رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر المحلي 22 يوليو، 2018 0 تعليق

تراث الجهراء استأنفت محاضراتها الدعوية بمحاضرة: إصلاح ذات البين عبادة جليلة وواجبة

استأنفت جمعية إحياء التراث الإسلامي -فرع محافظة الجهراء- نشاطها الدعوي في استراحتها الدعوية كل يوم خميس بفروسية الجهراء؛ وذلك بعد توقفها خلال شهر رمضان المبارك، وبدأت هذه الأنشطة بمحاضرة دعوية متميزة، قدم لها فضيلة الشيخ د.حسين القحطاني الإمام والخطيب في وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية؛ حيث تطرق الشيخ في هذه المحاضرة إلى عبادة جليلة، تتعلق بقيمة الإصلاح بين الناس .

     وبدأ القحطاني محاضرته بتبيان أن هذه العبادة الجليلة -أي الإصلاح بين الناس- قائلاً: جاءت الشريعة بها لتأصيل كل ما يصب في مصلحة هذه العبادة وتقعيدها، كما أنها جاءت بمنع كل ما يضاد هذا الأصل العظيم وتحريمه، تحقيقا للتآلف والمحبة، فجاءت بقيم عظيمة مثل إفشاء السلام وإحسان الظن وصلة الأرحام .

من صفات الصالحين

وبيّن القحطاني أن الإصلاح بين الناس من صفات الصالحين الذين تأبى قلوبهم أن يروا اثنين من المسلمين متخاصمين أو متهاجرين فلا تقبل قلوبهم أن ترى هذا يصد عن هذا وهذا يهجر هذا؛ لأن - هذا المصلح - دينه لا يسمح بذلك فتعدى خيره لغيره .

الخلاف المذموم

     وبيّن القحطاني أن المسلم يعيش في مجتمع من طبيعته أن يقع فيه الخلاف واختلاف الآراء والمواقف، لكن ما تخشى منه الشريعة هو الخلاف المذموم، الذي يؤدي إلى التباغض، والتشاحن، وقطيعة الأرحام، حتى يقع هذا بين الإخوة والأخوات وبين الآباء وأبنائهم .

المؤمن الصالح

     وذكر القحطاني أن المؤمن الصالح الذي يتسامى دينه، وتتسامى نفسه وأخلاقه عن الجروح والآلام والأخطاء، لا يقبل أن يقع في المحظور؛ ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم  لما سئل لماذا تكثر من صيام يوم الإثنين والخميس؟ قال صلى الله عليه وسلم : «إن يوم الإثنين والخميس يغفر الله فيهما لكل مسلم إلا متهاجرين يقول الله دعهما حتى يصطلحا» صحيح ابن ماجه 1415، وفي رواية قال: «يعرض هذا ويعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام»؛ فما قام به المؤمن الصالح وسط الخلاف، أنه قطع الطريق على الشيطان، ونبذ التهاجر؛ فبدأ بالسلام على من كان بينه وبين غيره خصومة، ولو كان هذا الرجل يشعر بأن غيره، قد أخطأ في حقه، موضحا أنه يجب علينا -نحن المسلمين- ألا يصل الخصام بيننا لدرجة أن يهجر بعضنا بعضا، بل قد يتعدى هذا الهجر ليصل إلى ظلم المسلم لأخيه المسلم .

عبادة واجبة

     وذكر القحطاني أن الإصلاح بين الناس، فضلا عن كونه عبادة جليلة؛ فإن العلماء قد ذكروا أنه عبادة واجبة لقوله -سبحانه وتعالى-: {وأصلحوا ذات بينكم}، والأمر للوجوب، فلا نعلم صارفا عن هذا الوجوب، ويقول ربنا -جل وعلا-: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما}، وأوضح القحطاني أن النجوى من الأمور، التي حثت الشريعة على عدم الوقوع فيها؛ لئلا يفتح باب الشيطان؛ لأنه حريص على الإفساد بين الناس؛ فهو لا يألو جهدا في الإفساد بين الأقارب والأحباب والإخوة والزملاء؛ لذلك جاءت الشريعة بقطع دابر ذلك كله .

     ومن منطلق قول النبي صلى الله عليه وسلم  في الحديث: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصلاة والصيام، والصدقة؟»، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «صلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هي الحالقة». وقال صلى الله عليه وسلم : «ليس الكاذب من أصلح بين الناس فقال خيرا أو نما خيرا»، وبين القحطاني أن العلماء علقوا على أنه يجوز الكذب للإصلاح بين الناس، سواء كان كذبا صريحا، أم تورية حتى يوقع في قلب المتشاحن على أخيه المسرة والمحبة، ويزيل كثيراً من الخصومة والحقد بين المتخاصمين.

مواقف من حياة النبي صلى الله عليه وسلم

     ثم ذكر القحطاني مواقف من حياة النبي صلى الله عليه وسلم للإصلاح بين الناس، ومنها فيما روى البخاري أن «أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة»؛ فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقام وقال لمن معه: «اذهبوا بنا نصلح بينهما»، ويعلق القحطاني على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ذهب مباشرة ليصلح بين الفئتين المتخاصمتين؛ فلم يترك فرصة ليستفحل هذا الخصام؛ فالواجب على المسلم ألا يترك فرصة لإطالة أمد أي خلاف، حتى لا يتجذر في النفوس مما يصعب إزالته، مشيرا إلى موقف أحد كبار السن الذي يبلغ من العمر سبعين عاما يبكي؛ لأنه لا يكلم أخاه منذ أربعين سنة، والأدهى والأمر أن هذه القطيعة وصلت للأبناء فيما بينهم، معقبا على هذا الموقف بأنه قد يقع خلاف وسوء فهم بين الإخوة والأقارب على موضوع معين، لكن لماذا يصل الأمر إلى التهاجر والتقاطع .

     وعاد القحطاني ليذكر موقفا من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم حينما سمع صوت خصوم في الباب عالية أصواتهم؛ فإذا أحدهم يستوضع الآخر - أي شخص يطلب آخر دينا - ويسترفقه في شيء؛ فيقول دع لي من أصل المال أو اجعل عليّ الأصل فقط؛ فيقول الآخر : والله لا أفعل؛ فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: «أين المتألي على الله لا يفعل المعروف»؟! وبمجرد سماع الصحابي رد النبي صلى الله عليه وسلم، تأثر بقوله وقال: أنا يا رسول الله فله أي ذلك أحب»، مشيرا إلى استجابة الصحابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم دون تأخير، مؤكدا على أن الفرق بين الصحابة وبين أجيال المسلمين قاطبة هو سرعة استجابتهم لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم دون تلكؤ.

     وذكر القحطاني كذلك أن كعب بن مالك، تقاضى ابن أبي حدرد دينا كان له عليه في عهد رسول الله في المسجد؛ فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله وهو في بيته؛ فخرج صلى الله عليه وسلم حتى كشف سجف حجرته فقال: «يا كعب»؛ فقال: لبيك يا رسول الله؛ فأشار النبي بيده - ضع الشطر - أي تنازل عن النصف؛ فقال كعب : قد فعلت يا رسول الله.

     ومن المواقف التي تشير إلى موضوع الإصلاح بين الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم مدح الحسن بن علي رضي الله عنه وهو صغير: «إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح على يديه بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، وقد حدث ذلك بسنوات طويلة؛ فتنازل عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه .

حق المصلح بين الناس

     وذكر القحطاني في معرض عناية الشريعة بهذه الفضيلة، وبمن يقوم بهذا الدور للإصلاح بين الناس بأن جعلت له الشريعة حقا في الزكاة وإن كان غنيا، مشيرا إلى أن الزكاة مصارفها معروفة منها (والغارمين)، ومنهم  الذين يتحملون الديات والديون للإصلاح بين الناس، ولو كان هذا الغارم له من المال ما يقوم بحق هذا الدين، وكل هذا تشجيع وحث لتأصيل هذه العبادة أي - الإصلاح بين الناس - في قلوب المسلمين .

الإصلاح بين الزوجين

     إذا كان الإصلاح بين الناس عموما مطلوب ومهم؛ فإن الإصلاح بين الزوجين مهم ومطلوب أكثر، بل إن الإفساد بين الزوجين يؤدي إلى الحرمان من دخول الجنة؛ إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم : «من خبب امرأة على زوجها لم يرح رائحة الجنة»؛  فديننا الحنيف يرفض الإفساد بين الناس، والوقيعة بينهم، والفتنة والإيذاء، والغيبة، والنميمة؛ لأنها تؤدي للتهاجر والتخاصم؛ لذلك عالجت الشريعة موضوع الخلاف بين الزوجين قال -تعالى-: {فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما}؛ لذلك كان عمر يتهم من يريد الإصلاح بين الزوجين؛ فلم يفلح يتهمه في نيته.

تدخل الأسر

     وذكر القحطاني أن الخلاف بين الزوجين أحد أسباب الخصام فيه، هو تدخل الأسر في هذه المشكلة حتي تكبر، وضرب القحطاني مثلا، بأن من حكمة الشريعة أن الرجل إذا طلق امرأته؛ فعليها ألا تغادر بيتها؛ فلربما يراجع الزوج قراره إذا رآها حوله؛ فالشيطان حريص للتفرقة بين الزوجين؛ ففي الحديث قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ إِبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً يَجِيءُ أَحَدُهُمْ؛ فَيَقُولُ: فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا؛ فَيَقُولُ: مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، قَالَ: ثُمَّ يَجِيءُ أَحَدُهُمْ؛ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، قَالَ فَيُدْنِيهِ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ أَنْتَ»؛ لأن الشيطان إذا أفسد الأسرة؛ فإنه سوف يفسد حياة الزوج، والزوجة، والأبناء؛ فلذلك جاءت الشريعة للاهتمام بالإصلاح بين الناس وذات البين .

آداب شرعية

     وختم الشيخ القحطاني بجملة من الآداب الشرعية المتعلقة بإصلاح ذات البين؛ ولقد أصبح إصلاح ذات البين علما يعلّم ويدرس، وفنا لابد من إتقان أدواته، وأعظمها على الإطلاق النية الصادقة، والصالحة، والرغبة الحقيقية، في إصلاح ذات البين؛ لأن الله -عز وجل- قال في الآية: {إن يريدا إصلاحا..}، فلابد من توافر الإرادة والرغبة في الإصلاح؛ فإذا توفرت تجد، توفيق هذا المصلح في إعادة الوضع على ما هو عليه.

حاكم وعاقل ورفيق

     وذكر القحطاني أيضا من الآداب الشرعية التي يجب أن يتحلى بها من يريد الإصلاح بين الناس، أن يكون حاكما، وعاقلا، ورفيقا على أن يتخير من الألفاظ، والأوقات، والأزمنة، والأحوال، ما يكون صالحا لحل المشكلات، وذكر أن غياب الحكمة أحيانا؛ فيمن يرغب بالإصلاح بين الناس، هو الذي يفسد بينهم؛ فيعمق الأزمة أكثر وأكثر .

السرية والكتمان

     وعرض القحطاني أمراً في غاية الأهمية متعلقا بالآداب الشرعية للإصلاح بين الناس، وهو السرية والكتمان؛ فالبيوت فيها أسرار بين الأزواج، والإخوة، والأخوات، يجب ألا تشاع بين الناس، وأوضح أن على الداعية أو المصلح بين الناس، أن يحفظ الأسرار ويكتمها، ولاسيما أنه يمر علينا كثير من المواقف بين الأسر يندى لها الجبين، مقيدا نشر ما يحدث بين الأسر بما لا يدل على هذه الأسر من أسماء وغيرها من دلالات .

التذكير بمحاسن الآخر

     وأشار القحطاني أنه ينبغي لمن تصدى للإصلاح بين الزوجين خصوصا، وبين الناس عموما، أن يستخدم أسلوب التذكير بمحاسن الآخر؛ ففي خضم المشكلة أحيانا ينسي الشيطان الطرفين المتخصامين محاسن كل منهما، فلا يظهر له الشيطان، ولا يزين له إلا أخطاء الآخرين، معيباً على كثير من المتخاصمين، بمجرد الخصومة ينسف كل منهما فضائل الآخر، مشيرا إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفرك مؤمنا مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر».

     وختم القحطاني محاضرته بكلمة، يستحث فيها الجمهور على ضرورة أن تشيع هذه العبادة - إصلاح ذات البين - فإذا رأى المسلم من نفسه أنه لا يقبل أو يرضى بدوام تهاجر شخصين، ووجد المسلم في نفسه مبادرة للإصلاح بين الناس؛ فاعلم أنه على خير عظيم، محذرا من الخصومة وشيوعها بين الناس؛ وكذلك مما هو أدهى منها، ألا وهي إشعال الفتنة بين الأسر والإخوان والأصدقاء.

 

ميادين الإصلاح

      لقد تَنَوَّعت ميادينُ الإصلاح في الشَّريعة الإسلاميَّةِ السَّمْحَةِ، من إصلاحِ النَّفسِ باطنًا بالإيمان الصَّحيحِ، والمعتقدِ السليمِ، وتقويمِ السُّلوكِ والخُلُقِ ظاهرًا كما جاء في عنوانِ الرِّسالة النَّبويَّة وشعارِها: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ صَالِحَ الأَخْلاَقِ)، وتقويمِ المنْطِقِ بميزان البَيَانِ حِفاظًا على اللِّسانِ؛ إذِ الكلمةُ أصلُ عقيدةِ أهلِ الإيمان؛ فَأَطْيَبُها كلمةُ التَّوحيد، وأخْبَثُهَا كلمةُ الشِّرك، وقد رَاعَتِ الشَّريعةُ إصلاحَ الفردِ والمجتمعِ على حدٍّ سواء؛ إذْ لا مجتمعَ للنَّاس إلاَّ بمجموع أفراده، وإنَّ صلاحَ المجتمع مَبْنِيٌّ على صلاح الفرد وأهليَّتِه لِتَحَمُّلِ الأمانة وأدائها، ولا مجتمعَ صالحاً إلاَّ بتوحيدٍ خالصٍ من أفراده لربِّ العالمين، وأخوةٍ صادقةٍ لا يُكَدِّرُ صفوَها شيءٌ، قائمةٍ على أساس المودَّة والرَّحمة والتَّناصح والتَّناصر.

     هذا، وقدِ اهتَمَّ الإسلامُ بالإصلاح اهتمامًا بالغًا، ولاسيما فيما يتعلَّق بِذَاتِ بَيْنِ المسلمين؛ فكان في حدِّ ذاتِه مقصدًا من مقاصده الكبرى، وغايةً من غاياته المثلى، جسَّد هذا الإصلاحَ النبيُ صلى الله عليه وسلم في واقع حياته، وبِهَدْيِه القَوْلِيِّ والعَمَلِيِّ، مع الصَّحابة الكرام؛ فحرص كلَّ الحرصِ على إيصالِ كلِّ نفعٍ حسيٍّ ومعنويٍّ لهم، ودفعِ كلِّ ضَرَرٍ وأذى عنهم؛ فنهاهم عن الاختلاف والتَّفرُّق والتَّشَتُّتِ، وأَمَرَهم بالبعد عن كلِّ أسباب الخصومة والعداوة والبغضاء، وقَطْعِ دابرِ الهجران والكفران، بأنواع شتَّى وطرقٍ متنوِّعة فاضتْ بها السُّنَّة النَّبويّةُ العَطِرَةُ، وذلك كلُّه رحمةً منه صلى الله عليه وسلم ورأفةً بالخلق، واستجابةً للخالقِ -جلَّ وعلا- الآمرِ بالاجتماعِ والوِفاقِ.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك