تهذيب السلوك العدواني عند الأطفال
من مقاصد التربية الإسلاميّة إعداد الجيل الناشئ بتحصينه الإيمانيّ، وتقوية نوازع الخير لديه، وضبط نوازع الشرّ في داخله، وصرف الطاقات نحوَ الأهداف الساميّة التي بها تكون الشخصيّة الإسلاميّة ناضجة ومثالا يُحتذى في النجاح والتميّز.
ومن الصفات السلبية لدى الأطفال التي يجب تقويمها وتهذيبها: السلوك العدواني؛ لما له من أضرار خطيرة سواء على الطفل نفسه، أم على المجتمع الذي يعيش فيه؛ فهو يحول دون قيام علاقات اجتماعية وإنسانية سليمة بين الطفل المعتدِي وسائر المحيطين به، كما أنه يسبب للطفل اضطرابات نفسية وجسمية كثيرة.
مفهوم العدوان لدى الأطفال
وقد تعددت محاولات علماء النفس في وضع تعريف واضح لمفهوم العدوان لدى الأطفال، ومن أكثرها وضوحا تعريف العدوان بأنه: «السلوك الموجه ضد الآخرين، لإيذاء الذات أو الآخرين أو الممتلكات بطريق مباشر أو غير مباشر». (د.أحمد محمد الزعبي: مشكلات الأطفال النفسية والسلوكية والدراسية،ص:150).
مستوى شيوع العدوان بين الأطفال
يتصرف الذكور عادةً تصرفا عدوانيا أكثر من الإناث، والسبب يرجع إلى:
عوامل بيولوجية أثبتتها الأبحاث والدراسات التي أجريت بهذا الصدد.
عوامل بيئية؛ حيث يفرض المجتمع توقعات معينة لسلوك الإنسان حسب جنسه؛ فنتوقع من الفتى أن يكون عدائياً، بينما نشجع الفتاة على التسامح والتعاون.
تعدد أشكال السلوك العدواني
لا يقتصر سلوك العدوان على العنف البدني أو الصراخ فقط، ولكن يتِّخذ العدوان بين الأطفال أشكالاً عديدة، مثل:
- العدوان النفسي كالإهانة وخفض قيمة الآخرين.
- العدوان الجسدي كالضرب والرفس ورمي الأشياء.
- العدوان اللفظي كالشتم والتهديد والإغاظة.
فقد يظهر في صورة دفاع الطفل عن نفسه ضدَّ عدوان أحد أقرانه، أو كمشاجرة مع الأقران بغرض السيطرة عليهم.
وقد يظهر السلوك العدواني مقترناً بحالات انفلات الغضب؛ فيقوم الطفل بتحطيم بعض أثاث البيت ولا يستطيع السيطرة على نفسه، وقد يظهر في سلوكيات منحرفة مثل السرقة، النميمة، الإيقاع بين اثنين، تمزيق الملابس والكتب، الكتابة على جدران المنزل والمكتب، أو تعمّد كسر الأشياء الثمينة.
كما قد يكون العدوان عند الأطفال فردياً، مثل أن يعتدي طفل على طفل بالسب أو الشتم أو الإيذاء الجسدي، وقد يكون جماعياً، عندما تتكتل مجموعة من الأطفال ضد طفل غريب لإبعاده والاعتداء عليه، وقد توجه جماعة الأطفال عدوانها ضد أفرادها المستضعفين.
وغالباً يتسم الطفل العدواني بأنه حاد الغضب، شديد الإحباط، يجد صعوبة في تقبل النقد، والأطفال الأقل ذكاء هم الأكثر ميلاً للعدوانية.
أول طريق للعلاج
أعزائي، إن أول طريق العلاج هو معرفة الأسباب؛ فعليك عزيزي المربي أن تسأل نفسك دائماً وتنقب عن أسباب عدوانية طفلك، وإليك أشهر الأسباب التي تؤسس للسلوك العدواني لدى الأطفال:
تقليد الآباء والإخوة والرفاق
أحياناً نمارس -نحن الكبار- (العدوان) على الطفل، ونضعه في موقف من مواقف الصراع، ونقدم له أنموذجاً سلوكياً خطأ، يقوم على التهور والاندفاع، فيترك آثاره السيئة على جهازه العصبي، ويزيد من قابليته للاستثارة، ذلك أن الطفل يحدد لنفسه نموذجاً سلوكياً متقارباً مع الأب أو أحد الأقارب في محيط الأسرة؛ فيتبنى القيم التي يعتنقها الأب ويقلد سلوكه، وكلما كان الأب أكثر عدوانية كان الطفل كذلك.
منشأ السلوك العدواني
السلوك العدواني هو تعويض عن الإحباط المستمر، كما أنّ كثافة العدوان تتناسب مع حجم الإحباط وكثافته، ومثال ذلك شعور الطفل بالذنب لإخفاقه في الدراسة، ولاسيما إذا عيّره أحد بذلك؛ فيلجأ إلى تمزيق كتبه أو إتلاف ملابسه أو الاعتداء بالضرب أو السرقة تجاه المتفوق دراسياً.
أساليب الوالدين في التربية
إنّ أساليب الوالدين الخطأ في تربية الأبناء، والجو الأسري السائد في المنزل، من شأنها أن تساهم في إيجاد العدوان عند الطفل، مثل اعتماد أسلوب القسوة ومصادرة الرأي، وكفّ الطفل عن إبداء رأيه وطرح الأسئلة، أو استخدام العقاب البدني دون ضوابط بوصفه أسلوبا دائما للتعامل مع الطفل وتوجيهه. وسواء كان هذا الأسلوب من الوالدين أم أحدهما؛ سينتج عنه عدوانية الطفل تجاه من حوله.
التفرقة بين الأبناء
عدم مراعاة العدل في معاملتهم يتيح للابن الأكبر محاولة فرض سيطرته على الأصغر واستيلائه على ممتلكاته؛ فيؤدِّي بالصغير إلى العدوانية. وكذلك محاولة الولد فرض سيطرته على البنت واستيلائه على ممتلكاتها، -ومع الأسف- نجد بعض الآباء يشجعون على ذلك فيؤدِّي بالبنت إلى العدوانية.
التأثر بالشخصيات العدوانية
لوحظ أن لمشاهد العنف التي يشاهدها الأطفال على شاشة التلفاز آثاراً عميقة على تنمية الاتجاه العدواني لدى هؤلاء الأطفال؛ حيث يتعلم الطفل أن الشجار والصراع والعنف سلوك منطقي وطريقة مقبولة للوصول إلى تحقيق الأهداف؛ فيقلد تلك المشاهد التي يراها على شاشة التلفاز في أول فرصة تتاح له.
الوقاية وأساليب العلاج
أهم القواعد والأسس التي يمكن للمربي أن يعتمدها للحد من السلوك العدواني عند طفله، وكذلك الوقاية منه قبل أن يحدث،مثل:
- تربية الأطفال تربية متوازنة تقوم على الأخذ والعطاء، وتنمية القيم الإيجابية لديهم، على أن يكون هناك تفاهم واتفاق كبيرين بين الأب والأم على هذا الأسلوب المتوازن والإيجابي في تربية أبنائهم.
- عدم اللجوء إلى العدوان والغضب الشديد عندما يخطيء الطفل، والتحلي بالهدوء والتحكم في الذات؛ فقد أثبتت الدراسات النفسية أنّ العقاب القاسي لا يمنع الطفل من السلوك العدواني بل يقوده إلى مزيد من العدوان نتيجة شعوره بالإحباط.
- لابد من توفير عدد من اللعب كالدمى ودفاتر التلوين وألعاب الفك والتركيب، بين يدي الطفل؛ لكي يستطيع أن ينفس ما لديه من طاقات عدوانية.
- ترديد الحكايات والقصص التي توضح للطفل أهمية الهدوء والسكينة والرحمة، وعيوب العنف والعدوان.
- تجنب وضع الطفل في مواقف تنافسية دائمة أو شديدة مع الآخرين؛ فقد ثبت أنّ الثقافات التي تمجّد العنف وتحبّذ التنافس تُؤثِّر على دعم سلوك العدوان لدى الأطفال.
-تعزيز فرص النجاح لدى الطفل؛ فالنجاح في إنجاز الأعمال الموكلة إليه تعزز من ثقته بنفسه، وتبعد عنه مشاعر النقص والإحباط أيضاً.
- العمل على توفير الاطمئنان والأمن النفسي للطفل في الأسرة والمدرسة؛ فالطفل الذي يعيش خبرات سارة وسعيدة، يعكس سعادته على الآخرين من خلال سلوكه معهم، كما أن توفير علاقات قوامها المحبة والمساواة والتسامح والتعاون في جوّ أسري آمن من شأنه أن يبعد الطفل عن العدوان ويقلل منه في حالة وجوده. (د.أحمد محمد الزعبي: مشكلات الأطفال النفسية والسلوكية والدراسية،ص:159)
- من أهم الخطوات في علاج السلوك العدواني هو مكافأة الطفل عندما يتخلى عن العدوان، مثل أن يلعب مع أخيه دون شجار أو صراخ ولو لمدة وجيزة؛ فهنا يجب منحه جائزة ولو بكلمة تشجيع أو قطعة حلوى، وذلك حتى يعتاد ويتأكد لديه السلوك الحسن.
- إشعار الطفل بذاته وتقديره وإكسابه الثقة بنفسه، وإشعاره بالمسؤولية تجاه إخوته، وإعطاؤه أشياء ليهديها لهم بدل أن يأخذ منهم، وتعويده مشاركتهم في لعبهم مع توجيهه بعدم تسلطه عليهم.
- الحرص على ألا يرى الطفل من النزاعات الزوجية إلا حدها الأدنى؛ لأن الطفل يتعلم سلوكه الاجتماعي عن طريق ملاحظة أبويه وتقليدهما؛ فإن رأى بينهما العدوان طبيعياً ودائماً فسيتصرف وفقاً لذلك مع الآخرين.
- أسعد طفلك بالقبلات والأحضان الدافئة، وتبادل الضحكات والابتسامات، ومشاركته اللعب والمرح؛ فإن الدراسات تشير إلى أن الأشخاص السعداء يميلون أكثر للتعامل بلطف مع أنفسهم، ومع الآخرين.
تصرفات طفلي العدوانية تسبب لي العديد من المواقف المحرجة
- الجواب: نعم من الممكن إن شاء الله تعالى، والنصيحة التربوية هي:
ضاعفي حصته الواجبة من المشاعر الإيجابية (الحب والتقدير والاحترام).
احرصي على توفير مناخ أسري خالٍ من النزاعات؛ فالطفل الذي ينعم بالأمان بعيد كل البعد عن سلوك العدوان!
انتقاء المواد التي يشاهدها في التلفاز بعناية؛ فقد أشارت إحدى الدراسات إلى أنّ برامج الرسوم المتحرّكة المخصصة للأطفال تحتوي على أعلى نسبة من مشاهد العنف مقارنة بأي برامج أخرى.
لاتوجد تعليقات