بعد فوز مرشح المعارضة.. الإنتخابات النيجيرية – هل تؤسس مرحلة جديدة للاستقرار والتنمية؟
أظهرت الانتخابات النيجيرية الأخيرة استقطابا حادا بين المعارضة والحزب الحاكم الذي حكم البلاد منذ عام 1999م، وقد حظيت الانتخابات هذه المرة باهتمام عالمي واسع ومراقبة دولية؛ مما قلل فرصة التلاعب التي كانت المعارضة تشتكي منه في الأعوام السابقة، وقد أكدت المنظمات الدولية نزاهتها هذه المرة، وقد تمكن مرشح المعارضة محمد بخاري من الفوز المستحق على غريمه (غودلاك جوناثان) الرئيس المنتهية ولايته.
وتعد نيجيريا من أكثر البلدان الأفريقية تعدادا للسكان ورغم ما تتمتع به من ثروات إلا أنها ما تزال في سلم أفقر الدول؛ حيث إنها تعاني مشكلات تنموية عديدة، أبرزها ضعف مؤشر التنمية البشرية الذي تصنف فيه بالمرتبة 152 عالميا؛ حيث أن 90% من السكان فقراء لا يتجاوز دخلهم اليومي دولارين، ويعانون نقصاً في الخدمات الطبية، فضلا عن ارتفاع نسبة الأمية لدى الكبار (60%)، كما تصل نسبة البطالة حوالي 7.51%، ومرت البلاد في فترة من عدم الاستقرار السياسي حدث فيها العديد من الانقلابات العسكرية وانتخابات غير نزيهة، وكان آخرها في عام 2011.
وتعد هذه الانتخابات أول انتخابات يشهد لها العالم بالنزاهة، وقد اعترف الرئيس المنتهية ولايته (غودلاك جوناثان) بالهزيمة؛ مما قلل من فرص حدوث مصادمات دموية بين المواطنين، وهذه هي المرة الأولى في تاريخ نيجيريا التي يتولى حزب معارض مقاليد الحكم من الحزب الحاكم، بينما يعد هذا مؤشرا إيجابيا على نضج التجربة الديمقراطية الناشئة.
فاز محمد بخاري، بفارق 2,57 مليون صوت على الرئيس المنتهية ولايته (غودلاك جوناثان)، وفق النتائج الرسمية التي أُعلنت، وأوضحت المفوضية الوطنية المستقلة للانتخابات أن بخاري (72 عاماً) الذي ينتمي لحزب المؤتمر التقدمي نال بنسبة 53.95%، في حين حصل (جوناثان) مرشح الحزب الديمقراطي الشعبي على 44.96% من إجمالي أصوات الناخبين، وأكدت التقارير أن محمد بخاري فاز في 21 ولاية من أصل 36 في البلاد، وخصوصاً في ولاية (بورنو) (شمال شرق) التي تعد معقل حركة (بوكو حرام) الإسلامية التي ترتكب أعمال العنف والإرهاب، وعد هذا الفوز من قبل بعض المراقبين أن يكون سحب للبساط من تحت هذه الحركة وتأكيدا على عدم تمتعها بأي تأييد من قبل غالبية المسلمين في هذه المناطق، وأطلق محمد بخاري وعدا بإنهاء وجود حركة بوكو حرام في غضون أشهر في حال انتخابه، بعد أن نجا من محاولة اغتيال استهدفت موكبه في (كادونا) خلال يوليو الماضي، ويتوقع أن يحظى باحترام الجيش النيجيري؛ بسبب خلفيته العسكرية، ولاسيما وأن الجيش يشعر بإحباط شديد من الهزائم المتكررة التي مني بها في السنة الأخيرة من قبل هجمات تنظيم بوكوحرام الإرهابي.
وتشير التقارير بأن بخاري يحظى بشعبية كبيرة في الشمال ذي الغالبية المسلمة؛ بينما كانت شعبيته أقل في مناطق المسيحيين الذين يساورهم الخوف من صرامته العسكرية وانتمائه الديني، علما بأن الانطباع السائد عنه لدى كثير من المراقبين أنه من أنظف ساسة نيجيريا وجنرالاتها، وقد أعلن في فترة حكمه سياسة محاربة الفساد، وتعهد بخاري قبل بدء سباق الانتخابات الرئاسية بمعالجة أكبر ثلاث مشكلات تواجه البلاد، وهي انعدام الأمن والفساد والتفاوت الاقتصادي؛ حيث قال أمام آلاف من أنصارة: «حدد حزب (كونغرس كل التقدميين) ثلاث مشكلات رئيسية.. الأولى انعدام الأمن؛ والثانية: التفاوت في الاقتصاد والثالثة الرشوة والفساد».
وعليه فإن الرئيس الجديد يتوقع أن يحقق بعضا من الآمال التي علقها عليه الشعب النيجيري للقضاء على أكبر مشكلتين تواجه البلاد، وهما الإرهاب، والفساد، وإذا تمكن من حل هاتين المشكلتين فإن مستقبل نيجيريا ولاسيما المسلمين يتحسن أكثر؛ حيث إن تقليل الفساد والقضاء على الإرهاب الذي تمثله جماعة (بوكوحرام)والجماعات النصرانية الانفصالية، يتوقع أن تتحسن الحالة الاقتصادية للبلاد؛ لأن نيجيريا تتمتع بالعديد من الموارد الاقتصادية التي تؤهلها بأن تكون عملاقا اقتصاديا في أفريقيا إذا تم استخدام هذه الموارد بالطريقة الصحيحة وتم قطع دابر الفساد، ومن هذا المنطلق فإن المسلمين الذين يمثلون الأغلبية في هذا البلد يكونون أكبر المستفيدين من هذه التمنية المرهونة بالاستقرار السياسي المتوقع بعد فوز مرشح المعارضة وقبول غريمه السياسية، التي يتوقع أن تمهد إلى مرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
قبيلة (الهوسا)
وتوجد قبيلة الهوسا التي ينتمي إليها الرئيس الجديد في شمال نيجيريا وتحد مع جمهورية النيجر شمالا، وتمتد إلى منطقة (جوس بلاتو) وسط نيجيريا جنوبا، ومن بحيرة تشاد شرقا إلى مدينة (جني) بجمهورية مالي غربا، و(الهوسا) تعد من أكبر التجمعات العرقية النيجيرية؛ إذ تبلغ نسبتهم حسب بعض التقديرات ربع سكان نيجيريا، ويمارس أغلبية سكانها الزراعة ومن أبرز مدن القبيلة مدينة (كانو) وهي مركز للإشعاع الإسلامي والثقافة العربية، وكذلك سوكوتو وكادونا وكاتسنا.
من هو محمد بخاري؟
ولد محمد بخاري بولاية (كاتسينا عام 1942، وهو مسلم ينحدر من مناطق الشمال النيجيري، من قبيلة (الهوسا) .
التحق محمد بخاري بالسلك العسكري مبكرا، وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى رتبة جنرال، ودخل السياسة من البوابة العسكرية مثل كثير من قادة نيجيريا التي اشتهرت بكثرة الانقلابات العسكرية فيها، وتولى الحكم في نيجيريا في الأول من يناير 1984 بعد انقلابه على (شيخو شجاري) أول حاكم مدني للبلاد، واستمر في الحكم عشرين شهرا قبل أن ينقلب عليه قائد الجيش في وقتها (إبراهيم بابانجيدا) ليضع حدا لنظامه في أغسطس1985، ويحيله إلى الإقامة الجبرية.
من هم (بوكــو حـرام)
جماعة إسلامية نيجيرية تعني بلهجة قبائل الهوسا (التعليم الغربي حرام)، تنشط في شمال نيجيريا، تزعم بسعيها لتطبيق الشريعة الإسلامية، وتستخدم العنف والإرهاب لبلوغ مآربها، وهي حركة محظورة رسميا.
تأسست الجماعة عام 2002 في ولاية بورنو بشمال نيجيريا بزعامة محمد يوسف، لكن الوجود الفعلي للحركة بدأ خلال عام 2004 بعد أن انتقلت إلى ولاية يوبي على الحدود مع النيجر؛ حيث بدأت عملياتها ضد المؤسسات الأمنية والمدنية النيجيرية، وتسعى الحركة التي يطلق عليها أيضا اسم (طالبان نيجيريا) إلى منع التعليم الغربي والثقافة الغربية عموما التي ترى أنها «إفساد للمعتقدات الإسلامية», وإلى تطبيق الشريعة الإسلامية بمجمل الأراضي النيجيرية بما فيها ولايات الجنوب ذات الأغلبية المسيحية، وتتكون الحركة أساسا من الطلبة الذين غادروا مقاعد الدراسة بسبب رفضهم المناهج التربوية الغربية فضلا عن بعض الناشطين من خارج البلاد على غرار بعض المنتسبين التشاديين.
دخول الإسلام إلى نيجيريا
يرجع تاريخ الإسلام في نيجيريا إلى تاريخ دخول الإسلام إلى السودان الغربي أواخر القرن الأول الهجري، الذي تم فيه فتح شمال إفريقيا، وجزء كبير من غربها على يد القائد العظيم-فاتح إفريقيا- عقبة بن نافع الفهري، ولقد دخل الإسلام في شمال أفريقيا على إثر دخوله القطر المصري ضمن فتوحات أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) الذي عيّن أحد الصحابة (عمرو بن العاص) على مصر والشام ثمّ عيّن (عمرو) بدوره (عقبة بن نافع الفهري) لفتح شمال أفريقيا، فسار (عقبة) إلى أطراف المغرب فدخل عاصمة غانا العليا القديمة (أوداغشت) فكان بذلك دخول الإسلام إلى غرب أفريقيا.
كذلك ساهم البربر في شمال إفريقيا ولاسيما التجار منهم في بدء الدعوة إلى الإسلام في الجنوب الغربي، وكان الأمر في أوله محدودا وفي نطاق ضيق، ثم ما لبث أن اتسع وانتشر حتى استطاع أهل بلاد السودان الغربي أن يقيموا حكومات إسلامية على أنقاض الممالك الوثنية، ومع استمرار رحلات الحج كان أهل العلم والدعوة النيجيريين يستفيدون من علماء المسلمين إذا التقوا بهم في مواسم الحج، وبعضهم يجاور في الحجاز سنوات يدرسون على علماء الحرمين ثم ينقلون العلم إلى بلادهم، وبسبب ذلك نشأت في نيجيريا حركات دعوية إصلاحية تستهدف تفعيل الدعوة، ونشر العلم، ورفع الجهل، وإزالة مظاهر الشرك والبدعة، حتى ألف علماؤهم كتباً في إحياء السنة وإخماد البدعة، ومع الصبر واليقين والتقوى آتت هذه الدعوات المباركة ثمارها، فصلح بها حكام الأقاليم، وشيوخ القبائل، وسادة العشائر، فدانوا بالإسلام عن قناعة.
وفي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر قام «شيخو عثمان دان فوديو» وأسرته ورفاقه بتأسيس طريقة عملية متكاملة للجهاد عبر التربية الإسلامية وجمع الزكاة للإنفاق على الفقراء والمحتاجين خلال الفترة من (1804م-1817م) ومنذ أن توفي (شيخو عثمان) في 1817م تكونت إمبراطورية إسلامية في الولايات الشمالية من نيجيريا وظلت سائدة حتى نهاية القرن التاسع عشر.
لاتوجد تعليقات