رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. ثاني عبدالحميد ألاحو 8 أبريل، 2019 0 تعليق

ترشيد الخطاب الدعوي الإعلامي


كل عمل إنساني يحتاج إلى مراجعة وتدقيق وتقييم وتقويم؛ فإذا كان العمل له تعلق بالدين، فلابد من أن يحظى بالاهتمام والعناية والمراجعة من وقت لآخر؛ ومن هنا يأتي ترشيد الخطاب الدعوي والبحث عن سبل تطويره وتقويمه، وتحديد المؤثرات السلبية فيه بغية تفاديها، ورسم خطة واضحة له ليؤدي الدور الدعوي المنوط به في خدمة الدين، وعليه، فالحديث عن ترشيد الخطاب الدعوي حديث عن المنهج الدعوي الأنسب لكل فترة زمنية وتاريخية، ولكل مكان وبقعة جغرافية، فالمقاصد روح هذه الشريعة وقلبها النابض، والمعايير التي يقاس عليها صلاح الأعمال وفسادها، وكذا سداد المناهج وانحرافها، وسلامة الخطاب من خطئه، وقوته من ضعفه.

 

     وهو حديث عن منهج يمكن من امتلاك القدرات والمهارات والأدوات المعرفية والمنهجية التي تعصم من الزلل والوقوع في الخطأ، وتمكن من التعامل بسلامة تحليلية وسلوكية مع المواقف والآراء والاتجاهات، وتزودنا بشبكة ذهنية تساعد على تحليل المعطيات، وغربلة الروايات والأخبار، وفيما يلي بعض المقترحات لترشيد الخطاب الدعوي:

 أ- علم الداعي بالخطاب الدعوي، وأهليته الشخصية، وقوة حجته وبيانه، ومعرفته الجيدة بالوسائل التي يستخدمها في خطابه الدعوي.

ب- وجوب مراعاة الظروف والأحوال المحيطة بالمسلمين في الخطاب الدعوي.

ج- ضرورة ضبط الفتوى وعدم السماح بتعدد مصادرها، وذلك بإنشاء مجلس أو مرجعية للإفتاء.

د- العناية بإقامة دورات في مهارات التواصل وإعداد الخطب والمواعظ شكلا ومضمونا.

هـ- ضرورة تنظيم دورات في مهارات التعامل مع الفضاء الإعلامي الإلكتروني.

و- ضرورة وجود التوازن بين المدعوين ومراعاة الفروق الفردية والاجتماعية بينهم.

ز- ضرورة التنويع والشمول والتوازن، وذلك بإعطاء كل قضية أو مسألة أو مفهوم حقه من غير زيادة ولا نقصان، وبنظرة معتدلة لا إفراط فيها ولا تفريط.

ح- مراعاة التوقيت المناسب.

ط- حسن استثمار الوسيلة الدعوية لتحقيق نتائج محمودة؛ فسوء استغلالها يؤدي إلى نتائج عكسية.

ي- ضرورة التعاون بين الجهات المسؤولة عن الدعوة في العالم الإسلامي لرسم خطط لإحصاء معالم الخطاب الدعوي وطباعته ونشره لتعم الفائدة.

ك- إيجاد آليات فاعلة لضبط حركة تفسير النصوص القرآنية، ووضع ضوابط ملزمة للدعاة، بعدم الخوض في أمور الفتوى دون فقه سليم بأحكام الاجتهاد وطرائق الاستدلال.

1 - تعريف الخطاب الإعلامي

أ- التعريف اللغوي للإعلام: جاء في لغة العرب: «استعلم لي خبر فلان وأعلمنيه حتى أعلمه، واستعلمني الخبر فأعلمته إياه».

ب - التعريف الاصطلاحي للإعلام.

الإعلام هو الإبلاغ والإفادة، وهو نقل معلومة ما لشخص ما، وله وسائل مختلفة: مرئية، وسمعية، تقليدية، وإلكترونية، ورغم اختلاف هذه الوسائل، إلا أنها تؤدي مهمة واحدة، وهي مهمة تكوين الرأي العام وتنميته.

والخطاب الإعلامي هو: نقل الممارسات الاجتماعية إلى الجمهور عن طريق وسائل الإعلام المختلفة.

2 - مفهوم الخطاب الإعلامي:

     هو: «جملة ما يصدر عن مضامين دعوية تتلاءم مع متغيرات ومستجدات العصر، بعد فهم ظروف واقعهم وما يحتاجه الجمهور، شريطة التقيد بالأطر وتلك مرجعية مقدسة من أجل استمالة المتلقي للخطاب الدعوي، وجعله يتأثر به ويستجيب له»، وذلك عن طريق وسائل الإعلام المختلفة.

3 - مواصفات الخطاب الإعلامي في القرآن والسنة:

أ- ترك ازدراء الأديان والعقائد:حيث قدم القرآن نموذجا لاحترام اختيار الآخرين، ونهى عن سب من يدعون من دون الله من الوثنيين، قال -تعالى-: {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ كَذَٰلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام: 108).

ب- محاورة المدعوين بالحسنى: اعتمد الإسلام منهج الحوار بالحسنى مع أهل الكتاب؛ فقال -تعالى-: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ}(العنكبوت: 46).

جـ- احترام المقدرة العلمية والثقافية والموهبة: في القرآن الكريم توجيه إلى ضرورة احترام المعرفة المتخصصة، قال -تعالى-: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(الأنبياء: 7).

د- مراعاة مصلحة المجتمع: في الإسلام إشارة واضحة إلى ضرورة التزام المنابر الإعلامية بمصلحة المجتمع، وقصة مسجد الضرار تؤكد ذلك؛ حيث كان هدف مشيديه الكفر والتفريق بين المؤمنين، قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}(التوبة: 107).

هـ- مراعاة حرمة الحياة الخاصة للمواطنين؛ حيث نهى الإسلام عن اقتحامها بغير حق، قال -تعالى-: {ﭝﭞ ﭟﭠ ﭡ ﭢ (الحجرات: 12)، وفي الحديث النبوي ما يؤكد أن تتبع حياة الناس الخاصة يعد مفسدة للأمة: «إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم».

     وقد نهى الإسلام عن أن ينال من سمعة الأفراد والجماعات أو يسخر منهم، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }(الحجرات: 11)؛ فليس من حق وسائل الإعلام أن تكشف جوانب مخبوءة من حياة أي إنسان بغير استئذان، وتنص قوانين الإعلام وتشريعاته في دول العالم أجمع على احترام الحياة الخاصة وعدم التعرض لها.

4 - سلبيات الخطاب الإعلامي اليوم:

أ- نشر الكراهية بين الناس.

ب - تصنيف بعض المؤسسات والجماعات والشخصيات والدول وتشويهها.

جـ- إلصاق تهمة الإرهاب بالإسلام.

د- القذف والتشهير دون بينة ولا تثبت.

هـ- التركيز على ثقافة الواجبات دون لفت الأنظار إلى الحقوق.

و- التركيز على قضايا الثواب والعقاب الأخروي وإهمال الدنيوي.

ز- التركيز على الأعمال والأخلاق الفردية على حساب الجهود الجماعية.

حـ- ضعف التوازن في الخطاب بين مقاصد الإسلام وكلياته وبين مفرداته وتفصيلاته.

ط- ضعف التوازن بين الجانب الفكري والجانب الوعظي العاطفي.

5- ضرورة ترشيد الخطاب الإعلامي:

     في عصر الانفجار المعرفي، تظهر الحاجة لإعادة صياغة مفهوم الإعلام الدعوي بمفهومه الشامل، وباعتباره إحدى الأدوات المسهمة في تحقيق أهداف الدعوة الإسلامية ونشر ثقافة التعامل العلمي مع المعلومات وتحليلها ومعالجتها، وكسب ثقافة الفكر النقدي والإعلامي في الأوساط الدعوية والتعليمية، وذلك من خلال الاستفادة من وسائل الاتصال الحديثة، وتوظيف مصادر المعلومات لتحقيق تلك الغايات التربوية.

ويتوقع من الإعلام الدعوي أن يكون وسيلة مهمة لنشر الدعوة لدى الناس جميعا، وإشاعة الفكر الوسطي، ونبذ الفكر المتطرف.

     ومما يجدر الإشارة إليه في صياغة الفكر الإعلامي الدعوي: ضرورة التركيز على أدب الاختلاف المذهبي مع المدعوين، والحد من ثقافة التعصب المذهبي بمختلف أنواعه، ومن ظاهرة التطرف والغلو الديني في ميدان الدعوة، ونبذ ممارسات العنف والكراهية والتصنيف والإقصاء وسوء الظن بالآخر. ومن الأهمية بمكان: وضع استراتيجية علمية، يتم فيها إعداد الحملات الإعلامية المخططة، وتأهيل الكوادر البشرية المدربة، وتوفير الإمكانات المادية الكافية والقادرة على تكوين رأي عام عالمي، مناصر لدين الله ومؤيد له ومتفهم لمعانيه وأبعاده، وفيما يلي بعض المقترحات لترشيد الخطاب الإسلامي:

أ- ضرورة صياغة الفكر الإعلامي الإسلام.

ب- الارتقاء بمقدرات الصحفيين والإعلاميين في الجوانب كلها.

جـ- توفير البيئة السياسية الإعلامية السليمة.

د- التأكيد على المسؤوليات المناطة برجال الإعلام، ولاسيما في باب الممارسة العادلة والموضوعية، والدقة في نقل الأخبار وعدم استغلال العواطف للتأثير في الجماهير.

هـ- إيجاد قوانين ولوائح تنظم العمل الإعلامي في كل بلد، ووضع الحدود الرئيسة التي تمنع تصعيد نبرة الكراهية والعنف بما يتناسب مع الأعراف والقيم السائدة في كل مجتمع.

و- تفعيل الدور الحقيقي للإعلام في نبذ الكراهية، الذي يتمثل في الأخبار والإعلام بموضوعية وحياد.

ز- ترشيد الخطاب الإعلامي من خلال مراجعة الخطط والبرامج.

حـ- الاهتمام بالتنشئة السليمة للأطفال والشباب وتوعيتهم وتحصينهم، وذلك بالاستخدام الرشيد لوسائل الإعلام، ولاسيما الحديثة.

ط- صياغة ميثاق شرف إعلامي إسلامي أخلاق ومدونة سلوك للصحفيين.

ي- ضرورة جعل الهدف الأساس لوسائل الإعلام: مكافحة التعصب والترهيب، وبناء عقلية متوازنة تعترف بالآخر ولا تقصيه، وفق رؤية قوامها الوسطية والتسامح والتعايش المشترك.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك