تحقيق نسبة التكفير إلى ثلاثة من أعيان الدعاة إلى منهج السلف (1)
بدأ إلصاق تهمة التكفير بالمنهج السلفي ودُعاته مع ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- وما تلاه لعوامل عديدة أكثرها سياسي وإعلامي
مركز سلف للبحوث والدراسات
لا يعرف عن دعوة من الدعوات نفرتها من الفكر التكفيري كما عُرف عن الدعوة السلفية عبر تاريخها الطويل وامتدادها الجغرافي في العالم الإسلامي، سواء على نطاق التنظير أم الممارسة العملية، وبإمكان أي باحث أن يعقد مقارنة بين نسبة التكفير عند السلفيين لخصومهم ونسبته عند الفرق المخالفة وعندها يقف المرء متحيراً، كيف أُلصِقَت هذه التهمة بالسلفية والسلفيين؟!
بدأ إلصاق تهمة التكفير بالمنهج السلفي ودُعاته مع ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- في القرن الثاني عشر الهجري وما تلاه لعوامل عديدة أكثرها سياسي وإعلامي، أما قبل ذلك، أي زمن أئمة السلف -رحمهم الله- والإمام أحمد، مروراً بالعصر السلجوقي، والأيوبي والمملوكي فلم يكن هناك من يتهم دعاة المنهج السلفي بالتكفير.
وزاد شيوع هذه التهمة في الواقع المعاصر، بل وأصبحت بعد أحداث ١١ سبتمبر في (الولايات المتحدة) مشروعاً عالمياً، أي يروجها اليهود والنصارى بكل ما لديهم من تخطيط سياسي ومراكز بحثية وإعلام؛ فتم تصنيع لقب السلفية الجهادية وتصديره لكل وسائل الإعلام والتركيز عليه بنهج متكرر، لإلصاق فكرتي التكفير والتفجير بالسلفية ، والإيهام بأن السلفية ومحاضنها هي معامل تفريخ الإرهاب، وزادت هذه الوتيرة بعد ظهور القاعدة ومضاعفاتها كداعش، التي يَعرف كل مراقب كيف صُنعت، ومن رَوج لها؟
– وحاولت بعض الفرق المخالفة لأهل السنة ركوبَ الموجة العالمية، وتقديم نفسها على أنها البديل المناسب عن الإسلام السلفي (الوهابي) المتطرف كما يزعمون! وهو ما أوجب علينا المشاركة في بيان وتبيان هذه الفرية، بهذه المقالة التي نرصد من خلالها أهم ثلاث محطات عُمِل عليها منذ القرن الثاني عشر كي تُشَكِّل العقل الجمعي للسلفية المعاصرة .
المحطة الأولى: موقف الإمام أحمد بن حنبل مع خصومه المعتزلة.
المحطة الثانية: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من خصومه ولاسيما الأشاعرة.
المحطة الثالثة: موقف شيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب من قضية التكفير، باعتبار هؤلاء الأئمة علامات بارزة في الطريق جددوا معالم الإسلام، وإليهم ينتسب وينسب المنهج السلفي.
الإمام أحمد -رحمه الله- وبراءته من التكفير
قال -رحمه الله-: «ومن مات من أهل القبلة موحداً، يُصَلى عليه، ويُسْتَغْفَر له ولا يُحْجَبُ عنه الاستغفار ، ولا نَتْرُك الصلاة عليه لذنب أذنبه صغيراً كان أم كبيراً وأمرُه إلى الله -عزّ وجل-. وقال -رحمه الله- أيضا: ولا نشهد على أحد من أهل القبلة بعمل يعمله بجنة ولا نار، نرجو للصالح ونخاف عليه ، ونخاف على المسيء المذنب ونرجو له رحمة الله، ومن لقي الله بذنب تجب له به النار تائباً غير مصِرّ عليه فإن الله -تعالى- يتوب عليه، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، ومن لقيه مًُصِرَّاً غيرَ تائبٍ من الذنوب التي قد استوجب بها العقوبة فأمره إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له».
وكان -رحمه الله- يمتنع عن تكفير أهل البدع والفرق المنحرفة – غير الغلاة الذين اتفقت الأمة على تكفيرهم – مع تضليلهم والتحذير من بدعهم ، فامتنع من تكفير المرجئة الذين يقولون: إن الإيمان هو القول دون العمل .
فعن إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد -رحمه الله- هل تخاف أن يَدْخُلَ الكفرُ على من قال: الإيمان قول بلا عمل ؟ فقال: «لا يكفرون بذلك»، وقال أبو بكرالمروذي: قيل لأبي عبدالله: المرجئةُ يقولون: الإيمان قول، فأدعو لهم ؟ قال : «ادع لهم بالصلاح».
لم يكفر القدرية
ولم يكفر القدرية غير الغلاة، فروى عبدالله ابن أحمد عن أبيه وقد سأله عليُ بن الجهمِ عمن قال بالقدر: يكون كافراً؟ قال: «إذا جحد العلم، إذا قال: إن الله -عز وجل- لم يكن عالما حتى خلق علما فعلِم، فجحد علم الله -عز وجل- فهو كافر».
وبَوَّبَ أبو بكرٍ الخلال -رحمه الله- في كتاب السنة في توقف أبي عبدالله في المارقة فقال: «أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبدالله، قيل له: أكَفَرَ الخوارجُ؟ قال: هم مارقة، قيل: أكفار هم؟ قال : هم مارقة مرقوا من الدين»، فاكتفى بلفظ الحديث ولم يكفرهم، وقد روى الخلالُ عن أحمد لما سُئِل عن الحرورية والمارقة يكفرون؟ قال: «اعفني من هذا، وقل كما جاء فيهم الحديث» مع ذمّه الشديد جداً لهم، وقد أورد الخلال آثاراً أخرى في هذا الباب يمكن الرجوع إليها ، فليس الغرض الاستقصاء.
ولم يُكَفِّر من سب الصحابة
ولم يُكَفِّر الذين يسبُّون أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- ويُفَضِّلُون علياً عليهما، فرَوى الخلالُ عن عبدالملك بن عبدالحميد أنه سمع أبا عبدالله، قال في أحدهم إذا مات أنا لا أشهده -أي جنازته- يشهده من شاء، قد ترك النبي صلى الله عليه وسلم على أقل من ذي الدَّين، والغلول، لم يصل عليه ولم يأمرهم »، وتركُ الصلاةِ ممَّن يُقْتَدَى به، هو زجر عن هذه البِدَع وليس تكفيراً كما هو واضح.
لم يكفر المعتزلة بأعيانهم
وأما المعتزلة الذين خاض الإمام أحمد معهم صراعا فكريا عنيفا، واستعانوا عليه بسوط السلطان، وكفروه وأباحوا قتله، فرغم ذلك لم يكفرهم بأعيانهم وإن أطلق الحكم بتكفير من قال مقالتهم ،من نفي الصفات والقول بخلق القرآن، تفريقا بين النوع والعين في إطلاق أحكام التكفير، فأبى الخروج على الواثق لما استأذنوه في هذا الأمر وقال: «عليكم بالنكرة في قلوبكم ولا تخلعوا يدا من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين».
وقد بين شيخ الإسلام ابنُ تيمية: أن اختلاف الروايات عن أحمد في تكفير المعتزلة مرَدُّه للاختلاف في الحكم بين النوع والعين، فقال: «وتكفير الجهمية مشهور عن السلف والأئمة، لكن ما كان -يقصد أحمد -رحمه الله- يكفر أعيانهم فإن الذي يدعو إلى القول أعظم من الذي يقول به، والذي يعاقِبُ مخالِفَه أعظمُ من الذي يدعو فقط، والذي يُكَفِّر مخالِفَه أعظمُ من الذي يعاقبه، ومع هذا فالذين كانوا من ولاة الأمور يقولون بقول الجهمية: إن القرآن مخلوق، وإن الله لا يُرَى في الآخرةِ وغير ذلك، ويَدْعُون الناسَ إلى ذلك ويمتحنونهم ويعاقبونهم إذا لم يجيبوهم ويُكَفِّرُون من لم يجبهم، حتى إنهم كانوا إذا أمسكوا الأسير لم يطلقوه حتى يُقِرَّ بقولِ الجهمية : إن القرآن مخلوق، وغير ذلك، ولا يولون متوليا ولا يُعْطُون رِزْقاً من بيت المال إلا لمن يقول ذلك ، ومع هذا فالإمام أحمد -رحمه الله تعالى- تَرَحَّم عليهم واستغفر لهم، لعلمه بأنهم لم يُبَيَّن لهم أنهم مُكًَذِّبُون للرسول ولا جاحدُون لما جاء به، ولكن تأولوا فأخطؤوا وقلَّدوا من قال لهم ذلك».
وهذه النقول عن أحمد -رحمه الله- تُبَيِّن تحريه العظيم – كسائر أئمة أهل السنة – في أمر التكفير، وأنه لم يُكَفِّر المرجئة الذين يخرجون العمل من الإيمان، ولا القدرية غير الغلاة النافين للعلم والكتابة، ولا الخوارج المارقين، واختلفت الرواية عنه في (المعتزلة) واختلاف الروايات ناشئ عن التفريق بين النوع والعين، فهو -رحمه الله- وإن كان يرى أن مقالةَ خلقِ القرآنِ كفر، إلا أنه لم يُكَفِّر كلَّ من قال بها؛ نظراً لأن تكفير المعين يتوقف على استيفاء الشروط وانتفاء الموانع ، وكذا في الرافضة الذين يسبون أبا بكر وعمر .
وبدهي إذا كان هذا موقفه من أهل هذه البدع المغلظة ، فما بالنا بمن هم أخَفَّ منهم بدعة؟
واللَّفْظِيَّة لقب يُطْلَقُ على الذين قالوا «لفظي بالقرآن مخلوق» ولم يقولوا: القرآن مخلوق، والواقفة الذين قالوا :لا نقول مخلوق ولا غير مخلوق، وحَكَمَ على أصحابهما بالبدع ، وغلظ على اللفظية أكثر وجعلهما كالجهمية ولكن لم يكفرهم .
الشدة على أهل البدع
نعم كان -رحمه الله- شديدا في التغليظ في رد البدعة وزجر أهلها وسد ذرائعها، فقد غلظ القول على اللفظية؛ لأن الجهمية كانوا يتسترون وراء هذا القول لنشر بدعتهم، قال عبد الله في السنة: سمعت أبي -رحمه الله- وسئل عن اللفظية فقال: هم جهمية وهو قول جهم، ثم قال : لا تجالسوهم.
تنبيه مهم
وهنا نرى ضرورة التنبيه إلى أن كل ما رُوي عن أحمد أو سواه من أئمة أهل السنة، من أقوال فيها تكفير الأهواء، لم يكونوا يقولونه في الخُطَبِ والمجامع كما يفعل خوارج هذا الزمان الذين يُكَفِّرون أعيان الناس على رؤوس الأشهاد، بل كان الأئمة يقولون هذه الأقوال في مجالس خاصة مع خاصة الخاصة من طلبة العلم الذين يُدْرِكُون مرادات الأشياخ؛لذلك لم يُتَّهم الأئمة بالتكفير طيلة القرون الماضية؛ لأن أقوالهم ظلت محصورة بين خاصة أهل العلم الذين يعون مقاصد العلماء، ولما شاع القلم اليوم وتعرّف على أقوالهم المغرضون والمتطفلون على العلم وأهله حملوها على غير محملها الصحيح فضلوا وأضلوا.
لاتوجد تعليقات