توريث العلم: وِلادة أُمّة وتجديد للدِّين والمِلّة
إنَّ من الأدواء المُهلكة، والحُجُب التي تحجبُ عن اللهِ، وتعمي البصر والبصيرة - وبسببها كان هلاك قوم بأجمعهم - داء الغفلة عن الله، كما قال -تعالى-: {فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ}(الأعراف: 136)، وليستِ الغفلةُ مُقتصرةً على الجاهل فقط.
فوائد وحقائق
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ»، رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وصححه الألباني، وهذا الحديث قد اشتمل على جملة من الفوائد والحقائق:
- الأولى: مكانة العالِم، وأنه الوارث الشرعي لكل نبي يبعث في قومه؛ فميراث الأنبياء العلم، والوارث لهذا الميراث هم العلماء؛ ففيه إشارة بليغة إلى فضل العلم ومكانة العلماء.
- الثانية: الموروث من الأنبياء هو العلم بأصوله وحقائقه ومقاصده، وألفاظه ومعانيه، ودلائله ومسائله، وآدابه وسمته.
- الثالثة: ميراث الأنبياء لا يورّث بالانتساب، وإنما بالاكتساب والاجتهاد؛ فهو توريث شرعي تامّ لا يقيد بنسب ولا يحدّ بسبب، ولا يرتبط بجاه، وإنما بالعلم الشرعي بوسائله وغاياته.
- الرابعة: الميراث ينتقل إلى الأقرب فالأقرب؛ وأقرب الأمة في نسب الدين هم العلماء، وكل عاِلم يأخذ ميراثه من حصة العلم بحسب قربه منهج الأنبياء في العلم والفقه والحكمة؛ فسهم كل واحد من علماء هذه الأمة بحسب قربه من الرسول - صلى الله عليه وسلم - قرب امتثال واتباع وعلم وحكمة.
- الخامسة: المقصود من هذا التوريث أمران عظيمان:
الأول: حمل العلم وحفظه وفهمه والعمل به.
والثاني: نشره وتبليغه والذبّ عنه؛ فهذا التوريث هو توريث تكليف وتشريف، وتوريث علم وعمل، وتوريث التزام ومسؤولية.
- السادسة: نصّ العلماء على أنه يلزم من كون العالم وارثاً، أنه قائم في الأمة مقام النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قائم مقامه في تبليغ العلم ونشره وبيانه وعدم كتمانه أو تحريفه.
- السابعة: ومن يتأمل الحديث يلحظ صفات الكمال، فالمورِّثون هم الأنبياء، والوارثون كل من حقق العلم والإيمان، والموروث هو العلم الكامل؛ لهذا من كان وارثًا شرعيًا بهذا المعنى فقد أخذ نصيبًا كبيرًا وفضلا كاملا وفيرًا، فهو صاحب الحظ الأكبر والأوفر، سواء كان قد أخذ سهمه بالفرض أم بالتعصيب.
- الثامنة: ليس كل منتسب للعلم يكون وارثا للأنبياء بالضرورة؛ فكما لوراثة النسب موانع؛ فإن وراثة العلم عن الأنبياء لها أيضًا موانع، وربما يكون في أول الأمر وارثًا، ويحجب حجب حرمان أو نقصان عن بلوغ النهاية! لهذا اشتغل الربّانيون، ونهض العاملون، واجتهد الراسخون؛ بدفع تلك الموانع والحجب؛ بعد أن تيقنوا أن كثيرًا منها تكمن في القلب والقصد والإرادة والهِمة والخاطرة والنية.
- التاسعة: من دقائق هذا الحديث العظيم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلّق التوريث بزمان ومكان وذوات، وإنما بالأوصاف؛ فهذا التوريث قائم لا ينقطع ولا يضعف إلى قيام الساعة، مادام الوارث عالمًا والإرث هو العلم.
- الحقيقة العاشرة: رسالة إلى العلماء الراسخين والدعاة الربانيين: أن معيار الدعوة وقيمة الأمة يكون في (التوريث والانتقال)، ماذا ورثّنا؟ وما الذي ينتقل بيننا من جيل إلى جيل؟ فإذا كان العمل يجري على توريث العلم الشرعي بحقائقه وأصوله وأخلاقياته، وانتقال الفهم والفقه والحكمة من جيل إلى جيل ومن طبقة إلى طبقة، فنحن في خير كبير وربح وفير، أما إذا كان التوريث هو توريث الشهادة والمنافسة والزعامة، وانتقال الجدل والتنظير في الفكر والعقل بين الأجيال، فنحن في حرمان وخسران, فالأمر يحتاج إلى مراجعة ومحاسبة, فأعظم المطالب في هذه الأزمنة المتأخرة هو العمل على وراثة علم النبوة؛ فنحن في زمن الفقر لا في زمن الغنى.
لاتوجد تعليقات