بعد 630 ضربة جوية للتحالف الغربي- سقوط الرمادي.. أبيض أم أسود؟
بعد حوالي سبعة أشهر من سيطرة تنظيم (الدولة الإسلامية) على الرمادي، قامت القوات العراقية بإعادة السيطرة على المدينة والبدء بإزالة العبوات الناسفة والمتفجرات من شوارع وأبنية كبرى بمحافظة الأنبار غرب بغداد، وقال قائد العمليات الخاصة الثالثة التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب اللواء الركن سامي كاظم العارضي: إن «القوات العراقية أكملت تحرير المجمع الحكومي، ورفعت العلم العراقي فوقه بعد تفكيك مئات العبوات الناسفة وطرد تنظيم داعش منه والسيطرة عليه».
فهل سقوط الرمادي سيكون أبيضاً بمعنى تحقيق مزيد من الإنتصارات على داعش كما صرح بذلك رئيس الوزراء العراقي، أم هو بداية لمرحلة سوداء بمزيد من الصراعات القومية والطائفية خاصة مشروع تحرير الموصل.
ولم تعلن السلطات العراقية الخسائر في صفوف القوى العسكرية والأمنية، لكن مصادر طبية أفادت بأن نحو مئة جندي أصيبوا بجروح وتم نقلهم إلى مستشفيات في بغداد، وفي تصريح له تعهد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي بتحرير بلاده من تنظيم الدولة الإسلامية في العام 2016.
عام الانتصارات
وقال العبادي في خطاب متلفز: «إذا كان عام 2015 عام التحرير، فسيكون عام 2016 عام الانتصار النهائي وعام إنهاء وجود داعش على أرض العراق، وعام الهزيمة الكبرى لداعش».
وشدد العبادي على أن «داعش التي سفكت الدماء، وقطعت الرؤوس وهجّرت المواطنين الأبرياء هي عدوة للإنسانية جمعاء»، داعيا العالم إلى «التوحد وعدم التساهل لحظة واحدة مع الفكر المتطرف؛ لأنه أساس الإرهاب».
ليس نصرًا كبيرًا
قال الجنرال الأميركي المتقاعد، والمحلل العسكري، (باري ماكافري): إنه لا يمكن عدّ تحرير الجيش العراقي لمدينة الرمادي نصرًا كبيرًا؛ لأن قرابة 19 ألف مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية انسحبوا من المدينة، وتركوا 150 انتحاريا في مواجهة القوات العراقية.
وأضاف (ماكافري) في برنامج تبثه قناة (أم أس أن بي سي) الأميركية أن استعادة الرمادي يمثل مع ذلك تطورا ملحوظا للجيش والشرطة العراقيين اللذين يتلقيان الدعم من المليشيات المدعومة من إيران، كما يعكس الجهد الكبير الذي قامت به القوات الجوية الأميركية والمجهود الاستخباراتي المبذول.
عجز الجيش العراقي
ويرى (ماكافري) أنه ليس بمقدور الجيش العراقي توحيد البلاد بالمطلق؛ بسبب غياب الإرادة السياسية ووجود زعماء سياسيين متصارعين، موضحًا أن الإشكالية في العراق أن الأكراد لن يقبلوا بقوات طائفية على أراضيهم، والسنة في الأنبار بدورهم يشعرون بأنهم في حالة حرب مع حكومة طائفية مدعومة من إيران، وأعرب المحلل العسكري عن تأييده لفكرة جو بايدن، نائب الرئيس الأميركي، الذي دعا فيها إلى تقسيم العراق إلى ثلاثة مكونات؛ بسبب استحالة اتفاق المكونات العراقية من السنة والأكراد وغيرهم.

أهمية استراتيجية
وفي هذا السياق أشار المحلل العسكري (عبدالكريم خلف) إلى أن أهمية مدينة الرمادي والأنبار عموما بالنسبة للحكومة العراقية تكمن في موقعها الاستراتيجي والجغرافي المهم، موضحًا أن حدود الأنبار تصل إلى (القائم) التي تعد إحدى أهم مناطق إمداد تنظيم الدولة، وبالتالي السيطرة عليها لقطع الإمدادات عن عناصر التنظيم.
دعم أمريكي
وفي سياق آخر أشار بعض المراقبين أن دخول روسيا على خط المواجهة في المنطقة أحرج أميركا وجعلها تقدم دعما كبيرًا لقوات الجيش والفرقة الذهبية، وعلى امتداد ثلاثة أشهر، في معركة تم محاصرة تنظيم الدولة فيها بإحكام.
من جانبه أكد البيت الأبيض أن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف الدولي ساندوا معركة الرمادي من خلال تنفيذ أكثر من 630 ضربة جوية.
مشاركة الحشد الشعبي
ورغم تضارب الأنباء حول مشاركة الحشد الشعبي في معركة تحرير الرمادي في ظل الموقف الأميركي «المعلن» برفض إقحام تلك الميليشيات في العملية العسكرية، إلا أن تصريحات المسؤولين في الحشد تؤكد مشاركة عناصر تلك القوات في معركة تحرير الرمادي.
تكرار التجربة
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المحلل في مجموعة -صوفان للاستشارات الاستخباراتية-ومقرها الولايات المتحدة- (باتريك سكينر) أنه من المرجح أن يكرر الجيش العراقي تجربة التقدم في الرمادي للتقدم نحو الفلوجة بإسناد جوي أميركي، للحد من حركة تنظيم الدولة في المناطق السكنية.
انتصار حذر
بعد هذا الانتصار فإنه من غير المنطقي المسارعة إلى عًدِّ خروج عناصر تنظيم الدولة من الرمادي نصرًا مؤزرًا، وأنه سيكون بالضرورة فاتحة للقضاء الكامل على هذا التنظيم؛ فلا يمكن تجاهل مجموعة من المعطيات التي من شأنها أن تجعل فرح العراقيين بهذا الانتصار المؤقت فرحًا حذرًا أو مؤجلا إلى حين، وهذا الكلام صدر من أناس من داخل السلطة العراقية نفسها، فعلى سبيل المثال صرح (هوشيار زيباري) وزير المالية قائلاً: إن الأهم الآن هو تأمين الرمادي؛ لأن تنظيم الدولة الإسلامية يستطيع شن هجوم مضاد، فضلا عن ضرورة بذل الحكومة المزيد من الجهد لإعادة بناء المدينة وتشجيع النازحين على العودة.
أشواط معقدة
الأمر الآخر هو أن تحرير الرمادي والمضي نحو غيرها وصولاً إلى عراق خال من (الدولة الإسلامية) أمامه أشواط معقدة على ما يبدو؛ فالمتحدث باسم التحالف العسكري الدولي ضد هذا التنظيم (ستيف وارن) يقول: إنه: «لايزال هناك الكثير من العمل، وقبل الوصول إلى الموصل علينا أن نتجه شمالا لتحرير وادي نهر الفرات، وتحرير المنطقة حول بيجي، وهذا سيأخذ وقتا»، كما أنه «علينا أن ننهي التدريبات لبقية الجيش العراقي وإعادة تكوين وتحديث الجيش الذي كان يحارب بالرمادي». كل هذا دونما إشارة إلى الجوانب السياسية في العراق وهي لب المشكلة قبل أي حديث عن المسائل العسكرية على أهميتها الضاغطة.
- أخيرًا: فإن كسب المعركة ضد (داعش) نهائيًا، برغم أهميته وعلى فرض حصوله، إلا أنه أمر شديد الصعوبة مع بقاء قضايا مصيرية عالقة، في ظل تعثر الحكومة في تأمين العراق والقضاء على الصيحات الطائفية هناك وارتباطهما بدول إقليمية؛ أثبتت الأيام أنها جزء كبير من المشكلة والصراع الدائر فيها.
لاتوجد تعليقات