رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عبد الصمد بن إبراهيم الحديثي 4 فبراير، 2020 0 تعليق

تشتدُّ الحاجة إلى العلماء لقيادة العمل الإصلاحي؛ بسبب كثرة التعقيد في الواقع – السَّلَفيةُ.. بين المنهج الإصلاحي والمنهج الثَّوري (2)

استكمالا لما بدأنا الحديث عنه في المقال السابق عن استهداف المنهجُ السلفيّ من الخصوم والمناوئين بالتهم والافتراءات وإثارة الشبهات حولَ الأفكار والمواقف، ومحاولة السعي لقراءة المنهج السلفيِّ والنظر إليه خارجَ إطار طبيعته الإصلاحيّة ورسالته النهضويَّة، والتعامل معه بوصفه منهجا ثوريّاٍ، والتعسُّف في تأويل أفكاره ومبادئه بطريقة تلائم الرؤيةَ الثورية، والإصرار على التعامل مع تجاربه ونماذجه التاريخية بوصفها ظاهرة دينية ثورية، واليوم نكمل ما بدأناه.

السلم الإصلاحيّ .. والعنف الثوريّ

     يعتمد الاتّجاه الثوريُّ على الوسائل والأدوات العنيفة والدّموية لتحقيق أهدافه، كالتفجيرات، وأعمال الشَّغب المنظم، والانقلاب العسكري، والانتفاضة الشعبية المسلحة ضدّ النظام السياسيّ الحاكم، ولا يؤمِن بالوسائل والآليات السلمية، بل يجدها مضيَعة للوقت وغيرَ مجديةٍ في الوصول للمطلوب، على مبدأ (لا يفلّ الحديد إلا الحديد)، و(ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ إلا بالقوة).

الإصلاح التدريجيّ

     أما الدعوة السلفية؛ فإنَّ اعتمادها على الإصلاح التدريجيّ وتركيزها على النواحي الأكثر أهمية في واقعها؛ يجعلها في أبعد النقاط الممكنة عن اللجوء للعنف، الذي لا يتناسب مع طبيعة مهمتها ورسالتها، ولم يكن يومًا من أدواتها ووسائلها في الوصول لغاياتها، بل إن أجواء الفوضَى والاضطراب التي يولّدها العنف لا تخدم النشاطَ الدعويَّ، ولا تساعد على تحقيق أهدافه؛ فالدّعوة لا تنتشر في ظروف الفوضَى الأمنية والاضطراب السياسيّ، بل لابدّ من توفّر المناخ الآمن المستقِرّ، حتى يتسنى للدعاة نشرُ رسالتهم.

إصلاح الفكر والمعتقَد

     والأهمّ من ذلك أنَّ المنهج السلفيَّ قائم على إصلاح الفكر والمعتقَد، وتقويم السلوك الدينيّ، وفق آليات الدعوة والتربية والتدريس والوعظ والإرشاد وكشف الشبهات وجدال الخصوم بالحجة والبرهان؛ فمشروعه فكريّ بامتيازٍ، وصِراعه مع المخالف صراعُ مناهج وأفكار؛ فاللّجوء للعنف والقوّة الخشِنة لا يتناسب مع طبيعةِ الدعوة وأهدافها والأساليب الملائمة لهذه الأهداف.

الاضطهاد المستمِر

     وبالرغم من تعرُّض المنهج السلفي للاضطهاد المستمِر، إلا أن ذلك لم يدفع قادته باتجاه اللجوء للقوة لدفع الظلم، بل كان الصبرُ والثبات الخيارَ المعتمَد للتعامل مع الاضطهاد الفكريّ والسياسيّ؛، حتى بات ذلك منهجًا ثابتًا في مختلف تجارب المواجهة مع الخصم منذ محنة خلق القرآن في القرن الثالث الهجريّ حتى يومنا هذا.

إصلاح المجتمعات

     تتَّجه المناهج الثوريَّة إلى الصدام مع الأنظمة المحلية أو القوى العالمية ذات الهيمنة والنفوذ، وتجد أن ذلك مفتاحُ التغيير الحقيقيّ؛ فكل الفساد مرتبطٌ بهذه الأنظمة والقوى التابعة لها؛ فالقضية الأولى عند الاتجاه الثوريِّ، تتمثل في الصراع مع (الإمبريالية)، أو الاستكبار العالمي، أو الأنظمة الحاكمة، وكلّ من عدل عن المواجهة فهو رجعيّ عميل، أو سائر في ركاب الأنظمة.

الطبيعة الإصلاحية

في المقابل؛ فإن الطبيعة الإصلاحية للمنهج السلفيّ، تتجه به نحو إصلاح المجتمع، وحماية أصول دينه وهويته من الضياع أو التحريف، وهي مهمّة شاقّة في ظل كثرة المناوئين والمعارضين للإصلاح.

الأولويّة في الصدام

     يجعل المنهج السلفي الأولويّة في الصدام مع القوى التي تسعى لتغيير دين المجتمع وهويته من الفرق المبتدعة والاتجاهات الفكرية التي تستهدف أصول الدين وثوابته، وتحاول طمس معالم الإسلام الأول الذي تلقاه التابعون عن الصحابة، وأولوية هذه المواجهة على غيرها ناشئة من كونها تحفظ دين الإسلام من الآفات والانحرافات التي عصفت بالأديان السابقة؛ فكلّ خطر يهدِّد المسلمين دون هذا الخطر، ولن يجديَ الانشغال بالإصلاح السياسي، أو البحث عن العدالة الاجتماعية إن اقترب الخطَر من الأصل الذي تتمحوَر حوله حياة المسلمين، ويقوم عليه كيانهم ووجودهم، ويعتمد عليه مستقبلهم الدنيويّ والأخرويّ.

أولوية متقدّمة

     والتأكيد على أهمية إصلاح الأفكار والمبادئ والقيَم -بكونه أولوية متقدّمة على تغيير المنظومة السياسية الحاكمة- قضية لا ينفرد بها السلفيون، بل يشاركهم فيها دعاة تغيير الأفكار من غير الإسلاميين -بصرف النظر عن انحرافهم وغاياتهم-، فهي قضية منطقية ومسلك مضمون النتائج في صناعة التغيير المنشود انطلاقه من إصلاح الوعي قبل الاندفاع نحو التغيير السياسي على غير بصيرة، والذين يأخذون على المنهج السلفي انشغاله بالصراع مع خصومه ومخالفيه وعدم الاهتمام بالشأن السياسيّ بمستوى الاهتمام نفسه بالقضايا العلمية والدعوية، لا يدركون هذه الحقيقة.

إصلاح الداخل

     كما أنَّ إصلاح الداخلَ مقدِّمة للمواجهة مع القوى والمشاريع المعادية، وتحصين الجبهة الداخلية ضرورة في أي منازلة مع العدو الأجنبي، والأهمّ من ذاك أنَّ حربَ الأفكار عبر القوة الناعمة والغزو الثقافيّ، أخطر من الغزو العسكريّ والهيمنة السياسيّة؛ ولذلك تقف السلفية على هذه الجبهة، وهذا الذي يجعل خصومَها يتَّحدون في موقفهم منها عدّها الخطرَ الأول المهدِّد لمشاريعهم.

القيادة العلمية والقيادة الغوغائية

     يعظِّم المنهجُ السلفيّ العلمَ وأهله، ويؤكِّد على زعامتهم وإمامتهم المستمدَّة من الشرع، فهم ولاة الأمر -إلى جانب الحكّام- يجب الرجوع إليهم والصدور عن رأيهم؛ فصلاح الأمة مرتبِط بتقديمهم وتعظيمِ شأنهم، وانحلال أمرها مقرونٌ بالوقوع فيهم وتجاهلهم والحطِّ من شأنهم.

أهمية العلم الشرعي

     كما يشدِّد المنهجُ السلفيّ على أهمية العلم الشرعي والبصيرة في الدين في وجوه النشاط الإصلاحي، كالدعوة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والرد على المخالف، والدفاع عن الأصول والثوابت؛ فمشاريع الإصلاح السلفيِّ، لا يقودها إلا الفقهاء، الذين رزقوا حظًّا واسعًا من العلم والمعرفة الدينية والدنيوية، ولاسيما في دراسة الواقع، وترتيب الأولويّات، وتحديد الآليات العملية للإصلاح، وسبل تجاوز الأزمات والتحديات.

الحاجة إلى العلماء

     وتشتدُّ الحاجة إلى العلماء لقيادة العمل الإصلاحي؛ بسبب كثرة التعقيد في الواقع، وصعوبة مزاحمة قوى الباطل، وتأسيس أرضية مساندة للإصلاح قادرة على الثبات ومقاومة الخصوم، ومن أهمِّ مداخل الخلَل والانحراف في مسيرة العمل السلفيّ المعاصر الابتعاد عن العلماء، وعدم الرجوع إليهم في الأزمات والنوازل، بطريقة أفقدت المنهج طبيعته الإصلاحيّة في بعض الأحيان، وأدخلته في دوامة من المشكلات والصراعات الداخلية.

الثوار فتيَةٌ أغمار

     أمّا الثورة؛ فإنها قرينة الفتوَّة، والثوار فتيَةٌ أغمار على الأغلب، يقلُّ فيهم الكهول، ويندر الشيوخ، والمشاريع الثورية غالبًا ما تعتمِد على الأغرار من الشباب أو المتهوِّرين والمغامرين، وتستند إلى ضجيج الغوغاء ومشاعر الغضَب والرغبة بالتغيير، دون معرفة بالآليات أو تقدير للعواقب والمآلات؛ ففي الثورات تتحكَّم العواطف، ويتراجع المنطق السليم، وقد يطيش سهم الثائرين؛ فيضطهدون العقل ومن يخاطبهم بالعقل، ويصيبهم الغرور، فلا يرون في الوجود غير أنفسهم، وكل ثورة تجمع إلى العاطفة القوة العاقلة تبلغ الغاية، ومتى تغلَّب العقلاء على الجهلاء، تأتي الدماء المطلولة، والأموال المبذولة بأعظم النتائج، وإذا أصبحتِ الكلمة العليا للزعانف جاءتِ النتيجة حقيرةً مثلهم، والحقير حقير في كلّ ما يأتي ويذر.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك