رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 19 ديسمبر، 2018 0 تعليق

تربية الفتاة على محاسبة النفس


ستظل الفتاة دائماً قرة عين والديها.. فمحبتها في القلب لها طعم خاص يختلف عن محبة البنين، ولا تزال لهفة الوالدين وخوفهما على البنات أكثر وأشد..وليس لديهما أمنية أعزّ من أن تكون ابنتهما حقاً هي خير ابنة علماً وخلقاً وسلوكاً، فضلا عن تنشئة فتاة منضبطة.. مثالية، ولا يعني ذلك أن هذه الفتاة لا تخطئ أبداً، بالطبع لا، فالبشر - عدا الأنبياء- حتماً سيخطئون، لكن العاقل من الناس هو الذي لا يقف عند الخطأ فيكرره، ويصرّ عليه ليتحول إلى عادة وخلق ذميم؛ بمعنى أن يكون صاحب ضمير يقظ وانضباط ذاتي وهو ما سمّاه القرآن الكريم (النفس اللوامة) بل أقسم الله -تعالى- بها لكرامتها عليه، فصاحب النفس اللوامة في حال تصحيح ومراجعة دائمة وتوبة مستمرة، قال -تعالى-: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)} (القيامة).

والوصول بالفتاة إلى أن تكون صاحبة نفس لوامة؛ يتطلب تربيتها على محاسبة النفس يومياً وتعويدها أن يكون لها مع نفسها وقفة كل ليلة في خمس دقائق قبل النوم..!

تربية (الضمير) في نفس الفتاة

     لا يمكن للتربية الإسلامية المتمثلة في مؤسسة الأسرة وشخص الوالدين أن تصل بالنفس البشرية إلى مستوى الشخصية المعصومة من الخطأ المتمثلة في الرسل والأنبياء، فهؤلاء رعتهم قدرة الخالق جلّ وعلا واقتضت حكمته -سبحانه- أن يكونوا معصومين من الذنوب والآثام؛ حتى يكونوا مثالاً أعلى يقتدي بهم البشر ولا يختلفون على استقامتهم، ولكن أسمى ما يمكن أن تهدف إليه تلك التربية هو الوصول بالنفس إلى مستوى النفس اللوامة التي أقسم الله -تعالى- بها تشريفاً لها في قوله -تعالى-: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)} (القيامة)، وهي النفس المؤمنة اليقظة التي تلوم صاحبها إذا أخطأ، وتدفع به إلى اتباع الحق والتوبة عن المعصية، وعبارة (الضمير الحي) هي أقرب ما يكون إلى معنى النفس اللوامة في العصر الحاضر، وإنّ من أكبر ضمانات استمرار الابن والابنة على صحوة الضمير هو تربيتهم وتدريبهم على محاسبة النفس وتقويمها.

تزكية النفس

     القرآن يأمرنا بتزكية النفس، ويدربنا على إصلاحها: قال -تعالى-: {قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)} (الشمس)، وقال -تعالى-: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى(40)} (النازعات)؛ مما يبين أهمية العناية بالنفس، وضرورة محاسبتها فينفي عنها عيوبها، ويحاول تزكيتها بالأقوال والأعمال الصالحة.

     ولذلك يبدأ الوالدان في دعوة الفتاة إلى محاسبة نفسها بعد أداء الأعمال، وذلك مستمد من قول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)} (الحشر)، يعني ليوم القيامة أي: لينظر أحدكم أي شيء قدم لنفسه عملا صالحا ينجيه أم سيئاً يوبقه، فالله -عز وجل- يدعونا في هذه الآية إلى مراقبة الله -عزّ وجلّ- ومحاسبة أنفسنا قبل أن يأتي يوم الحساب.

ولا ينبغي أن ينتظر الوالدان حتى تكبر الطفلة وتصير فتاة يافعة ثم يبدأان في لفت انتباهها إلى محاسبة النفس ومعالجة الأخطاء، بل من التربية الصحيحة أن تتربى الفتاة على ذلك منذ الصغر بتذكيرها دائماً أن الله مطلع عليها لا يخفى عليه شيء من أمرها.

منهج النبي - صلى الله عليه وسلم

     وهذا هو منهجه - صلى الله عليه وسلم - في تربية الناشئين، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً فقال: «يا غلام! إني أعلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك..» (أخرجه الترمذي/رقم:2440 وقال: حديث حسن صحيح)، وهذا الحديث العظيم تضمن ثمرة من ثمار المراقبة والمحاسبة، وهي أنّ الله -تعالى- يحفظ عبده في الدنيا من الآفات والمكروهات، وفي الآخرة من أنواع العقاب والدركات، وأنه إذا راعى حق الله -تعالى- وتحرّى رضاه كان الله معه ولم يتخلّ عنه.

وهكذا التبكير في تعويد الفتاة على دوام المراقبة و محاسبة النفس وتزكيتها مع التوازن فيه، يعودها على الانضباط الذاتي ويقظة الضمير واستقامة السلوك ظاهراً وباطناً. (محمد شاكر الشريف: نحو تربية إسلامية راشدة، ص:102).

الإيمان بالملائكة

     الإيمان بالملائكة الكرام هو أحد أركان الإيمان الستة الذي عليه تقوم التربية الإيمانية للفرد المسلم؛ لذلك لابد من ربط الفتاة بهذا الركن جيداً، وتذكيرها بأن الملائكة الكرام يكتبون كل شيء عمله المرء من خير أو شر، قال -تعالى-: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (80)} (الزخرف)، أي: ما يسرونه في أنفسهم ويتناجون به بينهم. بلى نسمع ونعلم، ورسلنا لديهم يكتبون أي: الحفظة عندهم يكتبون أعمالهم.

إنّ تلاوة مثل هذه الآيات وتكرارها على سمع الفتاة، مستشهدين بها على أهمية محاسبة النفس سيدعوها بالفعل إلى الانتباه إلى ما يصدر عنها من أعمال، والمسارعة إلى التوبة والتصحيح الفوري للأخطاء.

خُلق الإحساس والتأثر

     خلق الإحساس والتأثر يثمر محاسبة النفس؛ فالفتاة التي تحاسب نفسها تتسم بالإحساس والتأثر؛ حيث يظهر هذا الخلق في حزن المرء على نفسه إذا أذنب، وندمه على ما بدر منه من خطأ، بحيث يدفعه ذلك إلى التوبة، جاء في الحديث الصحيح: «من سرته حسنته وساءته سيئته، فذلكم المؤمن» – صحيح سنن الترمذي/رقم:1758.

     ولكِ في أم المؤمنين أسوة حسنة، يروى عنها أنها كان بينها وبين ابن أختها عبد الله بن الزبير شيء، فنذرت ألا تكلمه، ثم تمّ الإصلاح بينهما، فكانت تذكر نذرها بعد ذلك وتبكي، حتى تبل دموعها خمارها. مع أن رجوعها في هذا النذر فيه وجه مستحسن من الشرع وهو عدم قطع الرحم، إلا أنها كانت تتذكر وجوب الوفاء بالنذر؛ فتبكي، رضي الله عنها..! (محمود الخزندار: هذه أخلاقنا، ص:353).

فكيف بزماننا الذي أصبحت فيه المعاصي سهلة ولها مناخ كبير من الفضائيات والانترنت ورفقاء السوء، يهيئون وقوعها؛ مما يجعل الحذر أوجب، والانتباه ودوام محاسبة الفتاة لنفسها ألزم وأشد تأكيداً.

سرعة الرجوع

     من ثمرات المحاسبة سرعة الرجوع عن الخطأ والذنب، إذ لا يسرع إلى التوبة والاستغفار وتصحيح الأخطاء إلا مؤمنة تخاف الله -تعالى- وتعرف أن عليها رقيب وأنها ستحاسب وتؤاخذ بما تنوي وتقول وتفعل، ومحاسبة النفس تكون أيضاً في الأمور التي تتعلق بالطباع وهيئات النفوس؛ إذ بها تتهذب وتنكسر حدة الطباع السيئة وتخف آثارها، ولنضرب مثالا على ذلك بحدة الطبع وسرعة الانفعال والغضب، فقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يكون الرجل سريع الغضب قريب الفيئة فهذه بهذه، ويكون بطيء الغضب بطيء الفيئة فهذه بهذه. فخيرهم بطيء الغضب سريع الفيئة وشرهم سريع الغضب بطيء الفيئة». (رواه أحمد 3/61).

تعظيم الذنب

من ثمار خلق المحاسبة عدم الاستهانة بالأخطاء واستصغارها، وفي الأثر عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «إنّ المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه، فقال به هكذا فطار » (رواه البخاري).

خمس دقائق قبل النوم

     إنه أروع وقت للتعود على المحاسبة.. عندما تخلد الفتاة للراحة، وأثناء ترديد أذكار النوم، وقبل أن تستغرق فيه؛ حيث تستدعى الذاكرة القريبة أحداث اليوم المنصرم لتعيشها صاحبتها مرة أخرى، ثم تبدأ بمحاسبة نفسها بصوت داخلي: ماذا قصدت بالعمل الفلاني؟ هل كنت حقاً أبتغي فيه وجه الله -تعالى- أم كنت أريد لفت أنظار صديقاتي؟ ولماذا اندفعت عندما عاتبتني أمي على كذا وكذا؛ فرفعت صوتي وأنا أشرح لها مسوغاتي؟... إلى آخر هذه الأسئلة، فإن وجدت الفتاة في أعمالها اليومية خيراً فلتحمد الله، وتدعو الله -تعالى- بالثبات على الطاعة والأخلاق الطيبة، وإن وجدت ذنباً أو تقصيراً فعليها أن تتوب وتندم، وتستغفر، وتجدد العهد مع الله -تعالى- بعدم العودة لذلك. (حنان عطية الطوري: الدور التربوي للوالدين في تنشئة الفتاة المسلمة، ص:120).

بناء شخصية متوازنة

     وأخيراً... إنّ تربية الفتاة على يقظة الضمير ومحاسبة النفس تعني بناء شخصية متوازنة تجاه ما تقتضيه الطبيعة البشرية من صدور الأخطاء، حيث تتعامل الفتاة مع الخطأ على أنه مجرد منعطف لا طريق مسدود..لأن الله -تعالى- جعل باب التوبة والمغفرة مفتوح ليل نهار، عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إن الله تعالي يبسط يده بالليل مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل 

حتى تطلع الشمس من مغربها» – رواه مسلم.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك