رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد بن إبراهيم السعيدي 1 ديسمبر، 2017 0 تعليق

توحيد الألوهية ومفاتيح النهضة

كانت خاتمة مقالي السابق: (السلفية وحاجات الأمة) ضَرْبَ المثلِ بتركيز المنهج السلفي على توحيد الألوهية لسد حاجات البشر الفطرية والروحية؛ وقد أثار ذلك تساؤلاً لدى بعض الناس مُلَخَّصُه: إن الأمة بل العالم بأسره في حاجة إلى الاقتصاد والإدارة والسياسة والتنمية؛ فأين منهج السلف منها؟

     والجواب عن ذلك: نعم إن منهج السلف في فهم الإسلام يسد حاجة العالم في كل تلك الأبواب، لكن فهم ذلك كلَّه مُحتاج لِفهمٍ أعمق لتوحيد الألوهية؛ فمشكلات الدنيا كلها مفتقرة في حلِّها إلى عبوديتهم لله -عز وجل- اختياراً كما هم عبيد له اضطراراً، ودون ذلك فإن الحلول لمشكلاتهم جميعها إنما هي آنية أو متوهمة، ولابد أن تنفتح مع كل واحد منها أبواب لمشكلات أُخر تكون أكبر وأخطر من المشكلة الأساس، كحل مشكلة الإقطاع بالرأسمالية، وحل مشكلة الاستبداد بالحرية، وحل مشكلة الانحدار الأخلاقي بالإشباع الغريزي، وحل مشكلات اضطهاد النساء بمزاعم حق المساواة، وحل مشكلات البطالة بالتوظيف القسري، وحل مشكلات الفقر بالاشتراكية التصاعدية، وحل مشكلات التضخم بزيادة الأجور، وحل مشكلات العجز المالي بالقروض الربوية؛ فلا يوجد مشكلات تتم محاولة علاجها خارج نطاق العبودية التامة لله -تعالى- إلا وينتح عنها العديد من المشكلات الكبيرة، وابتعاد العالم عن هذا المنهج في غالب أطوار التاريخ هو سر الشرور التي يحفل بها التاريخ الإنساني، حتى إننا ونحن نقرأ تاريخ العالم القديم والحديث، إنما نقرأ تاريخ الإجرام والنكد والضيم الذي ينتقل البشر عبره أو ينتقل مع البشر جيلاً بعد جيل .

فترات السعادة

     ولو أردنا أن نفتش في التاريخ عن فترات السعادة التي مرت بها الأمم فإننا لن نحصل من ذلك إلا على القليل، وحتى هذا القليل ليس عاماً، فهو سعادة لطبقة مترفة على حساب أغلبية مسحوقة، أو سعادة من النوع الذي يمكن تسميته (تعايشياً) أي: أن الإنسان المسحوق يتكيف مع وضعه السيء حتى يصل إلى مرحلة اللامبالاة، كما هو حال مليارات من البشر في هذه الحضارة المعاصرة .

عناية القرآن بالتوحيد

     وهذا يفسر العناية القرآنية بتوحيد العبادة في حكايته لدعوة الأنبياء قاطبة وفي بيان محاججاتهم مع أقوامهم وفي جدل القرآن الكريم للكافرين، حتى لتكاد تمتزج تعاليم القرآن الكريم كلها بالدعوة لإخلاص العبادة لله -تعالى- وهذا الأمر أوضح من أن تحتاج البرهنةُ عليه سردَ الآيات التي وردت عن دعوة الرسل من نوح حتى محمد -عليهم وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم .

شرائع السياسة والاقتصاد

فلماذا لم توجد شرائع السياسة والاقتصاد والمعاملات بهذه الكثافة وهذا الوضوح ؟

- الجواب: أن هذه الشرائع لن يكون لها قيام حقيقي مالم يقم توحيد العبادة؛ لأن عدم قيامه أو ضعف قيامه في النفس، وفي المجتمع يعني انعداماً أو ضعفاً في جانب الاتباع، وهذا أمر لازم لا محيد عنه؛ فلا يمكن أن يضعف جانب توحيد الألوهية في النفس والمجتمع ويبقى مع ذلك جانب الاتباع حاضراً قوياً، وحين يضعف جانب الاتباع تصبح أهواء النفوس ومصالحها شريكة في التشريع وعند ذلك تبطل دعوى الامتثال ودعوى اكتمال توحيد الألوهية في النفوس؛ فاتباع الهوى يصل بالعبد إلى تأليهه وإن لم يسمه إلهاً؛ وذلك حين يقدم هواه ومصلحته وما يراه خيراً لنفسه على نصوص الشريعة، أي يقدم أمر نفسه على أمر ربه، وقد ذُكر الهوى مرات عديدة في القرآن الكريم، كلها في سياق الذم وإن اختلفت مواردها؛ فمرة بوصفه عائقاً من عوائق تحقيق العدالة {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا}، ومرة مانعا من موانع تطبيق الشريعة {يا داوودُ إِنّا جَعَلناكَ خَليفَةً فِي الأَرضِ فَاحكُم بَينَ النّاسِ بِالحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الهَوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذينَ يَضِلّونَ عَن سَبيلِ اللَّهِ لَهُم عَذابٌ شَديدٌ بِما نَسوا يَومَ الحِسابِ}، ومرة نوعا من أنواع الشرك أو مسوغا يتخذه الإنسان لتسويغ الإشراك بالله {أَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنتَ تَكونُ عَلَيهِ وَكيلًا}.

مصدر الفساد

      والأقوى من ذلك كله:أن اتباع الهوى هو مصدر الفساد الكوني {وَلَوِ اتَّبَعَ الحَقُّ أَهواءَهُم لَفَسَدَتِ السَّماواتُ وَالأَرضُ وَمَن فيهِنَّ بَل أَتَيناهُم بِذِكرِهِم فَهُم عَن ذِكرِهِم مُعرِضونَ}؛ فالانصراف عن الذكر -وهو التشريع الإلهي- هو أعظم مصادر الفساد في السماوات والأرض ومن فيهن .

 العبادة في توحيد الألوهية

      فالعبادة في توحيد الألوهية التي يُقصد إلى إخلاصها لله -تعالى- أوسع من جانب الصلاة والدعاء والنذور، بل تشمل اتباع الشرع في مناحي الحياة جميعها، وربما يكون نوح -عليه السلام- فيما حكاه الله -تعالى- عنه قد لخص ذلك في آية قصيرة من سورة نوح، قال -تعالى-: {قالَ يا قَومِ إِنّي لَكُم نَذيرٌ مُبينٌ أَنِ اعبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقوهُ وَأَطيعونِ}؛ فقد تضمنت الآية توحيد الألوهية وثمرتين جامعتين من ثماره، الأولى: تقوى الله -تعالى- والثانية: طاعة رسوله؛ فالأولى باعثة إلى الثانية، والثانية هي الشريعة التي يلزم من الآية أن تكون مخالفتها ضعفاً في التقوى، وبالتالي نقصاً في العبادة، وإقامة الشريعة هو في تفاصيله كلها عبادات متنوعة منها ما هو فرائض الإسلام وواجباته ومناهيه، ومنها ما فيه قوام حياة الناس في تنظيم أمور حياتهم وأموالهم وسياساتهم .

      لكن هذه الشرائع منها ما هو معقول المعنى وتتفق الشريعة مع العقول الراجحات على حسنه أو قبحه فلا تجد الأهواء غضاضة في استباحته أو تحريمه، وذلك كالبيع والسرقة؛ فإن أهواء النفوس ومعقول الناس يتفق مع الشرع في استحسان إباحة البيع وحرمة السرقة .

ما ليس معقول المعنى

      لكن من الشريعة ما ليس معقول المعنى أو لا تدرك كثير من العقول والأهواء حُسْنَه أو قبحه، كقوامة الرجل وحُرْمَة الربا، وهذه كثيرة في الشرع جداً، وهي محل التمييز بين المُتَّبِع من غيره؛ لأن الأول لا يشترط في امتثاله إدراك حسن المأمور به أو قبحه، بل يقدم التسليم لحكمة الشارع والانصياع لحكمه ولو عجز عن إدراك حكمته، وهذا النوع من الناس قليل كما أخبر الله -عز وجل-: {وَإِن تُطِع أَكثَرَ مَن فِي الأَرضِ يُضِلّوكَ عَن سَبيلِ اللَّهِ}؛ ولهذا لا تخرج البشرية من بلاء إلا إلى ما هو أعظم، ولو أن ألأمم عملت بتعاليم رسالاتهم لاستقامت حياتهم كأحسن ما تكون الحياة الدنيا كما أخبر -تعالى- عن اليهود والنصارى {وَلَو أَنَّهُم أَقامُوا التَّوراةَ وَالإِنجيلَ وَما أُنزِلَ إِلَيهِم مِن رَبِّهِم لَأَكَلوا مِن فَوقِهِم وَمِن تَحتِ أَرجُلِهِم مِنهُم أُمَّةٌ مُقتَصِدَةٌ وَكَثيرٌ مِنهُم ساءَ ما يَعمَلونَ}.

التوراة والإنجيل

      وإقامة التوراة والإنجيل ليست مقتصرة على العمل بأركان الإيمان أو فرائض الدين، بل متعدية إلى استحلال ما أحل الله وتحريم ما حرم في شؤون الحياة جميعها، وإن قصرت العقول عن إدراك حكمته أو كان وهم المصلحة ودرء المفسدة في غيرها؛ فإن هذه الأحكام منها مالا يصح مخالفته ولو اقتضت الضرورة ذلك، كإلحاق الضرر بالغير أو انتهاك أصول الدين، ومنها ما يمكن تجاوزه مؤقتاً مع ثبوت الضرورة الداعية لتجاوزه والمصلحة المتحققة من ذلك، وهذا لا يمكن ضرب المثال له لتغيره بتغير المحل والحال؛ ولأن ادعاء الضرورة تنزع إليها الأهواء، فتسمي ما ليس بضرورة ضرورة لتطبع أهواءها بطابع الشريعة.

       والحاصل : أن تمحيض العبادة لله -تعالى- في النفس والمجتمع طريق مضمون لتحصيل منافع الدنيا قبل الآخرة، ولو لم يكن من الإخلال بتوحيد الألوهية سوى أن من يشك في ذلك شاك في وعد الله الذي لا يخلف وعده لكفى به بأساً وبئسا {وَلَو أَنَّ أَهلَ القُرى آمَنوا وَاتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالأَرضِ وَلكِن كَذَّبوا فَأَخَذناهُم بِما كانوا يَكسِبونَ}.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك