رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 21 أبريل، 2014 0 تعليق

تقرير الدراسة العالمية للجرائم يدق ناقوس الخطر في الكويت – بعد تصنيفــها الثانية خليجيًا والـ 17 آسيويًا في معـدلات الجريمـة


الدكتور بسام الشطي: الذين يسترخصون الدماء ويستسهلون الاعتداء، إنما يفعلون ذلك لضعف الدين في نفوسهم وبقايا الجاهلية في عقولهم

إننا حقًا أمام (أزمة أخلاق) حقيقية سادت في مجتمعاتنا العربية كلها، وليس في الكويت وحدها

الدكتور وائل الحساوي دعونا نبحث عن أداة الجريمة الحقيقية وعن المجرم الحقيقي، أليست مشاهد العنف التي يراها أطفالنا وشبابنا يوميًا في برامج التلفزيون وألعاب الإنترنت قد شاركت في تلك الجريمة؟!

 الدكتور مصطفى أبو سعد: الأسرة تشارك في عملية الانحراف بسبب القدوة السيئة من قبل الوالدين، وانشغالهم عن الأبناء، وغياب الرقابة والمتابعة والقسوة الزائدة على الأبناء

 المحامي: عبد الله الدمخي: السبب في زيادة الجريمة ضعف القوانين والتشريعات، وشعور المرتكب لتلك الجرائم بأن الأحكام التي ستطبق عليه ستكون مخففة لا تتعدى بضع سنوات من السجن في سجون (ترفيهية)

 

بمعدل جريمة قتل لكل مائة ألف شخص في عام 2012، شغلت الكويت المركز الـ 17 آسيويًا والمركز الثاني خليجيًا، بمعدل ارتكاب الجرائم وفقًا لتقرير (الدراسة العالمية لجرائم القتل) الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بمكافحة الجريمة والمخدرات، يأتي ذلك في الوقت الذي بلغ فيه المتوسط العالمي لجرائم القتل 6.2 جريمة قتل لكل مائة ألف في 2012.

مظاهر عنف متعددة

     وجرائم القتل هي أحد أهم مظاهر انتشار العنف التي ملأت أرجاء الأرض، وانتشرت بين شباب العالم، والتي لم يعد أبناؤنا بمعزل عنها ولا شبابنا منها ببعيد؛ فقد طالتهم كما طالت غيرهم، فقصص عنف الشباب لا تكاد تحصى لكثرتها، ولا يكاد يمر يوم إلا ونسمع عن مأساة جديدة، حتى أصبح الأمر ظاهرة تحتاج إلى النظر في أسبابها وآثارها وكيفية علاجها، ولا سيما بعد أن تعددت مظاهرها وتنوعت أشكالها، مثل أعمال البلطجة، وكذلك عنف الشباب مع آبائهم وأمهاتهم، وإخوانهم وأخواتهم، وجيرانهم والناس من حولهم، وكذلك من أوضح هذه المظاهر العنف في المدارس - سواء في ذلك البنين أم البنات - والشللية في المتوسطات والثانويات، وسوء المعاملة مع المدرسين والمسؤولين، وكسر الممتلكات العامة وحرقها، وحوادث الاغتصاب وفعل الفواحش بالقهر والقوة وتحت تهديد السلاح، وكثرة المعارك بين الشباب التي يستخدم فيها الأسلحة البيضاء والسيوف والسلاسل الحديدية وغيرها من المظاهر المنتشرة بين الشباب.

ضعف الدين في النفوس

     في البداية يؤكد الدكتور بسام الشطي أستاذ العقيدة بكلية الشريعة أن ضعف الدين في النفوس أحد أهم الأسباب لهذه الظاهرة الدخيلة على مجتمعاتنا، فقد حذَّر الله تبارك وتعالى من قتل النفس بغير حق فقال تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}، (النساء: 93)، وهذا وعيد شديد لا يحتاج إلى شرح أو تعقيب؛ فإن الذين يسترخصون الدماء ويستسهلون الاعتداء، إما لطمع دنيوي أو لتأويل ديني، أو لدافع عنصري أو قبلي، أو لحراك سياسي، أو لجاهلية، إنما يفعلون ذلك لضعف الدين في نفوسهم وبقايا الجاهلية في عقولهم، وكلما خبت أنوار العلم في أمة، وتضاءل الدين في نفوس الأفراد، ازداد القتل لأتفه الأسباب، فهذا يقتل والدته؛ لأنها لم تعطه مالاً لشراب المسكر أو المخدر، وهذا يقتل زوجته؛ لأنها غضبت وصدرت منها كلمات أزعجته، وهذا يقتل شقيقته لأنه شك في تصرفاتها، وآخر يقتل شخصًا؛ لأنه نظر إليه أو آذاه بصوت سيارته، إلى غيرها من الجرائم التي تعصف بالمجتمع بين الحين والآخر.

     ولقد توالت التشريعات وتتابعت مؤكدة على حفظ دم الإنسان وروحه وحقه في الحياة مسلمًا كان أم كافرًا، ففي الحديث: «كل ذنبٍ عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا» وحديث ابن عمر رضي الله عنه  مرفوعًا: «لا يزال المسلم في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا».

 وطالب الشطي بمراجعة حازمة على كافة الأصعدة للحد من مظاهر الجريمة في المجتمع، مبينًا أن المسؤولية ليست مقصورة على الأجهزة الأمنية وحدها فقط، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب الوقوف بصورة فورية في وجهها.

إعلام العنف

     فالثقافة التي ينشرها الإعلام ـ ولا سيما المرئي منه ـ لها الدور الأكبر في نشر ثقافة العنف بين الشباب، فأفلام الرعب، وأفلام (الأكشن) كما يسمونها، ولون الدماء التي تغطي كل شيء فيتعود الإنسان على رؤيتها، مع تبجيل أصحاب البطولة في هذه الأفلام والمسلسلات حتى يتوهم الشاب أن البطولة في الضرب والقتل والسلب والنهب وتصبح هذه الثقافة هي السائدة.

     هذا ما أكد عليه الدكتور وائل الحساوي عميد كلية الدراسات التكنولوجية قائلاً: أين من يقرع أجراس الإنذار قوية ليقول للناس: قفوا قليلاً لنتفكر في ذلك المشهد، دعونا نبحث عن أداة الجريمة الحقيقية وعن المجرم الحقيقي؟! أليست مشاهد العنف التي يراها أطفالنا وشبابنا يوميًا في برامج التلفاز وألعاب الإنترنت قد شاركت في تلك الجريمة؟!

     ثم يستطرد مستدلاً بقول (ستيفن بانا)، وهو طبيب نفسي وأستاذ في جامعة (كولومبيا): «إذا صح أن السجن هو جامعة الجريمة، فإن التلفاز هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث»، وقد تبين أن 39٪ من الأحداث المنحرفين في إسبانيا قد تلقوا معلوماتهم من الأفلام التي تشرح لهم تفاصيل ارتكاب الجريمة وطرائق الاعتداء على الناس، ووجد أن برامج التلفاز تنقل الأطفال والمراهقين من الحياة الواقعية إلى الحياة الخيالية التي تسهل لهم ارتكاب الجرائم «إنهم بعد المشاهدة غاضبون ومخدرون» كما يقول علماء النفس.

غياب الرقابة الوالدية

     الأسرة تشارك في عملية الانحراف بسبب القدوة السيئة من قبل الوالدين، وانشغال الوالدين عن الأبناء، وغياب الرقابة والمتابعة والقسوة الزائدة على الأبناء، هكذا يرى الدكتور مصطفى أبو سعد الاستشاري النفسي والتربوي والمتخصص في التنمية البشرية، كما يؤكد على أن من أهم الأسباب ضعف الروابط العائلية ولاسيما مع كثرة حالات الطلاق وقلة الحوار الداخلي في الأسرة، مشيرًا إلى أن المجتمع يساعد أيضًا في الانحراف بسبب توافر سبل الانحراف وسهولة الحصول عليها، وكثرة أماكن اللهو، مع ضعف الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام المختلفة في التوعية والإرشاد، كذلك مع غياب رسالة المدرسة، وعدم وجود قوانين صارمة تزداد المأساة؛ فمن أمن العقاب، أساء الأدب.

     ثم يستطرد أبو سعد قائلا: إن الدماء التي تسيل على إثرها الدماء في المولات أو الشارع، هي بسبب ما يتراكم من «عنف وتوتر وصراع ونقد ولوم...يدفع أصحابها للبحث عن أي متنفس لتفريغ معاناتهم». ويرى أن أفضل حل للمواجهة هو «بالانسحاب من نظرات الآخرين أيا كانت؛ لأن العنف إذا انطلق تنطلق معه مشاعر سلبية قد تصل إلى القتل؛ لأن المشاعر إذا طغت تعمي البصيرة.

ضعف القوانين الرادعة

     من ناحيته بيَّن الـمحامي عبد الله الدمخي أنَّ السبب في زيادة معدلات الجريمة ضعف القوانين والتشريعات، فكان من نتيجته شعور المرتكب لتلك الجرائم بأن الأحكام التي ستطبق عليه ستكون أحكامًا مخففة لا تتعدى بضع سنوات من السجن في سجون (ترفيهية)، وقال: يجب أن يتغير القانون؛ لأنه موضوع منذ 24 عامًا، والأمور تغيرت الآن وتبدلت، كما أن الأحداث تغيرت مفاهيمهم ونظرتهم للحياة، وأضاف أن من ضمن الأسباب الرئيسة في زيادة الجرائم، قانون الجزاء الكويتي الذي وضع منذ عام 1960 الذي حدد بعض الجرائم، التي فيها يتحول المجني عليه إلى متهم وغيره هو البريء، مستدلاً بقانون المواقعة للقاصر دون سن 21 سنة التي فعلت (الفاحشة) برضاها، ثم تذهب إلى النيابة وترفع قضية على مواقعها ويتحول هو المجرم وهي البريئة.

أزمة أخلاق

     إننا حقًا أمام (أزمة أخلاق) حقيقية سادت في مجتمعاتنا العربية كلها، وليس في الكويت وحدها، فالأخلاق تعكس ثقافة الأمَّة وحضارتها، وبقدر ما تعلو أخلاق الأمة تعلو حضارتها وترتقي قيمها وتعاملات أبنائها، وبقدر ما تنحط أخلاقها تضيع وتنحط قيمها وتعاملات أبنائها، وإذا شاعت في المجتمع الأخلاق الحسنة من الصدق والأمانة والعدل والنصح، أمِنَ الناس وحُفظت الحقوق وقويت أواصر المحبة بين أفراد المجتمع وقلَّت الرذيلة والجريمة وزادت الفضيلة، وإذا شاعت الأخلاق السيئة من الكذب والخيانة والظلم والغش فسد المجتمع، واختل الأمن، وضاعت الحقوق، وانتشرت القطيعة بين أفراد المجتمع، وضعفت الشريعة في نفوس أهلها، وانقلبت الموازين؛ لذلك كان لزامًا علينا أن نأخذ بأسباب الوقاية من البداية، التي قد لا تكلف شيئًا مقارنة بالعلاج الذي يكلف الكثير من المال والجهد والوقت وإزهاق الأنفس بغير حق. ومن أساليب الوقاية والحماية:

- تعزيز الوازع الديني والأخلاق الإسلامية: ويكون هذا التعزيز بإعداد الدعاة المؤهلين الثقاة، أصحاب الفكر المتزن، المربين المخلصين، الذين يثق بهم الناس، وتمكينهم من القيام بمهامهم وإعانتهم على ذلك، وتشجيع النشاطات الإسلامية من محاضرات وندوات واحتفالات ومهرجانات ودور قرآن ورحلات تربوية.

-  التوعية بحقوق المؤسسات وحقوق الآخرين وواجباتهم: وأهمها حقوق الوالدين والزوجين وحقوق الأولاد والمعلم والطبيب والمسؤول وواجبات كل واحد منهم، والحث على التزام الجميع بحدوده والقيام بواجباته.

-  وضع القوانين والتشريعات الإسلامية  فهي القوانين الناجحة؛ لأنها مقنعة ولاسيما للمسلم كما أنها عادلة والرقابة عليها ربانية، ولا يمكن الإفلات من عقوبتها ولو بالآخرة مع ضرورة التطبيق الحازم لهذه القوانين على الجميع.

- ضرورة السرعة في إجراءات التقاضي.

- المكافحة الحقيقية الجادة للفساد الإداري والمالي: وذلك بالرقابة الفاعلة على الأجهزة الرسمية والأمنية وغيرها ومحاسبة المتجاوزين بحزم وعدالة ودون محاباة.

-  توقف بعض الجهات والأشخاص عن ضرب وحدة الأمة وجعلها شيعًا وتغذيتها لأهداف سياسية أو طائفية لم تعد خافية على أحد، بل العمل على وحدة الأمة ومحاربة الانتماءات الضيقة.

- تحقيق العدالة الاجتماعية وتحقيق كفاية الناس المادية من سكن وعلاج وطعام وتعليم  ولعل أول من قام بذلك بعمل مؤسسي عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

- تعزيز الانتماء الإيجابي للأسرة والعشيرة؛ بحيث يدفع ذلك إلى التنافس الشريف لخدمة الوطن والأمة والتكافل والتكامل بين مكونات الأمة .

- تعزيز الترابط الأسري والاجتماعي وتعزيز سلطة الحكماء في الأسر والعشائر وقادة المجتمع.

- فتح باب الحوار الحقيقي الجاد ابتداءً من الأسرة وانتهاء بكافة مؤسسات المجتمع الرسمية والشعبية، وإشاعة ثقافة تقبل الرأي الآخر وتجنب قمع الرأي المخالف.

- وأخيرًا ضرورة إبراز القدوات الحسنة والتركيز عليها وتكريمها ماديًا ومعنويًا ومحاسبة النماذج التافهة والفارغة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك