تأملات في قانون الأحوال الشخصية الجديد (7) طلاق الغضبان!
- في باب الفُرقة بالإرادة؛ في فصل الطلاق، وتحديدًا في المادة (112- معدلة)، نصت المادة على: «يقع طلاق كل زوج عاقل، بالغ، مختار، واع لما يقول؛ فلا يقع طلاق المجنون والمعتوه، والمُكرَه، والمخطئ، والسكران والمدهوش، والغضبان إذا اشتد غضبه، وغلب الخلل في أقواله وأفعاله».
- ونلاحظ أن المادة المعدّلة، أضيف إليها فقط عبارة (إذا اشتد)؛ وذلك لأهميتها في حفظ كيان الأسرة واستمرارية الزواج؛ ففي المذكرة الإيضاحية للمادة (112) نصّت على: «رئُي أن خير سبيل لاجتناب ما يمكن اجتنابه من مساوئ الطلاق -وعواقبه الوخيمة- اختيار الأحكام التي تضيق بها دائرة وقوعه إلى أقصى حدّ، وتعوق التسرع فيه بالقدر الممكن، وذلك بحسب نصوص الكتاب والسنة، وقواعد الشريعة المحكمة، وآراء المجتهدين في مختلف المذاهب؛ فيما يحقق الصالح العام، ويرفع الضرر العام».
- ونصّت أيضًا: «وواضح أنه عند اختلاف الاجتهادات في صحة الطلاق، يكون الطريق الأحْوط هو الأخذ بعدم وقوع الطلاق المشكوك في دليل صحته؛ لأن في إيقاعه تحريم الزوجة على زوجها وتحليلها للأجنبي، والورع في الإبقاء على الحلال الثابت باليقين، لا في اتباع الظنون والمحتملات».
- وبينت هذه المادة، شرائط إيقاع الطلاق بالنسبة للزوج الذي يريد التطليق بإرادته، -وهي ضرورية لتحقق سلامة إرادته- إذ لا يمكن بناء حكم يرجع إنشاؤه إلى الإرادة، إذا لم تكن مستحقة بصورة سليمة من الآفات.
- وأوضحت أن طلاق كلّ من المجنون والمعتوه والمكرَه والمخطئ والسكران والمدهوش لا يقع، ودليلهم على ذلك قوله -[-: «إِنَّ الله وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ، وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ»، واختلف المجتهدون في وقوع طلاق السكران، وأخذ القانون بعدم وقوعه؛ لأنه الموافق للمصلحة ولمقاصد الشريعة.
- ولا يقع طلاق الغضبان إذا حال غضبه بينه وبين كمال قصده وتصوّره، ومن الأدلة الحديث: «لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ في إغلاق»، وعلى الرغم مما قال عنه (ابن باز): بأنه (حديث فيه ليّن)؛ ولكن له شواهد تعضده، وتجبره، ويحتجّ به لشواهده من الكتاب والسنة، ومن ذلك قصة موسى -عليه السلام-؛ حين ألقى الألواح بسبب الغضب، وكذلك قوله -جل وعلا-: {مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (النحل:106)».
- وقد بيّن ابن القيم وشيخه ابن تيمية أن الغضب على ثلاثة أقسام؛ الأول: يزيل العقل؛ -فلا يشعر صاحبه بما قال-، وهذا لا يقع معه طلاق؛ بلا ريب.
- والثاني: يكون في مبادئه؛ بحيث لا يمنع صاحبه من تصوّر ما يقول وما يقصده، وهذا يقع معه الطلاق بلا نزاع.
- والثالث: يشتد بصاحبه، ولا يبلغ به زوال عقله، بل يمنعه من التثبت والتروّي، ويُخرجه عن حال اعتداله، فهذا محل اجتهاد، وعدم وقوع الطلاق في هذه الحال قوي متجه.
- ورجّح بعض أهل العلم عدم وقوع طلاق الغضبان، إذا غلب عليه الخلل في أقواله وأفعاله؛ بحيث تخرج عن عادته وإن كان يعلم ما يقوله ويريده؛ لأن هذا العلم وتلك الإرادة غير معتبرتين حينئذ؛ لعدم حصولهما عن إدراك صحيح.
26/1/2026م
لاتوجد تعليقات