تذكّر الآخرة دافع لفعل الخير
- أبواب الخير واسعة ومتاحة لكل إنسان وما علينا إلا اغتنامها لنكون شركاء في الأجر والبركة
- معرفة أثر العمل ونتيجته يوم القيامة تحفز النفس على الطاعة والاستمرار في الخير
- الاستمرارية في بذل الخير تضاعف الأجور وتضمن رصيدًا عظيمًا عند الله
إن من أعظم ما يحرّك القلب إلى طاعة الله، وما يحفز النفس إلى فعل الخير، معرفة الأثر واستحضار النتيجة والعاقبة يوم القيامة؛ فالعبد المؤمن عندما يدرك جزاء الله وعظم المكافأة، يزداد حرصًا على الثبات على الطاعة والاستمرار في الأعمال الصالحة، وقد أراد الله -سبحانه وتعالى- أن يحفز عباده المؤمنين لتحقيق الإيمان والعمل الصالح والتقوى؛ فبيّن لهم عظم العاقبة وهي الجنة، فقال -سبحانه-: {تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيًّا} (الجن: 11)، بعد أن بين جانبًا من خصائص الجنة، ليكون ذلك حافزًا لهم على السعي لبلوغها، كما قال -عزوجل- في التحفيز على تحقيق الإيمان والعمل الصالح: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا} (المؤمنون: 11). فكل من علم عاقبة الطاعة ونتيجة الأعمال كان ذلك له محفزًا عظيمًا على الاستمرار والحرص على الثبات في فعل الخير.
وقد يقول قائل: أنا أرجو أن أفعل الطاعات وأقوم بالعبادات والقربى، ولا سيما تلك التي رتّب الله -سبحانه وتعالى- عليها الأجور العظيمة المتعلقة ببذل الأموال والصدقات، ولكن ليس لدي القدرة على الوصول والمسابقة مع أولئك الذين فتح الله عليهم بالمال والنفقات والجود!، وفي هذا المقام يظهر عظيم فضل الله ورحمته الواسعة؛ إذ جعل أبواب الخير أعظم وأكثر وأوسع من قدراتنا وإمكاناتنا؛ ليظل الإنسان قادرًا على المشاركة في الخير مهما كانت إمكانياته محدودة.أمران يحفزان على فعل الخير
وسأذكر أمرين يحفزان على فعل الخير والمشاركة فيه، ولو بالمشورة أو الدلالة اليسيرة:الأمر الأول: استغفار الولد لوالده
ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده وابن ماجه في سننه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ اللهَ ليرفعُ الدرجةَ للعبدِ الصالحِ في الجنةِ؛ فيقولُ يا ربِّ من أينَ لي هذا؟ فيقولُ باستغفارِ ولدِكَ لكَ»، إن هذا الرجل يتعجب كيف لي أن أصل إلى هذه المرتبة وإلى هذه الدرجة من الجنة وأنا أعرف من نفسي أن منزلتي إلى هذا الحد؟! ومن أين لي هذه الأجور؟ فيقال له: باستغفار ولدك لك. وهذا من أعجب العجب! فما الذي أوصل هذا الرجل إلى هذه الدرجة العالية في الجنة، مع أن الله -عز وجل- قال: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} (النبأ: 39)، وقال -سبحانه-: {بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} (القيامة)، فكما يحصل الطالب في الامتحان، إذا انتهى منه، فإنه يقدر درجته بين الخمسين والستين، وإذا جاء يوم النتائج فوجئ بأن درجته تجاوزت التسعين، يصدم ويتعجب! كذلك الذي ارتفعت درجته ومرتبته يوم القيامة لم يكن ذلك بجهده المباشر؛ بل لأنه كان سببا في وجود ولد صالح، أحسن تربيته على البر والتقوى؛ فهذا الولد طالما يستغفر لوالده في دنياه، فإن مرتبته ترتفع في الجنة، وهذا كله بالسببية، فكان الوالد بهذا الجهد المشترك سببًا في المراتب العالية.الأمر الثاني: الدلالة على الخير
وهو من الأمور العامة، أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن أبي مسعود الأنصاري -رضي الله عنه-، قال: «جاء رجلٌ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال يا رسولَ اللهِ، إني أُبدِعَ بي؛ فاحمِلْني، قال لا أجدُ ما أحمِلُك عليه، ولكن ائتِ فلانًا فلعلَّه أن يحمِلَك، فأتاه فحملَه، فأتى رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فأخبرَه، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: من دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجرِ فاعلِه»، كان هذا الرجل يملك دابة يريد بها الجهاد في سبيل الله، فإذا بالدابة تموت، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما عندي»، فلما سمع رجل آخر هذا الحوار، استثمر الفرصة وأرشد الرجل إلى من يساعده، فكان بذلك سببًا وشريكًا له في الأجر، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله»، ومن خلال هذا الحديث يظهر بوضوح أن الدلالة على الخير والمشاركة فيه، حتى بأقل جهد، تكسب الأجر العظيم، سواء كان ذلك بالدلالة على الفقراء، أو المشاركة في المشاريع الخيرية، أو المساهمة في الأعمال العلمية أو الدعوية.استمرارية بذل الخير وأثرها العظيم
يقول الله -سبحانه وتعالى-: {وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا} (المزمل: 20). فـقوله -سبحانه-: {وَمَا تُقَدِّمُوا} تدل على الاستمرارية والدوام في فعل الخير، والتفكير الدائم في الخير، واستشعار أثر العمل الصالح، ومن أعظم الخسارة أن تمرّ بك الفرص لفعل الخير أو الدلالة على الخير أو المشاركة فيه، ثم تقف مكتوف الأيدي، فلا تقدم ولا تؤخر، وهذا من أكبر أنواع الخذلان للفرص العظيمة. إن التحفيز الحقيقي لفعل الخير هو أن يكون الإنسان حلقة وصل بين الخير والناس، لا أن يكون حاجزًا يمنع الخير من الوصول؛ فكل فرصة للمشاركة ولو باليسير، هي سبب ودرجة وأجر عظيم يوم القيامة، وما أعظم فضل الله وكرمه!أبواب الخير واسعة بلا حدود
أبواب الخير واسعة بلا حدود، وقدراتنا محدودة، ولكن الله -سبحانه وتعالى- جعل فرص المشاركة في الخير متاحة لكل من أراد؛ فمن أراد الارتقاء في الدرجات، فعليه أن يكون همه كيف يدل غيره على الخير، ويشارك في أجره، ولو بأقل الجهد، فلا يترك بابًا من أبواب الخير إلا واغتنمه؛ فهذا الجهد اليسير يصبح ثمرة ودرجة وأجرًا عظيمًا عند الله يوم القيامة.الحكمة من تذكر الموت
الحكمة من تذكر الموت هي الاستعداد له؛ فهو يحفز على البدار بالتوبة والإكثار من الطاعات، ويؤيد ذلك قول النبي -صلى الله عليه وسلم -: «أكثروا ذكرَ هاذمِ اللَّذاتِ: الموتِ؛ فإنَّه لَم يذْكُرْه أحدٌ في ضيقٍ مِن العَيشِ إلَّا وسَّعَه علَيهِ، و لا ذَكرَه في سَعةٍ إلَّا ضيَّقَها عليهِ»، وعَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- أَنَّهُ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَاشِرَ عَشَرَةٍ؛ فَقَامَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ وَأَحْزَمُ النَّاسِ؟ فَقَالَ: أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَشَدُّهُمُ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ، أُولَئِكَ هُمُ الأَكْيَاسُ ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا وَكَرَامَةِ الآخِرَةِ»، وجاء في الأثر: اعمل عمل امرئ يظن أنه لن يموت أبداً، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غداً! وفي لفظ: واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وقال القرطبي -رحمه الله-: تذكر الموت يردع عن المعاصي ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، و يهون المصائب فيها، وقال أيضا: من أكثر من ذلك الموت أكرم بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة.
لاتوجد تعليقات