق والعدل من أنفسهم، فيبرون من برهم، ويحسنون إلى من أحسن إليهم.
- وقال تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} (التوبة: 6).
قال الحافظ ابن كثير: {وإن أحد من المشركين} الذين أمرتك بقتالهم وأحللت لك استباحة نفوسهم وأموالهم {استجارك} أي استأمنك فأجبه إلى طلبه حتى يسمع كلام الله أي: القرآن تقرؤه عليه وتذكر له شيئا من أمر الدين تقيم به عليه حجة الله {ثم أبلغه مأمنه} أي وهو آمن مستمر الأمان حتى يرجع إلى بلاده وداره ومأمنه.
- روى البخاري أن أبا مرة مولى أم هانئ بنت أبي طالب أخبره أنه سمع أم هانئ بنت أبي طالب تقول: ذهبت إلى رسول الله [ عام الفتح فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره، قالت: فسلمت عليه، فقال: «من هذه؟» فقلت: أنا أم هانئ بنت أبي طالب، فقال: «مرحبا بأم هانئ»، فلما فرغ من غسله قام فصلى ثماني ركعات ملتحفا في ثوب واحد، فلما انصرف قلت: يا رسول الله، زعم ابن أمي أنه قاتل رجلا قد أجرته، فلان ابن هُبيرة، فقال رسول الله[: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ». قالت أم هانئ: وذاك ضُحى.
- وروى البخاري عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي [ قال: «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما».
- وروى أبو داود وصححه الألباني في صحيح الجامع عن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله [ عن آبائهم دِنْيةً عن رسول الله [ قال: «ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة».
- وروى الطبراني في الأوسط وصححه الألباني في صحيح الجامع عن عمرو بن الحمق قال: قال رسول الله [: «من أمّن رجلا على دمه فقتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرا».
- وروى أحمد والحاكم وصححه الألباني في الصحيحة عن عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه أن رسول الله [ قال: «من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يجد رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة مئة عام».
وصفحات التاريخ مشرقة في تعامل النبي[ وصحابته مع أهل العهد والذمة بما لا يتسع المجال لذكره. والمراد من سوق الأدلة السالفة: أن من دخل بعقد أمان أو بعهد من ولي الأمر فيجب عرض الإسلام عليه برفق ولين، فلا يجوز التعرض له وظلمه ولا إكراهه على الدين، ولا الاعتداء على نفسه وعرضه وماله؛ لأن المسلمين تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، ويجير عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم، يرد مشدهم على مضعفهم، ومتسرِّيهم على قاعدهم، ومن أخفر مسلما - أي: نقض عهده وأمانه - فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل، كما ثبت ذلك عن رسول الله [.
- إذا تبين هذا؛ فإننا إزاء ما حدث من خطف وقتل المتضامن الإيطالي فيكتور أريغوني في قطاع غزة لنؤكد على ما يلي:
- أولا: أن ما حدث هو أمر إجرامي مشين، لا يقره شرع ولا خلق ولا دين، ولا يعكس أصالة الشعب الفلسطيني وثقافته وتاريخه الناصع، وهو قتل لنفس معصومة بغير وجه حق.
- ثانيا: أن من دخل بلاد المسلمين بإذن رسمي أو عقد أمان أو عهد من أحد من المسلمين فقد عُصم دمه ويلزم الوفاء بعهده، ويحرم ظلمه وانتقاصه أو تكليفه فوق طاقته، أو استباحة دمه وماله وعرضه.
- ثالثا: أن الأمة تعاني من تسلط الأعداء عليها، والجاني بفعله يعطي الذرائع لأمم الكفر لتحكم تسلطها على الأمة وإذلالها، واستغلال خيراتها؛ فمن فتح على المسلمين باب شر فقد أعانهم على انتقاص المسلمين وإذلالهم والتسلط على بلادهم.
- رابعا: أن الأمة تحيط بها المخاطر من كل جانب، فلا بد أن تفيق الأمة من غفلتها لتعي ما يدبر لها وما يحاك ضدها من مخططات لتشويه صورة الإسلام وإثارة الشبهات حوله ليظهروا الإسلام بصورة يشمئز وينفر منها الناس.
- رابعا: أن الدعوة السلفية هي دعوة خير ورحمة، والتزام لمنهج الإسلام في كل الأمور، وما حدث بشأن قتل المتضامن الإيطالي فإنها ترفضه ولا تقره شرعا ودينا، وما يلصق بها من أفكار منحرفة ومناهج دخيلة وأفعال مشينة لا تمت لها بصلة.
- سادسا: ننصح الشباب المتحمس والمتهور بضرورة الرجوع إلى العلماء الراسخين في العلم ومجالستهم ومخالطتهم والاستماع إليهم والأخذ بنصائحهم وتوجيهاتهم، والعناية بالعلم المؤصل بالكتاب والسنة؛ حتى لا يكونوا ممن قال الله فيهم: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} (الكهف).
وفي الختام نسأل الله أن يحفظ بلادنا من الفتن، وأن يمن علينا بالأمن والإيمان، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
لاتوجد تعليقات