رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: محمود صلاح مراسل «الفرقان» بالقاهرة 3 ديسمبر، 2012 0 تعليق

جامعة الأزهر ترعى المؤتمر الدولي الأول حول الإعجاز العلمي في القراءات والمصطلحات القرآنية

 

شهدت كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بجامعة الأزهر أوائل شهر المحرم الجاري، انعقاد المؤتمر الدولي الأول حول (الإعجاز العلمي في القراءات والمصطلحات القرآنية)، بحضور كوكبة متميزة من المتخصصين في القرآن الكريم وعلومه من داخل مصر وخارجها.

     شهد المؤتمر جلسات وحلقات نقاشية وحوارية على مدى يومين متتاليين، حيث بدأ المؤتمر صباح يوم الأحد الرابع من شهر الله المحرم، وكانت الكلمة الافتتاحية لرئيس المؤتمر الأستاذ الدكتور: سامي عبد الفتاح هلال عميد كلية القرآن الكريم بجامعة الأزهر، التي أكد فيها على أن طلب حفظ القرآن طاعة, وأن تعلم ما فيه من الحلال والحرام فريضة، وتدبره عباده؛ لأن من يتدبر دلائل كتاب الله يستبصر، ومن يستمسك  بحبله فهو من كل هلكة يعتصم، من قرأ القرآن في ليله فإنه يحيي به قلبه، ويكون أمانًا له في قبره، فكفى بالكتاب عن الآخرة مخبرًا، وعن أمور الحياة الحاضرة مؤسسًا ومشرعًا, فبه نطق الحكماء وبه أنس المنفردون؛ لأنه النور الذي يستضاء به، فهو غاية الموقنين وأمل المتسابقين, هذا هو القرآن الذي نسعد بجواره ونكون في ضيافته.

يوم أهل القرآن

     إن كلية القرآن وهي تحتفل بإقامة المؤتمر الدولي الأول حول الإعجاز في القراءات والمصطلحات القرآنية، لهي في أزهى صورها، وأبهى حللها، وحق لي أن أسمي هذا اليوم بيوم أهل القرآن، فكلية القرآن وإن أشرقت شمسها في أوائل تسعينيات القرن الماضي, فإن شمسها في هذا اليوم في رابعة النهار, كيف لا وهي الآن تفخر بالعلماء الأجلاء من داخل وخارج مصر، وإن كلية القرآن لتعتز بأهل القرآن في كل مكان.

كلية عريقة .. ومشروعات رائدة

     إن كلية القرآن الكريم بجامعة الأزهر بدأت مسيرتها، بأعمال علمية لأنها معنية بالأعمال البحثية في اللفظ القرآني من ناحية إعرابه وبيان معانيه, ومن ناحية تجلية القوافي وكشف الأساليب, ومن ناحية إظهار الإعجاز وبيان ما فيه .

     والكلية منذ إنشائها تبنت مشروعات علمية كبيرة، بدأت بالقضية الأولى وهي قضية تحقيق كتب التراث في علم القراءات، أو كما يسميها علماء القراءات بكتب أصول النشر،
     ثم بعد ذلك وجدت نفسها أمام قضية أخرى، وهي أن القرآن الكريم متواتر، تتلقاه من شيخ إلى شيخ حتى يتصل السند بك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لذلك كان لزامًا علينا أن نبدأ بعمل علمي آخر وهو موسوعة طبقات القراء من القرن الأول الهجري إلى وقتنا هذا، وقام بذلك أبناء الكلية من حملة الماجستير والدكتوراة وإن شاء الله ستخرج هذه الموسوعة باسم هذه الكلية المباركة، ثم كان مشروع البحث عن مخطوطات المصاحف وجمعها من القرن الأول الهجري حتى الآن، والآن يقوم أبناء الكلية بجمع مخطوطات المصاحف النادرة لنرعى بعد ذلك نواة لمتحف أزهري لمخطوطات المصاحف النادرة إن شاء الله، ثم جاء هذا المؤتمر تتويجًا واستمرارًا للمسيرة العلمية التي تقوم بها هذه الكلية المباركة.

أعظم ما يتضمنه القرآن والسنة برهان هذا الدين

     أما الدكتور عبد الله المصلح، الأمين العام للهيئة العالمية للإعجاز في القرآن والسنة، فقد أكد في كلمته، أن كتاب الله وسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ، هما من يحتضنا بهذا الدين عقيدةً وعبادةً، آدابًا وأخلاقًا، وتنظيمًا لشؤون الحياة, ومن أعظم ما يتضمن القرآن والسنة برهان هذا الدين, فالله يوم أن امتن على خلقه بإرسال رسله، صحبت رسالات الله مسار البشرية في كل أطوار حياتها، ولم تخل أمة من إقامة الله الحجة عليهم، قال تعالى:  {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}، فأولئك رسل الله أنزل الله عليهم كتبًا، وهذه الكتب وتلك الرسالة، كانت تحتاج إلى برهان وبينة ودليل، فكان الإعجاز الذي صاحب مسار النبوة ورأيناه معها, ألم يجعل الله النار بيتا آمنا لإبراهيم وطبيعة النار أن تحرق, ألم يجعل الله البحر طريقًا يبسًا لموسى وطبيعة البحر أن يغرق, ألم يجعل الله لعيسى أن يبرئ الأكمه والأبرص؟!

     ولما جاء سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم ، كانت طبيعة رسالته طبيعة خاصة متميزة، إذ إن من خاصية هذه الرسالة الديمومة والاستمرار إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ ولذلك فإن من طبيعة إعجازه وبرهانه ودليله أن يكون متوافقًا مع ما يجد في عقول الناس وهمومهم، ومع ما ترقى فيه عقولهم ومدركاتهم, إلى أن وصلنا لهذا اليوم الذي صار فيه العلم هو الشاهد الثقة الذي لا يقبل الرد, والإنسان في هذا الزمان بلا شك قد استطاع أن يطير في الهواء كالطير، وأن يغوص في البحر كالحيتان، ويؤسفنا أنه لم يستطع أن يسير في الأرض كإنسان, ولهذا هو محتاج إلى أن نقيم عليه برهان هذا الدين, وبرهان هذا الدين في هذا الزمان لا بد أن يكون مما تفوقت فيه العقول وأصبح ثقة تثق به, والشيء الذي وثق به الناس في هذه الأزمنة هو العلم المنظور المشهود, والله قد ادخر لنا في كتاب الله أكثر من ألف آية تتحدث عن الكون والإنسان والحياة والأحياء، وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم  ما يقترب من هذا العدد أو يزيد, وهذا يعني أن الله أبقى لنا آيتين لا يمكن أن تنمحيا ولا أن تزولا: الأولى آية منظورة في ملكوت الله، والثانية آية مسطورة في كتاب الله, وتلاقي الآيتين دليل يقيني على أن من أنزل القرآن هو من خلق الإنسان والأكوان, وبالتالي فما احتواه القرآن والسنة من عقيدة وشريعة وآداب وأخلاق وتنظيم شؤون الحياة هو الطريق الموصل لعزنا في الدنيا وسعادتنا في الآخرة؛ لذلك كان الاهتمام بالإعجاز العلمي في القرآن والسنة.

     وفي مؤتمراتنا التي كانت تحوي بين جنباتها المنصفين من غير المسلمين، كانوا يقولون بعد أن يروا هذه الحقائق اليقينية المنظورة العلمية، كانوا يقولون لنا: نشهد أن هذا الكلام لا بد أن يكون من عند الله، فعلم الأجنة كعلم يقيني يعرفه المتخصصون، لم يصبح علمًا يقينيًا منظورًا بأبحاثه المتعلقة بأطوار الجنين في بطن أمه، إلا في عام 1912م، وقبل ذلك قد جاء علم الأجنة واضحًا ظاهرًا دقيقًا بمراحله في كتاب ربنا، ومن العجائب أنه في أحد المؤتمرات، التفت إلي البروفيسور مانشن جونسون، وهو من أكابر علماء الأجنة في القرن العشرين، وقال لي: أتكون هذه الحقائق عندكم وأنتم صامتون, صدقني لو كانت هذه الحقائق عندنا لأقمنا الدنيا ثم لم نقعدها.

عش القراء

     أما الدكتور أيمن رشدي سويد فقد بدأ كلمته بالثناء على المنطقة التي عقد فيها المؤتمر، قائلاً: هذه المنطقة التي نحن فيها – منطقة وسط الدلتا – التي يحلو لي من سنين طوال أن أسميها (عش القراء)؛ لأنها على مر القرون حوت سادتنا القراء الذين حملوا لنا حروف القرآن الكريم سليمة كما أنزلت، كالشيخ سليمان الجمزوري، والشيخ أحمد البقري، والشيخ محمد البقري، والشيخ السمنودي شارح الدرة، والشيخ إبراهيم على شحاتة السمنودي شيخنا, والشيخ علي الميهي، والشيخ المشهداوي، والشيخ الخليل، وكم وكم من السادة القراء في هذه المنطقة التي نحن فيها اصطفاهم الله لحفظ أصوات كتابه عبر القرون فلله الحمد والمنة.

علم القراءات

وعلم القراءات فيه شعبتان رئيستان:

- الشعبة الأولى: (شعبة اللهجات)، مد وقصر، وصلة ميم الجمع، وتقريب الألفات وإمالتها.

- والشعبة الثانية: (قراءات المعاني)، وهذا قطعًا من إعجاز النص القرآني، بمعنى أنه لا يستطيع الآخرون أن يأتوا بمثله، ويستدل بهذا على نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه مرسل من الله ناطق بكلامه.

     والشعبة الأولى من باب التسهيل على الأمة, وأما الشعبة الثانية فنجد فيها على سبيل المثال: قول الله تعالى: {مالك} وتقرأ {ملك}, وقوله تعالى:  {يَكذبون} وتقرأ: {يُكَذِّبون}، وفيها قول الله تعالى عن الخمر والميسر: {قل فيهما إثم كبير}،  وقرئت: {كثير} بمعنى آثام عديدة؛ لأن الخمر أم الخبائث، فينبني عليها إضاعة المال والأسرة والعقل وارتكاب الزنى والقتل، وكل واحد من هذه المعاني إثم كبير فجمعت القراءتان معنى إلى معنى فصارتا كآيتين يعضد كل منهما معنى الآية الأخرى .

     وقوله تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره  للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصَّعَّد في السماء}، وقرئت: {كأنما يصْعَد في السماء}، وقرأت أيضًا: {كأنما يصَّاعد في السماء}، يصعد مضارع ماضيه صعد وهو الأصل, ولكن يصَّعد بتشديد الصاد، وتشديد العين، والعين حرف من وسط الحلق يخرج برجوع لسان المزمار إلى الحلق، ويضيق به الحلق فكيف إذا كان مشددًا, فلما يصعد الإنسان في السماء يصيبه ضيق ويغلب عليه التقيؤ ونحن نعلم أن المتقيئ - عافانا الله وإياكم - يغلب عليه وهو يفعل هذا الفعل صوت حرف العين، ثم إن هذا التصاعد يكون إلى طبقات عالية، يصَّاعد في السماء فتأتي الألف هنا لتبين أن هذا الصعود فيه امتداد، فهذا الجانب من الإعجاز هو جانب قراءات المعاني.

 القرآن دستور البشرية

     ولا شك أن الله أنزل كتابه ليكون دستورًا للبشرية لا ليكون أداة طرب ونغم، ومع أن تحسين الصوت وسيلة لتحبيب القرآن إلى القلوب، ولكن إذا بالغنا فيه انقلبت الأمور، فيصير القرآن خادمًا، والنغم مخدومًا، فلننتبه فإن في كتاب الله أشياء وأشياء، قال تعالى: {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}.

توصيات الـمؤتـمر

     وبعد انتهاء فعاليات المؤتمر من ندوات وحلقات نقاشية وحوارية خرج المؤتمرون بمجموعة من التوصيات كان من أهمها:

- يوصي المؤتمر بالاستزادة من هذه المحافل العلمية بحيث ينعقد المؤتمر مرة كل عامين خلال شهر نوفمبر لإثراء البحوث المتعلقة بالقراءات وعلومها وقضاياها .

- يوصي المؤتمر بضرورة أن تتبنى الكلية في مؤتمراتها الدولية مناقشة قضايا القرآن الكريم والقراءات وعلومه من خلال خطة علمية طموح تفي بتطلعات الأجيال في هذه الكلية.

- يوصي المؤتمر بإنجاز موسوعة إلكترونية تستوعب جميع المفردات القرآنية التي تتنوع القراءات فيها وجمع الدراسات التي تدور حولها.

- يؤكد المؤتمر على وجوب التريث الواعي في محاولة ربط النظريات العلمية التي لم تصل إلى مستوى الحقيقة المسلمة والثابتة علميًا بالقرآن الكريم؛ لأن النظريات التي لم تتحصل بالثبوت العلمي قد يعتريها التغير، وحقائق القرآن ثابتة لا تتغير.

- يوصي المؤتمر بإنشاء كلية للقرآن الكريم والقراءات وعلومها بالقاهرة وأخرى بالوجه القبلي؛ إذ إن فعاليات المؤتمر قد كشفت عن الحاجة الماسة لذلك.

- يوصي المؤتمر بإنشاء كلية للقرآن الكريم والقراءات وعلومها للفتيات؛ لأن الفتيات الحاصلات على تخصص القراءات يعانين من الحرمان من إتمام الدراسات العالية في ميدان القراءات وعلومها.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك