رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان 3 أكتوبر، 2021 0 تعليق

تراجم علماء السلف الأبرار – إبراهيم بن عبد العزيز السويح

 

إن قراءة تراجم العلماء والتعرف على سير حياتهم وجهادهم وما بذلوه، له الأثر الأكبر في الأمة؛ لما لِسِيَرِهم من الفوائد العظيمة التي تجعل طالب العلم سائرًا على ما كان عليه العلماء، ومن هؤلاء هو القاضي إبراهيم بن عبد العزيز بن إبراهيم السويح النجدي، (أبومحمد) ولد في روضة سدير، إحدى قرى نجد في يوم الخميس 25/7/1327هـ (15/7/1909).

 نشأته

     نشأ الشيخ في بيت علم ودين؛ فقد كان أبوه الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم السويح من أهل العلم المشهود لهم بالعلم والفضل بين أهل المنطقة، وتعلم الشيخ إبراهيم في (روضة سدير) القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة، وقد تعلم القرآن على الشيخ عبد الله بن فنتوخ، وأتم حفظ القرآن وله من العمر تسع سنين، وكان الشيخ في نسبه يقول: نحن من المسعود من الأسلم من شمر وأتينا من حائل ثم إلى الخبراء ثم إلى منطقة سدير.

تربية دينية

- نشأ في حجر والده الشيخ عبدالعزيز فرباه تربية دينية، فحفظ القرآن كاملاً على يدي والده، وزف في حفلة حضرها أهل البلد، (وهذه عادة من يحفظ القرآن في البلد)، ولما بلغ العاشرة من عمره توفي والده -رحمه الله تعالى- سنة 1337هـ (1918) وسُميت سنة الصخونة (الرحمة),((ودامت 40 يوما؛ حيث تفشى فيها الوباء (الانفلونزا)، وحصد أرواح مئات الألوف من البشر، وعم أرجاء الجزيرة العربية كافة، بل العالم بأسره، ولم يسلم منه إلا القليل، وسميت سنة (الرحمة) لكثرة الترحم على الموتى، وسنة (الصخونة) أي (سخونة) لارتفاع درجة حرارة المريض، بعد ذلك كفله عمه سعد, وكان يحبه ويرعاه, فرباه أحسن تربية؛ حيث وجهه إلى ثني الركب عند العلماء لطلب العلم، وقد أجاد ونبغ في تحصيل العلم الشرعي بفنونه المختلفة، وقد علت همته في العلم حتى صار علماً يشار إليه بالبنان، ويعرفه القريب والبعيد.

طلبه للعلم

- قرأ الشيخ على بعض علماء بلدته، ودرس على الشيخ الفتنوخ الذي كان يرى فيه النباهة والذكاء والنبوغ, ويدافع عنه لما يتفرس فيه، ويرجو له الظهور والعلو في المستقبل, ثم رحل إلى المجمعة للقراءة على بعض مشايخها، ومنهم الشيخ أحمد بن إبراهيم بن عيسى، والشيخ عبد الله بن عبد العزيز العنقري، وكان العنقري يحبه لمكانة أبيه عنده.

 

رحلته العلمية

- ثم رحل إلى (الوشم) فقرأ على قاضي (شقراء) الشيخ علي بن عيسى، والشيخ إبراهيم بن عيسى، والشيخ عبدالله بن زاحم (قاضي الرياض والمدينة في وقته)، ثم سافر إلى الحجاز فقرأ على علمائها ومن أبرز مشايخه: الشيخ عبدالله بن صالح الخليفي بالطائف، والشيخ محمد بن عبدالعزيز بن مانع في مكة، ثم عاد من الحجاز إلى الرياض فقرأ على علمائها، ولازم الشيخ محمد بن إبراهيم في نحو 7 سنين، والشيخ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ, والشيخ صالح آل الشيخ, ولازم الشيخ عبدالله بن محمد بن حميد قاضي (بريدة) آنذاك, والشيخ ابن يوسف -رحمهم الله تعالى.

- وأخذ كذلك عن الشيخ ابن سليم في القصيم، والشيخ ابن زاحم والشيخ ابن يوسف وغيرهم. وعندما كان عمره 25عاما أي في عام 1353هـ (1934) دخل المعهد العلمي السعودي، وأخذ من مبادئ دروسه المقررة. وقد رحل الشيخ إلى الحجاز وجاور مكة وأخذ من مشاهير علمائها، ومنهم الشيخ عبدالعزيز بن مانع، والشيخ محمد عبدالرزاق حمزة.

تولي القضاء

- وكان الشيخ السويح صديقاً للشيخ عبدالعزيز ابن باز -رحمهما الله-, وكانا متلازمين طوال الطلب، واختارهما الملك عبدالعزيز -رحمه الله تعالى- للقضاء، فأرسل الشيخ ابن باز للدلم, والشيخ إبراهيم للجنوب.

أعماله

- قال حمد بن عثمان القاضي -في كتابه روضة الناظرين-: «وجد في الطلب، وثابر حتى أدرك إدراكاً تاما في الأصول والفروع, وفي الحديث ومصطلحه, وعلوم العربية, وكان واعي القلب, نبيهاً قوي الحفظ والذاكرة, انتدبه شيخه محمد بن مانع مرشداً لليمن وشمال الحجاز مراراً، ثم تعين قاضياً في اليمن زمناً طويلاً، ودرس فيها وأحبه أهلها، ثم نُقل إلى المقاطعة الشمالية فسدد في أقضيته، ثم انفرد بقضاء تبوك وجلس للطلبة». وقال العلامة حمد بن جاسر في رحلته إلى تبوك: وكنت قد عرفت الشيخ إبراهيم السويح في مكة 10 سنين, وقد أصبح الآن قاضياً في هذه البلدة. وكان الشيخ ذا علم ثاقب وبصيرة نافذة واطلاع واسع, وكان يهتم بأمر المسلمين، حتى أنه كانت تصله المجلات مثل: (أم القرى وأم درمان) وغيرهما, ولم تكن تصل لكل أحد في ذلك الزمان.

تعيينه مرشدا

- تم تعيينه مرشداً (مطوع هجرة (الحيد) في 1355هـ، ثم طلب الإعفاء لتفرق أهلها منها فأجيب، وعين مع هيئة المرشدين في عسير، ثم نقل إلى قضاء (المسارحة) 1361هـ (1942)، ثم نقل إلى قضاء (صبيا) بواسطة إمارة (جازان) في 1364هـ (1945)، ثم كرر الطلب بإقالته أو نقله لطول مرضه، فصدرت الموافقة في 1365هـ (1946) بنقله إلى (المسارحة) الوظيفة السابقة.

أخلاقه ومآثره

- قال الشيخ القاضي في كتابه (الروضة): «وكان حَسُنَ التعليم، وعلى جانب كبير من الأخلاق العالية الحميدة, حلو الشمائل، مجالسه ممتعة، مكباً على المطالعة، ومحباً للبحث بتواضع، وكان مع انشغاله بأعمال القضاء, داعية خير ورشد في المساجد والمجتمعات، وعنده غيرة، متى انتهكت المحارم, ولمواعظه وقع في القلوب وتدخل في المسامع قبل الآذان, ومن قرأ كتابه تبين له سعة اطلاعه, وأثنى عليه شيخنا محمد بن مانع».

- وقال صاحب كتاب (تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة)، صالح بن عبد العزيز آل عثيمين: كان من أصحابي وجلسائي بمكة قبل توليه القضاء في العلا وتبوك, وكان فقيهاً نبيهاً, أديباً أريباً, ماهراً في كل ذلك شاعراً, له أخلاق فاضلة, لا يمل حديثه, مبتسماً ضاحكاً, منير الوجه, ذا سكينة ووقار, وأشعاره متوسطة, وقلمه سيال, كثير البحث والمطالعة, لا يمل ولا يفتر, ذكي جداً, قوي الحافظة.

قصص في صغره

- ومن قصصه في صغره بعد وفاة أبيه أنه ذات مرة أكب على قراءة كتاب من كتب أبيه التي خلفها، وسهر في الليل، وكانت جدته من قبل أبيه تهتم به وتراقبه دوماً, ومن حرصها عليه أنها كانت تحب نومه مبكراً فتطفئ السراج أحياناً حتى ينام, وفي ليلة من الليالي أطفأت السراج عليه وهو يقرأ, وكانت ليلة مقمرة, فبعد ما ذهبت جدته, صعد إلى السطح ليكمل بقية الكتاب على ضوء القمر, فلما فقدته بحثت عنه فوجدته في سطح الدار قد غلبه النوم فنام وكتابه بين يديه, فما كان من الجدة إلا أن ألقت عليه لحافاً وتركته ولم توقظه خشية أن يقوم فيتابع السهر بالقراءة.

كان شاعرا

- وكان الشيخ إبراهيم السويح شاعراً يجيد نظم الشعر الفصيح والنبطي، وقد نظم أبياتاً بالعربية الفصحى يرد بها على القصيمي، سجلها في آخر كتابه (بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال), وقد بلغت نحو ثلاثة وثمانين بيتاً، وكان منها:

ألا أيها الغمر الذي غره

                                      ترديت من عال وناسبك القعر

تمنيت يا مغرور ما ليس حاصلا

                                     فساءت لك العقبى وصادمك الدهر

- وكان يجيد الشعر النبطي ومن ذلك:

يا الله ياللي جميع الخلق تلتجي له

                                        يا فارج الضيق تفرج ضيقة البالي

حيثك حكيم عليم عمنا نيله

                                       نرجيك تفرج لنا من حمل الأثقالي

دنيا تشيب الوليد ولا بها حيله

                                       ما طاوعت في الدهايه كل محتالي

مؤلفاته

- كتاب (بيان الهدى من الضلال في الرد على صاحب الأغلال): وهو كتاب في الرد على عبد الله القصيمي في مجلدين ضخمين طُبع في المطبعة السلفية بمصر عام 1368هـ (1949). (عمره:40)، كما له كتاب (الرد على الحصني) وكتاب (كشف البهتان).

وفاته

- قال الشيخ العثيمين: «أصيب في آخر عمره بداء الاستسقاء، فدخل المستشفى اللبناني في جدة فلم يقدر له الشفاء، وكانت وفاته -رحمه الله- في آخر رمضان من عام 1369هـ) (1950). (عمره:41)، وقد كانت وفاته بمكة، وصلي عليه بالمسجد الحرام، وصدر أمر ملكي بإقامة صلاة الغائب عليه في أنحاء المملكة؛ لما للشيخ من أياد بيضاء في الإسلام والدعوة إليه».

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك