تحريم الاحتكار وغلاء الأسعار ( 2-2)
استكمالا لمقالنا السابق حول لهيب الأسعار وتضخمها في السوق الكويتية، نكمل اليوم ما بدأناه من أسباب ارتفاع الأسعار. قد يقول قائل: لماذا غاب دور حماية المستهلك ولا أقول: ضعف؟ فهناك قوانين مشرعة لحماية المستهلك في الكويت.
في الحقيقة إن هذه القوانين حبر على ورق وتطبيقها لا يذكر، وليس له أثر على المستهلك في مقابلة انتشار الغش والبضائع ذات الجودة المتردية، ولا يخفى على القارئ الكريم حجم الضبطيات للأغذية الفاسدة من البلدية مشكورة؛ ولكن الأمر أكبر من هذا؛ ففي حديث لي مع أحد مسؤولي هيئة الغذاء قال لي: إن أغلب الخضروات والفواكه من الدول العربية لا تصلح للأكل الآدمي والحيواني وهي مضرة؛ لأن فيها مواد كيميائية من مبيدات حشرية تسبب الأمراض، وحتى في الكويت هناك مبيدات محظورة -مع الأسف- يتم استخدامها ولا زالت هذه المواد تباع لقوة التجار المستوردين ونفوذهم؛ فيتم استيرادها وبيعها في السوق، ولا يهم ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة غير الطبيعية ما دام هذا التاجر يمتلئ جيبه، ومن يتواطأ معه لتمرير معاملاته.
تنظيم سوق الخضار والفواكه
وأذكر هنا عندما كنت في البلدية عام ١٩٨٧، طلب الشيخ جابر -رحمه الله- من البلدية إعادة تنظيم سوق الخضار والفواكه؛ لأن الكويتيين يدفعون أسعارا غالية، ويحصلون على منتجات ذات درجة ثالثة -مع الأسف الشديد-، وفعلا قامت البلدية بإعادة توزيع البسطات وغيرها من الأسواق، إلا أن نفوذ تجار الفواكه والخضروات كان قد استفحل؛ وزادت أرصدتهم المالية على مر السنوات؛ فقاموا بشراء المزارع الأم التي تصدر للكويت من بلد المنشأ في بعض الدول العربية، ثم عرضوا على التجار الجدد الذين انطبقت عليهم الشروط بشراء بسطاتهم ومن لم يبع كانوا يعملون معه أمرين، الأول: عندما يستورد هذا التاجر الجديد أي صنف من الفاكهة يقومون بخفض الأسعار إلى أن يخسر هذا التاجر، والثاني أنه إذا استمر كانوا يمنعون عنه الاستيراد من البلد الأم، وهكذا ضاعت جهود البلدية لرفع مستوى الخضار والفواكه في الكويت، ثم قامت الحكومة بعد ذلك بإنشاء شركة للخضار والفواكه تقوم باستيراد أفضل أنواع الخضار والفواكه العالمية وأيضا تسويق المنتجات المحلية، إلا أن -مع الأسف الشديد- أسلوب الحكومة في تعيين القياديين الأنصار وكسب الولاءات أدى إلى تعيين قيادات غير أكفاء أضاعت جهود الحكومة في هذه الشركة، وكانت البلدية قد خصصت لها فروعاً في جميع أنحاء الكويت للتسويق.
الفوضى وغياب الرقابة
واليوم مع الشبرة الجديدة في الصليبية التي أوكلت للقطاع الخاص ترى الفوضى وغياب الرقابة والترتيب؛ حيث كان بإمكان البلدية تقسيم الشبرة إلى نخب أول، ونخب ثان ونخب ثالث، حتى لا يتعرض المستهلك للغش، وأيضا كان لابد من وجود فرع للتجارة والبلدية داخل شبرة الصليبية أمام المشترين للرقابة واستلام الشكاوى الفورية من المستهلكين.
قصص لا تنتهي
وألفت نظر القارئ إلى أن كثيرا من الفاكهة الأوروبية والأمريكية عليها لاصق صغير لكل حبة، وهذا يعني مستوى جودة هذه الفاكهة، وعموما قصص حماية المستهلك لا تنتهي. وفي دراسة علمية جرت على السوق التركية وجدت أنه كلما تم تعزيز حماية المستهلك كلما ارتفع مستوى جودة البضائع التركية وهذا يؤدى إلى زيادة التصدير والمبيعات إلى دول العالم.
قانون حماية المستهلك
وأخيرا جمعيات حماية المستهلك بالرغم من أن قانون حماية المستهلك الجديد أباح إنشاء جمعيات حماية المستهلك إلا أن الحكومة لم ترخص أي جمعية إلى الآن، وأيضا بالرغم من وجود قطاع لحماية المستهلك في وزارة التجارة -ومشكورين جدا على جهودهم المتميزة- إلا أن حماية المستهلك يجب أن تكون جمعيات شعبية لا سيطرة رسمية عليها.
اتحاد المستهلكين
وفي هذا الباب أحب أن أضرب مثالا مهما في الولايات المتحدة قام (رالف نادر) بإنشاء اتحاد المستهلكين؛ وسبب الإنشاء وفكرته، أن المستهلك الفرد لا يستطيع أن يواجه الشركات الكبرى في الولايات المتحدة فلا بد من تعاضد المستهلكين ليكونوا قوة لا يستهان بها لمواجهة هذه الشركات البليونية، وفي هذا الوقت كانت شركة (جنرال موتورز) قد صنعت سيارة صغيرة إذا صدمتها من الخلف تنفجر، وغالبا تؤدي إلى موت سائقها؛ فشن عليه (رالف نادر) حملة شعبية استطاع سحب السيارة من الأسواق وتعويض جميع المتضررين وأنشأ بعد هذا النجاح اتحاد المستهلكين، وانضم إليه 5 ملايين عضو بوصفه مؤسسة شعبية تهتم بشؤون المستهلك، وأنشأ مختبرات تقوم بفحص 1500 سلعة وخدمة سنويا، وتقوم بنشر نتائجها في مجلته الشهرية، وأصبح اتحاد المستهلكين البعبع الذي تخشاه جميع الشركات في الولايات المتحدة، ومع تحريم القانون للاحتكار تطورت السلع والخدمات في الاقتصاد الأمريكي تطورا كبيراً؛ بسبب رقابة المستهلك.
قصة طريفة
ولي قصة طريفة في الكويت أن والدتي قامت بشراء سيارة جديدة للسائق، وبينما أنا معها أسوق السيارة ذاهبين للسعودية انفجر إطار السيارة والحمد الله، الله حفظنا، وعندما عاينته وجدته متشققا جميعه مع أن السيارة جديدة تم شراؤها من شهرين، وكانت ماركة الإطار فايرستون، وبعد مراجعتي لحماية المستهلك وجدت أن هذا الإطار عليه مشكلات كبيرة في السوق الأمريكية، وتقوم الشركة بسحبه من الأسواق، فذهبت إلى الوكيل في الكويت طالبا منه تغيير الإطارات بإطارت جديدة من نوع آخر، قال لي بالحرف الواحد: نحن لا شأن لنا بذلك راجع شركة الإطارات؛ فقلت له: إني اشتريت السيارة بإطاراتها منكم ولا شأن لي بشركة الإطارات والمفروض تبدلون الإطارات وكان المدير أمريكيا وعندما رأيت إصراره بعدم التعاون فقلت له: هل تعرف اتحاد المستهلكين في أمريكا فوقف صامت ومذهولا في الوقت نفسه، والتفت إلى معاونه وقال: أعطوه أربع إطارات جديده! فقوة اتحاد المستهلكين هي التي أنقذت الموقف بالرغم من أننا في الكويت ولسنا في أمريكا.
والقصد ضرورة وأهمية إنشاء جمعيات لحماية المستهلكين في الكويت من جشع بعض التجار؛ ولزيادة جودة الخدمات والسلع في الكويت، ولتطوير الاقتصاد والصناعة والخدمات المقدمة من القطاع الخاص. وأرجو ألا يكون مصير قانون حماية المستهلك حبرا على ورق، كنظيره قانون المنافسة وجميع القوانين التي تلزم الحكومة بالشراكة الشعبية في الكويت والمشاركة بالتنمية والمشاريع الصغيرة.
وختاما هناك عوامل عدة أيضا تؤثر على الأسعار ولكن نرجئها إلى وقت آخر ومقالة أخرى.
لاتوجد تعليقات