رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 27 مايو، 2014 0 تعليق

ترى أن تطبيق الشريعة لا يحصل إلا بالسلاح والمواجهة لإزالة الحكومات- بوكو حرام.. مأساة جديدة من مآسي الفهم السقيم للإسلام

يظهر «الانتماء الروحي» للحركة إلى تنظيم القاعدة في الاستشهادات بأقوال رموز ها واستفاد أعداء الإسلام منها حيث لوّحوا بوضع شمال نيجيريا في قائمتهم السوداء للإرهابيين

 تصدّى علماء أهل السنّة لمنهج الحركة منذ بدايتها، موضحين لقياداتها الزغل المنطوي في منهجهم

 هذه الحركة تمثل مأساة جديدة من مآسي الفهم السقيم للإسلام، ذلك الفهم الذي تشوهت بسببه معالم الدين الحنيف

جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد المعروفة بالهوسية باسم (بوكو حرام) أي «التعليم الغربي حرام»، هي جماعة نيجيرية مسلحة، تدعي العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية في جميع ولايات نيجيريا، القائد الحالي لها هو أبو بكر الشكوي، وسميت هذه الجماعة بـ(طالبان نيجيريا)، وهي مجموعة مؤلفة من عدد من الطلبة تخلوا عن الدراسة، وأقاموا قاعدة لهم في قرية (كاناما) بولاية يوبه شمال شرقي البلاد على الحدود مع النيجر.

     تأسست الجماعة في يناير 2004، على يد محمد يوسف، وهو الذي أسس قاعدة الجماعة المسماة أفغانستان، في (كناما)، ولاية يوبه، عرف عن الجماعة رفضها الاندماج مع الأهالي المحليين، ورفضها للتعليم الغربي والثقافة الغربية، والعلوم، وعند تأسيس هذه الحركة كانت تضم نحو مئتي شاب مسلم، بينهم نساء، ومنذ ذلك الحين تخوض من حين لآخر مصادمات مع قوات الأمن في (بوشي) ومناطق أخرى بالبلاد.

مبادئ الحركة

     سوّغ (محمد يوسف) موقفه وموقف حركته مرات عدة من تعلّم العلوم العصرية قائلاً: إن نظام التعليم الغربي يتعارض مع تعاليم الإسلام, وترى الحركة أن تطبيق الشريعة لا يحصل إلا بالسلاح والمواجهة لإزالة الحكومة الظالمة، وردع معاونيها، وتوجّه الحركة الفعلي والمنهجية التي رسمتها مرجعيتها يدلان على ذلك.

وللحركة كتابات خاصة بحث فيها الكُتّاب منهم عن هذه المسائل، مثل كتاب (هذه عقيدتنا ومنهج دعوتنا) لمؤسس الحركة، وهناك كتاب آخر بعنوان (جاء الحق)، أخفى مؤلفه اسمه الحقيقي، وسمّى نفسه (علاء الدين البرناوي)، وغير ذلك من الكتيبات، وقاموا بخطب منبرية، ومحاضرات توعوية كثيرة، بثّوها في أشرطة و(سيديهات)، حتى على الإنترنت.

(بوكو حرام) و القاعدة

     يظهر «الانتماء الروحي» لهذه الجماعة إلى تنظيم القاعدة في الاستشهادات بأقوال رموز القاعدة التي يكثر منها زعيم الحركة؛ حيث ينقل مثلاً عن أبي مصعب الزرقاوي، ويصفه بـ (المجاهد)، وغيره، واتضحت مؤخرًا علاقة حركة (بوكو حرام) مع تنظيم القاعدة في بعض المواقف، وهذا ما بيّنه (موسى تنكو) الناطق الرسمي باسم الحركة في النشرة الهوساوية بإذاعة BBC بعد مقتل قائدها؛ حيث أكد انضمام حركتهم إلى تنظيم القاعدة، وقد يكون لهذا البيان تفسير آخر، وهو بثّ الروع بين صفوف رؤساء الدولة، ورجال الأمن، دون أن يكون له أثر واقعي.

     وحسبما تنقله بعض وكالات الأنباء في مواقعها على الإنترنت؛ فإن هذه الحركة قد تمّ استدعاؤها من قبل أمير تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي الجزائري (أبي مصعب عبد الودود) للانضمام في مظلة القاعدة، وكان من ضمن أطروحته التي صرّح بها لهم: أنه يحلم بتوسيع منطقة نفوذه لتشمل نيجيريا، ولكن بعض المصادر تؤكد أن الحركة على علاقة وطيدة مع التنظيم من خلال السلفية الجهادية في الجزائر، والثوار في تشاد، ولاسيما أن ولاية (برنو) تجاور جمهورية تشاد، وقد تمّت الاتفاقات بينهم وبين (أبي يوسف) طيلة دعوته إلى مبادئ الحركة.

مصادر التمويل

     بنى بعض المحلّلين على الأخبار السابقة – وغيرها مما تجمّع لديهم- أن تنظيم القاعدة هو المورد الأساس والمموّل الأول للحركة؛ بينما يرى آخرون أن بعض رجال الدولة النيجيرية لهم دَخْل حتى النخاع في استثارة (محمد يوسف) ضد الحكومة، ويموّلون كل نشاطاته، ويقول آخرون: إن هناك بعض الأثرياء، قد تكونت العلاقة الوثيقة بينهم منذ انتماء (أبي يوسف) إلى جماعة أهل السنّة والجماعة في التسعينيات، فهؤلاء الرجال هم الذين يتكفلون برأس مال الحركة.

     هذه التكهنات من الأمور التي تحتاج إلى مستند قوي، نعم! للباحثين أن يسألوا مَنْ يموّل محمد يوسف في حياته؟؛ إذ إنه لم يرث هذه الأموال، وليس ببائع عقارات، ولم يشتهر بالتجارة، ولا كان موظفًا - في أبعد الافتراضات -! وإنما صرف همّه إلى الدعوة، بيد أنه دافع عن نفسه بأن له إخوة يقومون باستثمار أمواله، ويفلحون أرضاً لهم كبيرة، ومع ذلك لم يقتنع الناس، لمّا تحققوا من قيامه بحاجات فوق مستوى دخله، الأمر الذي يدل على أن تحت الدخان تتأجج النيران!

تاريخ دموي مشبوه

     أدت الهجمات العنيفة المسلحة التي شنتها الجماعة والتي تتخذ من شمال نيجيريا معقلاً لها منذ تأسيسها إلى توتر العلاقات بين جنوب البلاد التي تسكنه أغلبية مسيحية وبين الشمال الذي يغلب المسلمون على سكانه، حتى إن الجماعة شنت أشد هجماتها المنسقة دموية في يوم واحد وقتلت أكثر من مئة شخص في هجمات بالقنابل والأسلحة النارية في مدينة (كانو) ثاني كبرى المدن النيجيرية؛ وفيما يلي بعض الحقائق عن جماعة بوكو حرام:

- في يوليو تموز 2009 شنت (بوكو حرام) هجمات في مدينة (بوتشي) في شمال شرق البلاد بعد اعتقال بعض أعضائها، واشتبكت مع الشرطة والجيش في مدينة (مايدوجوري) الشمالية، وقتل حوالي 800 شخص في القتال الذي استمر خمسة أيام في المدينتين.

- اعتقلت قوات الأمن النيجيرية محمد يوسف زعيم الجماعة وقتل بالرصاص أثناء احتجازه لدى الشرطة بعد ساعات من اعتقاله.

- في أوائل يوليو 2010 ظهر (أبو بكر الشكوي) وهو نائب سابق لزعيم الجماعة - كان من المعتقد بأن الشرطة قتلته في عام 2009- في شريط فيديو وأعلن قيادته للجماعة.

- في ديسمبر 2010 قالت الجماعة: إنها تقف وراء التفجيرات في وسط نيجيريا وهجمات على كنائس في شمال شرق البلاد أدت إلى سقوط 86 قتيلا على الأقل.

- في 16 يونيو حزيران انفجرت سيارة ملغومة في ساحة انتظار سيارات أمام مقر الشرطة في العاصمة النيجيرية أبوجا؛ مما أسفر عن سقوط قتيلين على الأقل، وأعلنت (بوكو حرام) المسؤولية.

- في 26 يونيو سقط 25 قتيلا عندما انفجرت قنابل عدة في منطقة دالا بمدينة مايدوجوري بعد أن ألقى أشخاص يشتبه في أنهم أعضاء في جماعة (بوكو حرام) قنابل على مقهى وحانة.

- في 25 أغسطس هاجم أعضاء في جماعة (بوكو حرام) مركزًا للشرطة في جومبي في شمال شرق البلاد فقتلوا أربعة من الشرطة وجنديا قبل أن يقودوا سيارتهم إلى فرعي فيرست بنك ويونيون بنك؛ حيث قتلوا سبعة من موظفي البنكين، واستولوا على مبلغ من المال غير معلوم.

- في 26 أغسطس فجر مهاجم نفسه في مبنى الأمم المتحدة في أبوجا. وسقط 23 قتيلا على الأقل وأصيب 67 شخصًا، وأعلنت (بوكو حرام) المسؤولية، حيث طالبت بالإفراج عن سجناء وإنهاء حملة أمنية تستهدف منع شن المزيد من التفجيرات، وكان هذا أول هجوم انتحاري معروف في نيجيريا ومثل تصعيدًا لأساليب الجماعة، وكشف عن تطور أكبر في المتفجرات التي تستخدمها.

- قتل 65 شخصا على الأقل في مدينة داماتورو وقرية بوتيسكوم في الرابع من نوفمبر، وكانت الهجمات التي شملت أيضا موجة من التفجيرات في مايدوجوري واحدة من أسوأ الهجمات التي تشنها (بوكو حرام).

- أعلنت (بوكو حرام) مسؤوليتها عن هجمات بالقنابل في أنحاء نيجيريا في يوم عيد الميلاد منها هجوم على كنيسة قرب أبوجا أسفر عن مقتل 37 شخصا على الأقل.

- في العاشر من يناير كانون الثاني فتح من يشتبه بأنهم أعضاء بجماعة (بوكو حرام) النار على حانة في قرية (بوتيسكوم) بولاية (بوبي) فقتلوا ثمانية أشخاص منهم أربعة من الشرطة.

- في 20 يناير كانون الثاني أسفرت هجمات منسقة بالقنابل والأسلحة على قوات الأمن في مدينة (كانو) الشمالية عن مقتل أكثر من 100 شخص.

- وكان آخر هذه الهجمات شراسة التي أحدثت ضجة في الأوساط العالمية اختطاف أكثر من 200 فتاة من إحدى المدارس النيجيرية، وفي التفاصيل فإن مسلحين اقتحموا مدرسة ثانوية في قرية (تشيبوك) قرب حدود الكاميرون وخطفوا التلميذات اللواتي كن يؤدين الامتحان، ونجحت أكثر من خمسين فتاة في الهرب عبر الغابة، بينما ظلت 200 فتاة في أيدي المتمردين.

نتائج الأحداث والمواجهات السابقة

لا شك أن هذه الأحداث والمواجهات الإرهابية خلَّفت العديد من النتائج والتداعيات السيئة على الدولة ومؤسساتها وكذلك على الدعوة الإسلامية؛ وكان من أهم هذه التداعيات:

- أولاً: تعطل المصالح العامة؛ حيث فرض حظر التجوال في بعض المدن، فتوقفت البنوك والأسواق عن العمل، وأُغلقت المدارس، وتجمّدت المجالسُ والمعاهد العلمية لعدم توافر الأمن، ودخل الشعب النيجيري، ولاسيما الشماليون، في معاناة ورعب من الأوضاع المتأزمة، وأخوف ما يخيفهم الجيش ورجال البوليس الموزّعون على الشوارع والسكك؛ حيث يعاملون الناس معاملة خشنة بالتخويف والضرب وأخذ الرشاوي.

- ثانياً: ظهور أصوات تنادي بتقسيم الدولة، فقد بدأت بعض القبائل تنادي بتقسيم دولة نيجيريا إلى دولتين في الجنوب والشمال، وكانت قبيلة (إيبو) على مقدمة المناشدين لهذا التقسيم، وقد شجب هذه الدعوة بعض زعماء القبيلة، وكثير من كبار الشماليين، ولكن ظهرت أحداث خطيرة؛ حيث بدأ بعض الجنوبيين بالهجوم على المساجد بالتحريق والهدم؛ الأمر الذي قد تشتعل به نار الفتنة!

- ثالثاً: انتشار الفساد في الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية والاقتصادية، حتى قطع شوطاً بعيد المدى في نيجيريا، وقد استطاع بعض المحتالين - وسط هذا الخضم - أن يلفّقوا الأكاذيب والحيل لأكل الأموال باسم الحركة، كما يدل على ذلك الشريط المرسل إلى المحطة التلفازية السابقة؛ إذ لم تكشف المحطة مصدره، ولم يذكر المتحدث فيه عن اسمه، بل إن الجماعة لا تستخدم اللغة الإنجليزية أداة للنشر وتوجيه الخطاب للشعب أو لقادة نيجيريا.

تأثيرات الحركة في الدعوة داخل نيجيريا وخارجها

     ومن أهم التداعيات التي خلفتها هذه الحركة المشبوهة ما يتعلق بالدعوة داخل نيجيريا؛ حيث كان لها انعكاسات سلبية على الدعوة، من جانب أن أعضاء الحركة لهم انتماء قوي إلى أهل السنّة» الأمر الذي اتخذه بعض أعداء السنّة من النصارى وأهل البدع ذريعة للطعن في أهل السنّة كافة، ويقومون بتحريض الحكومات ضدهم، وهذا – والحمد لله - لم يؤثر كثيرًا، بسبب الجهود التي ما يزال علماء أهل السنّة يقومون بها لتوضيح منهج السنّة، وتوجيه النصائح إلى قيادات (جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد).

     غير أن أعداء الإسلام استفادوا من ثورة هذه الحركة؛ حيث لوّحوا بوضع شمال نيجيريا في قائمتهم السوداء للإرهابيين، وكان من نتائج ذلك أن هرول رؤساء نيجيريا يستنجدون بأمريكا وإنجلترا في مواجهة هذه الحركة، وجرت بينهم اتفاقيات؛ من ضمنها أنهم يقومون بتدريب القوات الأمنية النيجيرية على مكافحة الإرهاب، وتقوم أمريكا بفتح مكتب عريض، أو قنصلية في ولاية (كنو)، حدث هذا بعد المواجهات التي حدثت في الولاية، ولا يتوقع أي مردود إيجابي للشعب إزاء تلك السياسات.

موقف العلماء والعامة من الحركة وأفكارها

     تصدّى علماء أهل السنّة للمنهج الذي اتخذته (جماعة أهل السنّة للدعوة والجهاد) منذ بدايتها، موضحين لقياداتها الزغل المنطوي في منهجهم، كما قاموا بمحاضرات وإصدار كتيبات ومقالات شارحة للمنهج السوي، وجرت مناظرات بين بعض العلماء وقيادات الحركة حول توجهاتها، ولكن أعضاء الحركة يرمون علماء أهل السنّة بالكسل، وعدم التحرك لنصرة الدين.

وقد بيّن العلماء أن الأمر يحتاج إلى اتباع الحكمة والموعظة الحسنة، وليس الأخذ بمنهج العنف ولغة السلاح، ومن جانب آخر، يرون هذه الحوادث فتنة تحتاج إلى التؤدة والدعاء، لذلك يجتهدون في دعاء القنوت في مساجدهم.

وأما العامة؛ فإن موقفهم لم يتغير عن موقف العلماء، لكنهم لا يشعرون تجاه القوات الأمنية النيجيرية بأسى أو تحسّر لما يصيبها، ويرون أنه قصاص لما يلاقيه الشعب على يد رجال الأمن من التعذيب والتصفية الجسدية.

بوكو حرام والفهم السقيم للإسلام

     وفي مقالة له أكد الدكتور أسامة عبد العظيم الأستاذ بجامعة الأزهر والداعية السلفي الشهير أن هذه الحركة تمثل مأساة جديدة من مآسي الفهم السقيم للإسلام، ذلك الفهم الذي تشوهت بسببه معالم الدين الحنيف، وذهب بهاؤه ونضارته، وأزهقت من جرائه أرواح، وأهدرت جهود وطاقات، وأنفقت أموال، وفتحت سجون ومعتقلات، وانقضت أعمار، وتعطلت مسيرات نهضة وتنمية ورخاء في كثير من البلدان، وكل ذلك بسبب الفهم الخطأ للإسلام.

     وكم عانى الإسلام، وأضيرت دعوته من جراء تلك الجماعات التكفيرية المسلحة، وما جرى في الجزائر وغيرها خير شاهد على ذلك، وفي السبعينيات من القرن الماضي ابتليت مصر ببعض المجموعات التكفيرية، ولكن الله سلم فطبيعة المجتمع المصري تأبى ذلك النوع من التفكير الانعزالي المنغلق، وجهود الحركات الإسلامية ذات الفكر الصحيح حالت دون انتشار هذه الأفكار.

- ولعل الأزمة الفكرية التي تعاني منها كافة الجماعات التكفيرية – ومنها (بوكو حرام) – هي أنها قامت على مفارقة المجتمع واعتزاله، وذلك لكونها لا ترى فيه خيرا قط، فشعارها : (خذوا الإسلام جملة.. أو دعوه جملة).

     فإما أن يطبق المجتمع شعائر الدين وشرائعه بأكملها فيكون مجتمعًا مسلمًا صالحًا، أو يقصر في بعض أحكام الشريعة فهو حينئذ مجتمع جاهلي كافر؛ إذ المسلم – في نظرهم – لا يقبل بأنصاف الحلول، ولا يلتقي مع الجاهلية في منتصف الطريق، فعلى الرغم من تطبيق الشريعة الإسلامية في عدد غير قليل من الولايات النيجيرية تطبيقا كاملا.. غير أن أتباع هذه الجماعة قد تجاهلوا ذلك الأمر، ولم يعدوه شافعا للمجتمع لينال منهم وسام الإسلام.

- وهذا التصور مخالف لروح الإسلام وحقيقته، فشريعة الإسلام إنما جاءت بجلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، والمسلم يتسم بالعدل والإنصاف حتى مع مخالفيه، فلا يجوز له أن يتجاهل ولو ذرة خير يتصف بها المجتمع، بل عليه أن يثمن الخير الموجود في مجتمعه، ويركز عليه، ويضيف إليه، ويدعمه، ويحاول في الوقت ذاته أن يقلل من الشر، ويحجمه، وكل ذلك بحكمة وتؤدة ورفق وأناة؛ فالزمن جزء من العلاج، وما لا يدرك كله لا يترك جله، وما زال الخير في أمة الإسلام إلى قيام الساعة.

     بيد أن الحقيقة التي تغيب كثيرا عن أذهان بعض الشباب المتحمس الرافض للواقع الذي يعيش فيه أن الهدم أسهل كثيرا من البناء، فما أسهل أن أرفض واقعًا معينًا، وأصوب نحوه معاول الهدم والتدمير، ولكن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه: هل سأقدر على تأسيس واقع مواز وبديل عن ذلك الذي أرفضه؟

أم سأترك الناس يعيشون في فوضى وفراغ، وحينها سيكون الواقع المرفوض – بعيوبه ومثالبه – أفضل بكثير من عدم وجوده؟.

     إن تلك الأحداث التي جرت في نيجيريا مؤخرًا، وما سبقها من أحداث جرت في الجزائر والمغرب والسعودية وغيرها من الدول الإسلامية لتقطع مرة تلو الأخرى بصحة ما ذهبت إليه المبادرة من نبذ الصراع المسلح مع الحكومات الذي لا يفرز سوى مزيد من تدهور الأوضاع، سواء على صعيد العمل الإسلامي أم على صعيد الواقع المحلي.

     ولعل تلك الأحداث وأمثالها تلفت أنظار العقلاء في كل بلد لتحصين شبابه بفكر إسلامي وسطي متزن، يجمع ولا يفرق، يبني ولا يهدم، يعمر ولا يخرب، يحيي الدنيا بالدين، يعمل على النهوض بالأمة والمجتمع، ويؤسس لعصر جديد تتلاحم فيه الجهود لنصرة الإسلام ورفعة أوطان المسلمين. 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك