رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: القاهرة - الفرقان: أحمد عبد الرحمن 2 أبريل، 2012 0 تعليق

تطوير آليات الوقف ضرورة لتجاوز أزمتها الاقتصادية والاجتماعية- الوقف الإسلامي طوق نجاة للأمة للخروج من أزمتها

 

انحراف الوقف عن مساره الصحيح أضر بالدعوة الإسلامية ووسع أحزمة الفقر

تراجع الإقبال على وقف الأموال لدعم الدعوة يستوجب استنفار علماء الأمة

الأزمات الاقتصادية والانهيار التعليمي تفرض تطوير تشريعات الوقف

مصالح الأمة تفرض توسيع أدوار الوقف لمواجهة الأمية والبطالة والتصدي لأزمة العنوسة

إعادة الاعتبار للوقف كفيلة بتكريس قيم العدالة والتكافل الاجتماعي

لعل معاناة بلدان عديدة في المحيط العربي من أزمات اقتصادية متلاحقة وما خلفته من تداعيات تمثلت في ارتفاع معدلات البطالة بشكل طال50 % من القوى العاملة في المنطقة، وانتشار أحزمة الفقر بشكل غير مسبوق في المنطقة، وتفشي أمراض اجتماعية مثل العنوسة وارتفاع سن الزواج، فضلاً عن وجود ارتفاع قياسي في أعداد الأميين، لعل كل هذه المشكلات أعادت الاعتبار لدور الوقف الإسلامي في التصدي لهذه المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية التي تعانيها بلدان المنطقة.

       فالوقف الذي يعد من أبرز المظاهر الاقتصادية الإسلامية ووضع لبنته الأولى رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه في سنته الشريفة عبر إنشائه أول وقف في الإسلام حين أوقف سبعة حوائط -أي بساتين- كانت ليهودي في المدينة يدعى «مخيريق بن النضير» وكان قد أوصى بها إن قتل فهي لمحمد يضعها حيث أراد الله وهو ما تحقق في يوم غزوة أحد, فتصدق رسولنا الكريم بتلك الحوائط السبعة وأوقفها وهي سنة اتبعه فيها الصحابة رضوان الله عليهم وتابعوهم وتابعو تابعيهم.

       ووضع الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لبنات الوقف بوصفه مؤسسة فعالة في تاريخ الإسلام عبر آليات دينية واقتصادية واجتماعية لتحقيق عدد من الأهداف منها حراسة الدين التي تعد أحد شطري واجبات الحكومة في الإسلام والشطر الآخر سياسة الدنيا.

       بل إن الإسلام وضع آليات وقفية لحراسة الدين منها بناء المساجد وعمارتها لإقامة الصلوات لكونها عماد الدين وكان الوقف الإسلامي من أهم المصادر الرئيسة لتوفير التمويل اللازم لذلك فضلاً عن وقف الأموال لتأليف الكتب وإقامة المكتبات وحلقات العلم والتعليم في المساجد.

فقر وتنمية

       ولم تتوقف آليات الوقف عند هذا الأمر بل امتدت أيضًا إلى أهم أهداف الوقف والمتمثلة في محاربة الفقر والإنفاق على الفقراء والمساكين لتوفير مصدر دخل ثابت ومستمر لها ومواجهة تدني مستوى قدرات الإنسان الذي قد يصل إلى حد يمنعه من المشاركة في عملية التنمية وفي جني ثمارها، ذلك أن الدولة بما تقدمه من خدمات عامة ومن خلال مرفق التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية توفر هذه الخدمات مجاناً للفقراء.

       غير أن إمكانيات الدولة قد لا تستطيع الوفاء بهذه الاحتياجات لإقامة وتشغيل هذه المرافق المتعددة أو توفير هذه الخدمات لجميع أبناء المجتمع، وفي هذه الحالة يبرز دور الوقف وما يستدعيه من دور شعبي لاعتناء الأمة وميسوريها بوقف أموالهم لإقامة وتوفير نفقات تشغيل هذه المرافق لخدمة المناطق المحرومة.

       وقد احتفى التاريخ الإسلامي بالدور الذي أداه الوقف في التصدي لمشكلات الأمة؛ حيث أسهم إسهامًا كبيرًا في إنشاء جميع المرافق الخدمية من مدارس ومستشفيات وطرق وجسور ومصادر للمياه وغيرها من وسائل ومؤسسات التنمية الاجتماعية والحضارية، ناهيك عن دوره في دعم العلم الشرعي ووقف أموال لدعم مجهود علماء الأمة وفقهائها لتأمين قيامهم بدورهم خير قيام.

تطوير الوقف

       ولعل انتشار أحزمة الفقر لتضرب بعمق في الجسد العربي وتتحول من ظاهرة طبيعية إلى مشكلة جادة تهدد قطاعات واسعة من المواطنين، قد فرض ضرورة إحياء سنة الوقف وتفعيلها فضلاً عن ضرورة تطوير العمل الأهلي ودعم جهوده في إطار جمع التبرعات ووقفها لخدمات مشروعات إسلامية كبرى، فضلاً عن أن تطوير الوقف وتوسيع أغراضه وتشجيع الميسورين على التوسع في وقف أموالهم يعد أحد أهم البدائل لسد تراجع دور الدولة في كافة المجالات وتركها الأوضاع في عدة بلدان عربية لنهج العرض والطلب واقتصاد السوق بما سمح بانتشار الاحتكارات والفساد وما تبعه من انتشار الفقر بوتيرة متصاعدة.

       بل إن الأزمات التي تمر بها المنطقة العربية ومعاناة قطاعات عريضة من الضائقة الاقتصادية تفرض تطوير أوعية الوقف كما يؤكد د. محمد الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف المصري الأسبق ليتيح توفير حلول لعدد من المشكلات منها مواجهة ظاهرة البطالة والعنوسة وتأخر سن الزواج وإيجاد معالجة جادة لمشكلة الأمية التي يعاني منها أكثر من 40% من سكان المنطقة.

       ويضاف لسلسلة المشكلات التي ينبغي للوقف أن يؤدي فيها دورًا -والكلام مازال للدكتور أبو النور- مواجهة مشكلة الأمراض المتوطنة وحل مشكلة النظافة وتلوث البيئة، ناهيك عن استخدامه لتطوير المؤسسات التعليمية التي أضرت بها بشدة سياسات الخصخصة وتحرير الاقتصاد وتراجع دور الدولة.

دور حضاري

       غير أن اضطلاع الوقف بهذا الدور لن يكون سهلاً ولاسيما أن الوقف طوال التاريخ الحديث قد واجه تحديات جسيمة أضرت به بشدة نتيجة سيطرة القوى الغربية على أوعيته خلال فترات الاستعمار والانحراف عن مساره، وهو النهج نفسه الذي قامت به الدولة العربية الحديثة؛ حيث سيطرت الحكومات على مؤسسة الوقف وقضت على الطابع الأهلي له ونحت به منحى غير منضبط وأضعفت الدور الحضاري الذي قام به على مدار القرون الإسلامية الأولى.

       غير أن وزير الأوقاف المصري الأسبق لا يرى الصورة قاتمة تمامًا في ظل ما يشعر به من وجود رغبة قوية في النهوض بالوقف وإحيائه وإصلاحه لكون هذه المراحل ضرورية جدًا لإعادة التوازن في حياة المسلمين سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، مشددًا على أن تتم عملية إصلاح الوقف وتعديل مساره بشكل سريع مؤكدًا أن مخاطر الإصلاح البطيء كبيرة جدًا.

مصالح شرعية

       غير أن نبرة الوزير المصري السابق المتفائلة لا تنفي أن هناك مشكلات تواجه عملية تطوير الوقف، فإصلاح مؤسسة الوقف التي تحولت في عدد من البلدان الإسلامية إلى مؤسسة اقتصادية تدار وفقًا لأساليب الربح والخسارة تفرغ الوقف من مضمونه وتحيد به عن مساره الطبيعي في خدمة الدعوة الإسلامية ومشكلات الأمة إلى إدارة الوقف بشكل استثماري كأنها أموال تهدف لتحقيق الربح وليست لتحقيق أهداف إسلامية راقية.

       حيث يتطلب إصلاح مؤسسة الوقف إصلاح أجهزة الدولة في العالم الإسلامي عموماً والرعاية الرشيدة على الأموال الموقوفة وتسخيرها لخدمة الدعوة الإسلامية وتوفير حلول لمشكلات تعصف ببلدان المنطقة وتوفير حلول لها تصون كرامة شعوبها.

       ولكن إذا نظرنا إلى واقع الوقف حاليًا نجد تراجعًا كبيرًا في الأموال الموقوفة رصدتها دراسة للدكتور إبراهيم البيومي غانم الخبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية؛ حيث رصدت تراجعًا كبيرًا في حجم الأموال الموقوفة بنسبة اقتربت من 50% خلال العقد الماضي وإخفاقًا في حسن توظيف الأموال الموقوفة في الأغراض التي ينبغي توجيهها إليها شرعًا ولاسيما أنه تم توجيهها لأغراض استثمارية تمثلت في شراء عقارات ومصانع غير مجزية اقتصاديًا رغم أن قنوات الوقف يجب توجيهها لمصالح إسلامية شرعية ومعتبرة سواء كانت علمية أو شرعية أو لدعم الفقراء والمعوزين.

       غير أن دراسة د. غانم لا تنفي أن الوقف ما زال يؤدي دورًا مهمًا في خدمة الدعوة الإسلامية ولاسيما أن جبهة مؤسسات العمل الخيري في بلدان الخليج العربي استخدمت الوقف لخدمة الدعوة الإسلامية في بلدان الأقليات الإسلامية ولاسيما في كوسوفو والبوسنة وفي بلدان آسيوية مثل بورما وتايلاند والفلبين.

       بل أدت أموال هذا الوقف دورًا في دعم وإنشاء مؤسسات الدعوة الإسلامية من مساجد ومدارس ومكاتب لحفظ القرآن الكريم، ناهيك عن المؤسسات الإغاثية التي توفر المأكل والمشرب والملبس لفقراء المسلمين في أفريقيا والعمل على تقليل الزحف التنصيري الرهيب على تجمعات المسلمين في القارة السمراء.

توسعة الأوعية

       وفي هذا الإطار طالب د. محمد المختار المهدي الرئيس العام للجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة بضرورة إحياء البحث الشرعي فيما يتعلق بقضايا الوقف بشكل يتناسب مع الرغبة الجامحة في النهوض بالوقف وتنميته، بل إنه ذهب إلى أبعد من ذلك بالدعوة لإنشاء بنك المعلومات الوقفية لتوفير المعلومات فيما يتعلق بالمجالات الواجب توجيه الوقف إليها.

 وأوضح أن الجمعية الشرعية تضع تجربتها الخيرية والوقفية أمام جميع المؤسسات الإسلامية للاستفادة منها في تطوير العمل الوقفي المعاصر.

       وطالب بضرورة مشاركة جميع المؤسسات الإسلامية في حث القوى المجتمعية والأهلية والميسورين في دعم نظام الوقف، معتبرًا أن الأوضاع المعقدة التي تمر بها الأمة الإسلامية تستوجب توجيه أموال الوقف إلى مواجهة المشكلات التي يعاني منها العالم الإسلامي مثل الفقر والبطالة والعوز وانتشار العنوسة باعتبارها أوعية شرعية ينبغي توجيه أموال الوقف إليها انطلاقًا من القاعدة الشرعية المتمثلة في أن «درء المفاسد مقدم على جلب المنافع» ولاسيما أن هذه المشكلات قد تحولت إلى أزمات تحاصر خاصرة الأمة الإسلامية وتقض مضاجع المسلمين.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك