رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 25 أبريل، 2016 0 تعليق

بن حميـــد: هـدم هيبــة العالـــم كسـر لبـــاب عظيــم يحــول بيـن الناس وبين الفتنة والفساد

من علامات توفيقِ الله: حبَّ أهل العلم، وذكرَهم بالجميل، ودفعَ قالَة السوء عنهم، وتوقيرَهم من غير ادِّعاء عصمَتهم، أو عدم الردِّ عليهم عند أخطائِهم

إذا ما حِيلَ بين العلماء وبين الأمة هلكَت، وخلا الجوُّ للأعداء والمُتربِّصين. الناسُ من غير العلماء جُهَّالٌ تتخطَّفُهم الشياطينُ وتعصِفُ بهم الضلالات والأهواء

 إن هدمَ هيبَة العالِم، وإضعافَ مكانته كسرٌ لبابٍ عظيمٍ يحولُ بين الناسِ وبين الفتنةِ والفساد. ومحاولةَ الوقيعَة بين العلماء والأمة، من أعظم خُطط الأعداء في الداخل والخارِج

 

ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة بعنوان: (مكانة العلماء)، التي تحدَّث فيها عن أهل العلم ومكانتهم وقدرهم، وتعظيمهم في نصوص الكتاب والسنَّة، مُبيِّنًا ما يجبُ على كل مُسلمٍ تجاههم من الاحترام والتوقير والرجوع إلى أقوالهم، مع بيان أنهم بشرٌ يُصيبُون ويُخطِئون وأن من يحكم على صوابِهم وخطأهم هم أمثالُهم ونُظراؤُهم وليس كل أحدٍ، وأوردَ العديدَ من الآثار وأقوال أهل العلم الدالَّة على فضلهم وحُرمة الوقيعة فيهم؛ وكان مما جاء في خطبته:

     العبادةُ تُزكِّي السرائر، وتحفظُها من العلَل البواطِن والظواهِر، وليس العبادةُ بكثرة الصيام والصلاة، إنما العبادةُ بالاستقامة على أمر الله، والورع عما حرَّم الله، والصبرُ عن محارِم الله أيسرُ من الصبر على عذابِ الله، ومن اتَّعظَ بخُطوبِ الأيام أغنَتْه عن خُطب الأنام، {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(التغابن: 16).

أعلام على الطريق

     كمائِنُ القلوب تُظهِرُها المِحَن، والمُؤمنُ أسيرُ الحق: الإخلاصُ مطيَّتُه، والصدقُ محجَّتُه، وعلى هذا الطريق الأقوَم يقِفُ أعلامٌ ورؤُوس يثبُتُون في الشدائِد والمُلِمَّات، ويعتصِمون بالحقِّ عند الأزمَات، ويُبصِرون ويصبِرون ويُبصِّرون عند الفتن والابتِلاءات. إنهم علماءُ الشرع المُطهَّر، رفع الله قدرَهم، وأعلى مقامَهم، قائِمون بالحقِّ، مُتمسِّكون بالهُدى، ثابِتون على الجادَّة، مقرونةٌ طاعتُهم مع وُلاة الأمور بطاعة الله ورسولِه:  {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}(النساء: 59).

     عظَّم الله شأنَهم، واستشهَدَهم على توحيدِه أعظمِ مُستشهَد:{شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(آل عمران: 18)، هم المرجِعُ عند السؤال، وإليهم الردُّ عند الاستِشكال: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}(النحل: 43)، {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ}(الزمر: 9)، {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ}(المجادلة: 11).

     إليهم المفزَعُ في النوازِلِ والفتن والمُدلهِمَّات والمُظلِمات، وهم الملاذُ في الأزمات: {َإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا}(النساء: 83).

العلم تركة الأنبياء

     العلمُ ترِكَةُ الأنبياء، ورِثَه الصحابةُ -رضوانُ الله عليهم-، ثم ورِثَه من بعد التابِعون، وهكذا جيلاً بعد جيل، إلى أن يشاءُ الله قبضَه، ولهذا يقول عبدُ الرحمن بن مهديُّ - رحمه الله -: «كان الرجلُ من أهل العلم إذا لقِيَ من هو فوقَه في العلم فهو يوم غنيمة، سألَه وتعلَّم منه، وإذا لقِيَ من هو دونَه علَّمه وتواضَعَ له، وإذا لقِيَ من هو مثلُه في العلم ذاكرَه ودارسَه»، وإن من الجفاءِ أن يموتَ العالِم ولم يُؤخَذ عنه العلمُ ولم يُورَث.

من علامات توفيق الله

     إن من علامات توفيقِ الله: حبَّ أهل العلم، وذكرَهم بالجميل، ودفعَ قالَة السوء عنهم، وتوقيرَهم من غير ادِّعاء عصمَتهم، أو عدم الردِّ عليهم عند أخطائِهم، حبٌّ من غير تعصُّبٍ ولا تعسُّف، ولا يصُدَّنَّك حبُّهم أن ترى الحقَّ عند من خالفَهم؛ فحبُّهم من أجل ما خصَّهم به مولاهم من علمٍ وصلاحٍ وتقوى، وبما منحَهم ربُّهم من فضلٍ واستقامةٍ، أما الحقُّ فخُذه أنَّى وجدتَّه.

     وفي الخبر الصحيح: «ليس منَّا من لم يُجِلَّ كبيرَنا، ويرحَم صغيرَنا، ويعرِف لعالِمِنا حقَّه»؛ أخرجه أحمد والطبراني وغيرُهما، وإسنادُه حسن، وصحَّحه الألباني، ويقول أبو الدرداء -رضي الله عنه-: «من فقه الرجلِ ممشَاه ومخرَجُه ومدخلُه مع أهل العلم»، ويقول ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: «مكثتُ سنتين أريدُ أن أسألَ عُمر عن حديثٍ ما منعَني إلا هيبَتُه»، ويقول طاوسُ بن كيسان - رحمه الله -: «من السُّنَّة: أن يُوقَّر أربعة: العالِم، وذو الشَّيبة، والسُّلطان، والوالِد، هذا من سُنَّة نبيِّكم محمد صلى الله عليه وسلم ».

حقوق أهل العلم

ومن أعظم حقوقِ أهل العلم: حفظُ الألسِنة عن الوقيعَة بهم أو النَّيل منهم بالسيِّئ من القول أو العمل؛ فالنَّيلُ منهم مما هم منه براء أمرٌ عظيم، ونهشُ أعراضِهم بالزُّور والافتِراء مرتَعٌ وخيم.

     يقول الحافظُ ابن عساكر - رحمه الله-: «العلَم - وفَّقني الله وإياك لمرضاته، وجعلَني وإياك ممن يتَّقِيه حقَّ تُقاته - أن لحومَ العلماء مسمُومة، وعادةَ الله في هَتكِ من ناوءَهم معلُومة، وقلَّ من اشتغلَ في العلماء بالثَّلبِ إلا عُوقِبَ قبل موتِه بموتِ القلبِ». نسألُ الله السلامة، وذكرَ الثعلبيُّ عن عليٍّ -رضي الله عنه-: «من استخفَّ بالعلماء ذهبَت آخرتُه”.

     ويقول الحافظُ ابن حجر -رحمه الله- في حديث: «من عادَى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحربِ»، قال: «المُرادُ بوليِّ الله: العالِمُ بالله المُواظِبُ على طاعته»، ثم قال: «لا تحكُم لإنسانٍ آذَى وليًّا ثم لم يُعاجَل بمُصيبةٍ في نفسِه أو مالِه أو ولدِه، لا تحكُم عليه بأنه سلِم من انتِقام الله له؛ فقد تكونُ مُصيبتُه في غير ذلك مما هو أشدُّ عليه، كالمُصيبةِ في الله» - عياذاً بالله -.

أسباب الوقيعة بين أهل العلم

وأغلبُ ما يقودُ إلى الوقيعَة في أهل العلم: الغَيرة، والحسَد، والهوى، والتعصُّب، والتعالُم، وناهِيكم بخُطط الأعداء. بل إنه لا يقعُ في أعراضِ العلماء إلا ضالٌّ أو جاهلٌ أو مُغرِضٌ أو مُتعصِّب.

     واعلَموا - حفظَكم الله - أن إضعافَ دور أهل العلم يُؤدِّي إلى عواقِبَ خطيرةٍ في حاضِر الأمة ومُستقبلِها، ولاسيما مع هذه التطوُّرات المُعاصِرة في وسائل اتصالاتها وتواصُلها، وما تموجُ به من تياراتٍ مُضلَّة، وعقائِد مُنحرِفة، وبناءُ المُجتمع يعتمِدُ -بعد الله- على علماء الشرع ومُشاركتهم، والرجوع إليهم، واحترامهم، وتقديرهم، وحفظ مكانتهم، وإضعافُ دورهم إضعافٌ للمُجتمع، إضعافٌ لمُقاومته أمام معاوِل الفساد والإفساد والانحِراف وأوحال الثقافة، مما يُؤدِّي إلى الضياع، وفُقدان الهويَّة، وتصدُّر الجُهَّال.

صمام الأمان

     إنه إذا ما حِيلَ بين العلماء وبين الأمة هلكَت الأمة، وخلا الجوُّ للأعداء والمُتربِّصين. الناسُ من غير العلماء جُهَّالٌ تتخطَّفُهم شياطينُ الإنس والجنِّ، وتعصِفُ بهم الضلالات والأهواء، لا يقِفُ في وجوهِ الزنادِقة والمُنافقين إلا أهلُ العلم الأثبَات. ومن يسعَى في إضعافِ أهل العلم وتقليصِ دورهم فهو ساعٍ في انحِراف الشباب وإيقاعهم في التيارات الفِكريَّة المُتطرِّفة، والواقعُ خيرُ شاهِدٍ.

حملات تشويه

     إن أهل العلم يتعرَّضُون لحَمَلات تشوِيه وموجات استِهزاء، من الملاحِدة والماجِنين، في مقالاتٍ ورُسوماتٍ، وتغريداتٍ ساخِرة، ومواقِف تمثيليَّةٍ مُهينة، أيُّ تأثيرٍ سيبقَى للعالِم في نظر الناس؟! وأيُّ تقديرٍ واحترامٍ لعلمِهم وفتاواهم وأحكامهم إذا شغَّبَت عليهم السُّفهاء، وتطاولَ عليهم من لا خلاقَ له؟!

إن هدمَ هيبَة العالِم، وإضعافَ مكانته كسرٌ لبابٍ عظيمٍ يحولُ بين الناسِ وبين الفتنةِ والفساد. إن محاولةَ الوقيعَة بين العلماء والأمة، والفصل بين الأمة وعلمائِها هو من أعظم خُطط الأعداء في الداخل والخارِج.

     ففي كثيرٍ من بلاد الإسلام ما غابَ أهلُ العلم ولكن غُيِّبُوا، وما قصَّروا ولكن حُجِبُوا، وتصدَّر الجُهَّال بل قد صُدِّروا. وأشدُّ من ذلك: أن يتصدَّر المُجتمعات أصحابُ اللهو والمُجُون وأضرابُهم من أصحابِ الأفكار الصغيرة، والكلمات الضعيفة، واللقَطَات السريعة في أدوات التواصُل الاجتماعيِّ؛ ليكونوا رموزًا، ولتُصنَع منهم قُدوات، ونلجَأُ إلى الله ونفزَعُ من ضعفِ الهِمَم، وانحِدار الضائِقة، واستِنقاص العُقول.

     فأين هؤلاء من مصابيح الدُّجَى، وأعلام الهُدى، وحُجَّة الله على خلقِه، الآمِرين بالمعروف، الناهِين عن المُنكر، الساعِين في مصالِح المُسلمين، المهمُومين بهُموم الأمة، حُرَّاس الدين وأعلام الملَّة، يُصلِحون ما فسَد، ويُقوِّمون ما اعوَجَّ. فما أحسنَ أثرَهم على الناس، وأقبَحَ أثر الناس عليهم، أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}(الزمر: 9).

ليسوا معصومين

     العلماءُ ليس فيهم معصُوم، ولا من الخطأ سالِم، ويرُدُّ عليهم أخطاءَهم أمثالُهم ونُظراؤُهم من أهل العلم، وليس كلُّ من عرفَ القراءة والكتابةَ تجرَّد وخطَّأ وصوَّب، والخلافُ بين أهل العلم سُنَّةٌ من سُنن الله، فلا يجوزُ أن يُتَّخذَ سبيلاً للحطِّ من مكانتهم، أو الانتِقاص من قَدرهم، مع ما يجبُ من التثبُّت في صحَّة ما يُنسَبُ إلى العالِم ومُرادِه ومقصَدِه.

     وليُعلَم أن هناك فرقًا كبيرًا بين تخطِئة العالِم والردِّ عليه، وبين تجريحِه والحطِّ من منزلتِه. والإنصافُ عزيز، ونعوذُ بالله ممن ابتُلِي بتصيُّد العثَرَات، وتتبُّع الزلاَّت. يُدخِلون أهل العلم في مسالِك التصنيف، سِيماهم التغريدُ من أحل التغرير. ومن ابتُلِيَ بتتبُّع الزلاَّت، ودخلَ في التصنيفات قسَا قلبُه، وجانَبَ العدلَ والإنصافَ مسلكُه، وقلَّ ما يُكتَبُ له التوفيق.

     فاحذَر - حفِظَك الله - أن تكون ممن يفرحُ أو يتلذَّذُ حين يسمعُ خطأَ عالِمٍ في فُتيا، أو زلَّةً في فهم، أو غلطًا في حُكم، فضلاً عن أن تُبتلَى بنشر ذلك، والتفكُّه به في المجالِس، أو التزيُّن به في المُجتمعات والمجموعات، أو تبُثَّه في التغريدات. نسألُ السلامة، ونعوذُ بالله من الخُذلان.

التواصي بين أهل العلم

     ومع هذا كلِّه فينبغي أن يتواصَى أهلُ العلم بالحرصِ على سلامة العِرض، والبُعد عن مواطِن الرِّيَب والشُّبَه، وسدِّ الذرائِع المُفضِيَة إلى التطاوُل عليهم، وفي قولِه صلى الله عليه وسلم : «على رٍسلِكما؛ إنها صفية» خيرُ أُسوة، وأوضحُ منهَج، وهو في وسط الصحابة الأطهار الأخيار.

     فأعظِم بالعالِم وأكرِم حين يكون قُدوةً في علمِه وعملِه وسَمته وزُهده وعفَّته وورعِه، وتحرِّي التثبُّت فيما يصدُرُ عنه منقولٍ أو رأيٍ أو فتوَى أو حُكم، مع الترفُّع عن بعضِ المجالِسِ وما قد يكونُ فيها من استِدراجٍ أو تلبيسٍ أو مُلتبِس. وما خاصَمَ ورِعٌ قطُّ، ألا فاتَّقُوا الله -رحمكم الله-، واعلَموا أن عزَّ العالِم بالعلم والتقوى، ومعرفة السُّنن والعمل بها، وتعظيمها، وتعليمها، وفقهِ المسائل وشرحها، والعالِمُ يُؤثِّرُ في الناسِ بقَدر صلاحِه وتقواه، وعبادته وطاعته، وإخلاصِه وخشيتِه، يأخذُ نفسَه بالحقِّ، ويقومُ عليها بالصِّدق، ويغذُوها بالورَع.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك