تراجم العلماء – المفتي العام لموريتانيا، وإمام جامع الملك فيصل في نواكشوط حياة العلامة بدّاه البوصيري الشنقيطي وتأثيره في الأوساط العلمية
هو العلامة محمد بن البُوصيري الشنقيطي، وقد اشتهر بلقبه (بدّاه) ويقال له: (محمد بدّاه) جمعا بين الاسم واللقب، ويعد من أبرز العلماء السلفيين المعاصرين، وهو المفتي العام لموريتانيا، وإمام جامع الملك فيصل في وسط العاصمة (نواكشوط)، وقد ولد الشيخ بدّاه عام 1338هــ من أبوين صالحين، من قبيلة (تندغة) وهي من القبائل الموريتانية الكبيرة.
وقد اشتهرت هذه القبيلة بالعلم والصلاح، ولزوم الجادة، وقد كان للبيئة الصالحة التي نشأ فيها دور كبير في مساعدة الشيخ على التفوق العلمي على أقرانه؛ فقد حفظ الشيخ -رحمه الله- القرآن وهو ابن سبع سنين، وأخذ فيه سندا، في قراءة الإمام نافع بروايتي قالون وورش، على الشيخ سيد الفال بن محمد، كما أخذ سندا في قراءة ابن كثير، واشتغل بتحصيل العلم على مشاهير علماء البلد، وأجازوه في كل العلوم التي يدرسها أهل شنقيط.
التحولات في حياة الشيخ
وقد مر الشيخ في حياته بتحولات أهمها:
التحول من التقليد إلى نصرة الدليل
لما قرأ الشيخ العلامة بداه البوصيري الشنقيطي كل العلوم المتداولة في بلده، اتجه إلى التدريس والمطالعة والتأليف، وكان يميل -رحمه الله- إلى التقليد والجمود على أقوال الفقهاء، حتى عثر على كتاب: (سبل السلام)، لمحمد بن إسماعيل الصنعاني؛ فأعجب بمنهجه في عرض آراء الفقهاء على الكتاب والسنة، واتباع الدليل الراجح، وأقبل على قراءة كتب التفسير، والحديث، وجمع مكتبة قيمة، واعتنى بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وتأثر به، وكان يدافع عنه.
سمات هذا التحول
وقد كان لهذا التحول سمات ومظاهر في حياة الشيخ العلمية، وقد ظهرت في كتبه، ومؤلفاته.
منهجه العقدي
فقد كان الشيخ -رحمه الله- مناصرا لعقيدة السلف، وجاهر بذلك في مؤلفاته، معلنا مخالفته لجُل ما كان عليه شيوخ بلده من الأشاعرة، وقد كان لردوده على الأشاعرة في مؤلفاته تأثير كبير في الأوساط العلمية، والنخب المؤثرة، وذلك لمكانته العلمية؛ فهو المفتي الرسمي للبلد، وكذلك قوة أسلوبه، وتمكنه من العلوم جميعها، وقد افتتح كتابه : (تنبيه الخلف الحاضر على أن تفويض السلف لا ينافي الإجراء على الظواهر) بالرد على مقولة اشتهرت عند الأشاعرة، وهي قول المقري في (إضاءة الدجُنة في اعتقاد أهل السنة)، مبينا منهج الأشاعرة في التعامل مع نصوص الصفات:
والنـــص إن أوهــم غيــر اللائـق
بــالله كالـتشبـيه للخلائق
فاصــــرفه عن ظاهــره إجـماعــا
واقـطـع على الممتنـع الأطماعا
ناصر عقيدة السلف
وقد ناصر -رحمه الله- عقيدة السلف ونافح عنها ومن أهم مؤلفاته فيها:
- (تنبيه الخلف الحاضر على أن تفويض السلف لا ينافي الإجراء على الظواهر)، وقد جاء فيه بنقولات قيمة عن كثير من أئمة السلف، وأئمة المذهب المالكي خصوصا، وهو المذهب الذي عليه غالب أهل شنقيط.
- كتاب: (الدر النضيد في علم الكلام وحقيقة التوحيد)، وقد رد فيه على المتكلمين، ولاسيما الأشاعرة، وهو سابق زمنيا لكتاب تنبيه الخلف الحاضر؛ لأنه يحيل إليه في مقدمته.
- (تنبيه الحيارى وتذكير المهرة في الجمع بين أحاديث لا عدوى ولا طيرة).
- (الكتائب الشرعية في صد هجوم القوانين الوضعية)، وقد دعا في هذا الكتاب إلى تحكيم الشريعة الإسلامية ونبذ القوانين الوضعية، مبينا حكم ذلك في الكتاب والسنة.
موقفه من التقليد
وهذا أحد أهم أركان دعوة الشيخ -رحمه الله-؛ فقد وقف ضد التعصب المذهبي، وكرس لذلك كثيرا من جهوده العلمية، وكان يبين أهمية اتباع الكتاب والسنة وتقديمهما على غيرهما، وألف كتابه: (أسنى المسالك في أن من عمل بالراجح ما خرج عن مذهب الإمام مالك) نصرة لهذه القضية، وقد حشد فيه كثيرا من النقولات التي تبين أهمية اتباع الراجح وبين مجانبة التعصب المذهبي للحق، وانتقد بعض علماء المالكية على تعصبهم للمذهب وحصر الحق فيه؛ حيث يقول: «وقد بلغ التعصب بالمتأخرين من فقهاء المالكية مبلغا لا حد له؛ فقالوا: إن قول مالك في المدونة مقدم على قول غيره فيها، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك ؛ حيث قالوا: إن مجرد وجود القول في المدونة، مرجح له حتى ولو خالف الكتاب والسنة».
منهجه في التدريس
استوت للشيخ -رحمه الله- كل الفنون التي تدرس في القطر الشنقيطي، من لغة، وصرف، وبيان، ونحو، وفقه وأصوله، وجميع علوم الآلة؛ فدرّسها جميعا في جميع المستويات، إلا أنه لم يكتف بذلك، بل درس الفقه المقارن وكتب فقه الحديث، وقد شرح لطلابه فتح الباري، وشرح صحيح مسلم للأبّي، ونيل الأوطار للشوكاني، ودرس في التفسير جامع البيان للطبري، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، ودرس في العقيدة مقدمة رسالة ابن أبى زيد القيرواني، وشرح العقيدة الطحاوية لابن أبى العز الحنفي وغيرها.
تأثيره العلمي
مر معنا أن الشيخ هو المفتي الرسمي للبلد، وهو أول مفتى رسمي للبلد بعد الاستقلال؛ فمن الطبيعي أن يكون له تأثير في الأوساط العلمية، وذلك أن جل المشايخ المعتمدين في البلاد حاليا هم من طلابه والمتأثرين به، ومنهم وعلى رأسهم العلامة: أحمد المرابط، -المفتي الحالي للبلاد-، وهو أحد كبار تلامذة الشيخ وزوج ابنته، وهو الذى ورث منصب الفتيا والخطابة مكان الشيخ، وكذلك الشيخ محمد محمود ولد أحمد يورة وهو أحد كبار علماء البلد، وقد تأثر بالشيخ، وفتح مدرسة على منهجه، كان مقرها الأصلي جامع الملك فيصل، فضلا عما يعرف إعلاميا بالسلفية العلمية في موريتانيا، ومنهم العلامة أحمد مزيد البوني الشنقيطي -صاحب محظرة ظهور العيس وموقع شذرات شنقيطية-، وهو أحد كبار الباحثين والمحققين المهتمين بالتراث، وقد نشر موقعه أول نسخة من كتاب حجر الأساس للعلامة بداه، وهو الآن يقدم للأمة جهودا علمية لا يستهان بها من أهمها: تحقيقه الفريد الذى أغنى عن الشروح لكتاب: (مرتقى الوصول إلى علم الأصول) للإمام ابن عاصم الغرناطي، فضلا عن مشاركته في كثير من المراكز العلمية، وكذلك العلامة المحدث النووي -نائب رئيس رابطة علماء المسلمين-، والعلامة الدكتور محمد أحمد زاروق -الملقب (الشاعر) صاحب كتاب: (سد الذرائع في الفقه المالكي)-، وهو من المعروفين بجودة النظم، وله نظم فريد لنخبة الفكر يسمى (عقد الدرر) لم يوجد مثله، وفيه إضافة قيمة، فضلا عما عرف عنه من التمكن في مادتي أصول الفقه واللغة.
والشيخ كان له تأثير حتى على العقل الجمعي الشنقيطي؛ فقد مثل نقطة فارقة في زمنه؛ فهو الأب الروحي للدعوة الإسلامية عموما، ويحظى بتبجيل وتقدير في الأوساط العلمية الموريتانية، لا يحظى به غيره، وقد عرف بالصدع بالحق، ونصرة المظلوم، والوقوف في وجه الظالم؛ فهو مع أنه كان مفتيا رسميا؛ فإن ذلك لم يمنعه من قول كلمة الحق للجهات الرسمية، وكان ينصحهم في الجمع والأعياد، وجميع المحافل التي يحضرها، وعلى مرأى ومسمع من الجميع.
توفي سنة 1430 -رحمه الله رحمة واسعة- وغفر لله وأسكنه فسيح جناته.
لاتوجد تعليقات