بعد سقوط أول رئيس إسلامي-هل تنجح محاولات علمنة الدولة المصرية؟
في استطلاع للرأي أجراه معهد (جالوب) الأمريكي عن المجتمعات التي يحتل فيها الدين مكانة كبيرة في نفوس أفراده تصدرت مصر القائمة التي شملت 143 دولة من مختلف أنحاء العالم، بواقع مشاركة 1000 شخص من كل دولة في هذا الاستطلاع، في الفترة بين عامي 2006 و2008؛ حيث أوضحت النتائج أن 100% من المصريين الذين شملهم الاستطلاع يمثل الدين لديهم أهمية كبيرة في حياتهم، مقارنة بنسبة 52٪ في فرنسا، 54٪ في كندا، و24٪ في سويسرا.
وأثار هذا التقرير ردود فعل واسعة لدى المراقبين والمهتمين بالساحة المصرية، ولا سيما أصحاب التوجهات الليبرالية والعلمانية، وبدؤوا في دراسة هذه الظاهرة التي بدت مقلقة لهم، وقد أعرب أكثر من واحد منهم عن ضرورة مواجهة هذا المد الذي وصفوه بالتغريبي، وشنوا حملة تحريضية خبيثة لأجل ذلك، بدأت هذه الحملة قبل الثورة بسنوات، ولا سيما مع انتشار الفضائيات الإسلامية، وظهور أثرها الكبير على الشارع المصري، وكانت الحملة في هذا الوقت تقتصر فقط على خطاب إعلامي، كل ما يملكه هو تشويه صورة الإسلاميين والتقليل من شأنهم، والتحريض عليهم في وسائل الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة.
ثم تطور الأمر تدريجيًا بعد الثورة، إلى أن وصل في الآونة الأخيرة إلى ذروته تزامنًا مع الحملة على حكم الإخوان المسلمين وإسقاط الرئيس مرسي؛ حيث تجاوزت هذه الحملة مرحلة الخطاب اللفظي أو الإعلامي، إلى الاعتداء الجسدي الذي وصل في أحيان كثيرة إلى القتل والترويع والتهديد للهوية الإسلامية، فلا يستطيع رجل ملتح أو امرأة منتقبة السير بأمان في أي شارع من شوارع مصر الآن، لدرجة أن الكثيرين بدؤوا يتساءلون عن جواز حلق اللحية خوفًا من هذا الاضطهاد والاستهداف الممنهج، وهو ما لم تشهده مصر منذ عهد الستينيات عهد جمال عبد الناصر؛ والشواهد على ذلك كثيرة لا يتسع المجال لذكرها.
الوجه الدموي للعلمانية المصرية
كشف مقطع لندوة بثت على الهواء مباشرة في قناة (إنجيلية) إخبارية مصرية (ONTV) لرموز علمانية مساهمة بشكل ما في صياغة التعديلات الدستورية، أو ذات شأن في توجيه دفة تلك التعديلات عن الوجه الدموي السافر للعلمانيين المصريين، وكشف اللقاء عن تطلع واضح إلى علمنة مصر على الطريقة الكمالية الأتاتوركية، فأكثر من طرف أثبت طموحه في دستور علماني صريح، كشف عن ذلك أحد الرموز وهو د.حلمي النمنم في تحديد ملامح المجتمع والدولة المصرية باختصار في عبارة أن: ( المجتمع المصري علماني بالفطرة)، كما دعا فيه إلى تحرر مصر من الفكر الإسلامي، قائلاً: «إن مصر علمانية وستظل علمانية، وعلينا أن نستغل الفرصة التي قد لا يأتي مثلها، من أجل القضاء تمامًا على الإسلام السياسي، وهذا الأمر سيكلفنا دماء كثيرة، ولكن لا يهم في سبيل الدولة المدنية العلمانية».
على أن هذا التصريح لم يكن بدعًا ولا شططًا، لا من الحضور ولا مما سبقه من تسريبات واضحة لما سيكون عليه دستور مصر إذا قدر للأوضاع فيها أن تستقر على الوضع السلطوي الذي تعيشه مصر؛ فالتعديلات المطلوبة وفقًا لصحيفة تعبر عن جبهة الإنقاذ العلمانية المتطرفة حليفة العسكر، هي صحيفة (اليوم السابع)، ونقلاً عن مصدر بلجنة تعديل الدستور، حالياً تتمحور حول ما يلي:
المادة الرابعة، والخاصة بدور الأزهر في إبداء رأيه حول القوانين المخالفة للشريعة، وعدِّ ذلك نوعا من (ولاية الفقيه)!
المادة العاشرة، نصًا- تقول: «الأسرة أساس المجتمع، قوامها الدين والأخلاق والوطنية، وتحرص الدولة والمجتمع على الالتزام بالطابع الأصيل للأسرة المصرية، وعلى تماسكها واستقرارها، وترسيخ قيمها الأخلاقية وحمايتها؛ وذلك على النحو الذي ينظمه القانون». فالعلمانيون يعدونها تكئة لتدخل جماعات الأمر بالمعروف (غير الموجودة أصلاً) في تحقيق أخلاق الأسرة!
المادة الحادية عشرة، تنص على الأخلاق، تعدها اللجنة المعدلة للدستور تعدياً على «الحريات الشخصية والعامة».
المادة الثالثة والأربعين، وتضع حدا لاحترام الأديان يخص «السماوية» منها فقط، والمبطلون يريدونها أن تتعدى إلى أي عقيدة كالبهائية ونحوها.
المادة الرابعة والأربعين، وتحظر الإساءة إلى الأنبياء، فيعدونها غامضة قد تؤدي إلى التعدي على الحريات.
وهكذا؛ فإن ما رشح من هذه الجريمة يكشف بوضوح عن نية مبيتة نحو (علمنة مصر) بشكل فاضح، والأدهى أنه قد تم عرضه بلا مواراة، وعلى نحو يبين الهدف المرحلي المراد للمجتمع المصري خلال السنوات القليلة المقبلة.
ويذكر جمال جصاني -وهو كاتب علماني- في مقال له: «إن الصراع الحالي في مصر والذي وصل إلى مرحلة المواجهة الحادة والمباشرة بين المعسكرين، بعد خلع الرئيس محمد مرسي عن سدة الرئاسة من خلال المؤسسة الأكثر تنظيمًا ونفوذًا في الدولة (الجيش)، يؤشر على أن عجلة العلمنة الحقيقية في المنطقة قد بدأت بالدوران، وليس كما يشيع الإسلاميون من أنهم جاؤوا كبديل للتجارب (العلمانية) المستبدة والفاشلة التي حكمت المنطقة في العقود الخمسة الأخيرة، ثم يستطرد قائلاً: ما يجب أن نتوقف عنده كثيرًا ومرارًا هو أن مشوار العلمنة الحقيقة والجدية قد انطلق الآن، وما عُنْف الصدامات والنزاعات التي تشهدها (أم الدنيا) وباقي بلدان المنطقة إلا علامات لا تقبل التأويل على ذلك الماراثون الذي تأخر كثيرًا عن هذه البلدان التي أهدرت الكثير من الوقت والإمكانات في الهرولة خلف الفزاعات الخائبة».
الاصطياد في الماء العكر
من هنا فإن العلمانيين -في مصر الآن- يريدون أن يسرعوا من وتيرة فرض أجندتهم على المصريين بالإقصاء الشامل والدموي للفكرة الإسلامية وأنصارها المنادين بتطبيقها؛ استغلالاً للظرف الاجتماعي والسياسي القائم، وباستخدام أدوات القوة المتاحة كلها من غطاء عسكري، وقبول غربي، وحكومة تم تشكيلها من غلاة العلمانيين الذين يتصادمون مع الدين نفسه وليس مع أفكار الداعين لتطبيقه، وباستخدام آلة إعلامية جهنمية استطاعت أن تؤثر فعلاً على عقول كثير من المصريين، عبر أدوات الإقناع والإبهار وترويج الأكاذيب والشائعات والشبهات حول الفكرة الإسلامية والهوية والمرجعية الإسلامية، ومن يتابع البرامج الإعلامية المذاعة في مصر هذه الأيام يكتشف حجم الدجل والتزييف المقدم باسم الإسلام؛ بحيث وصل إلى درجة لا تكاد تصدق من التحريف لدين الإسلام، والأخطر من ذلك ما تقوم به هذه الوسائل الإعلامية من حملات تحريض عنيفة ضد أنصار التيار الإسلامي، وصل إلى درجة استهداف المتدينين على الهوية - كما ذكرنا - مثلما يحدث في أعتم فترات الاضطهاد الديني في أوروبا، وانتهكت الجوامع، وأحرقت المساجد، في مشاهد لم تعرفها البشرية المعاصرة إلا في الدول الشيوعية، مثل: الاتحاد السوفيتي والصين والصرب، وذلك كله من نتاج وآثار مخططات ومؤامرات العلمانية المتوحشة التي يراد لها أن تحل بديلاً عن الهوية الإسلامية الأصلية للمصريين.
مصر بلد متدين بطبعه
وفي ردود الفعل على هذه التصريحات والتوجهات قال الدكتور شوقي علام -مفتي الديار المصرية-: إن مصر بلد متدين بطبعه، وإن جموع المصريين اختاروا أن يكون للدين دور في الشأن العام، ولكن ذلك ينبغي ألا يكون مصدر قلق أو تخوف بالنسبة للمصريين أو العالم الخارجي؛ لارتباط تراث مصر الديني تاريخيًا بالتسامح واحترام التعددية الدينية.
وأضاف، قائلاً: إن إسلامية الدولة هي قضية هوية، ولا تقلل أبدًا من طبيعة الدولة الحديثة التي تكفل حقوق مواطنيها، أمام القانون، بغض النظر عن دينهم أو عقيدتهم.
وتابع، إن حقوق الأقباط في مصر مصونة، ويجب أن تظل كذلك، ولهم الحق الكامل في المشاركة على مستوياتها جميعها، وينبغي على الجميع احترام التنوع والتعددية التي أصبحت من خصائص مصر في عهدها الجديد.
وشدَّدَّ المفتي على أن مصر دولة محورية في المنطقة، وفي العالم أجمع، وذلك لما تمثله من قيمة حضارية إنسانية كبرى، وأشار إلى أن مصر تمر بمرحلة فارقة من تاريخها الوطني تحتاج من مواطنيها جميعاً إلى التوحد، ومراجعة النفس حتى تكون انطلاقة بلادهم على أسس صحيحة وسليمة.
وأكد علام أن مصر ستعبر تحديات المرحلة بالأمل والعمل، وعدم الإقصاء وتفعيل القانون على الجميع؛ لأن مصر لها تجربة فريدة استطاعت من خلالها الوصول إلى نموذج عملي للدولة الحديثة التي لها مرجعية إسلامية، ودعا العالم الغربي إلى دراسة هذه التجربة الفريدة للوصول إلى فهم عميق للبنية الثقافية والدينية والحضارية للشعب المصري.
من جانبه حذّر الشيخ محمد حسان مَنْ «يريدون تغيير هوية مصر الإسلامية»، قائلاً: « يا من تريدون لمصر أن تبتعد عن دينها، اعلموا أن الحرب لو أُعلنت على هوية مصر الإسلامية، فإن الشعب المصري سيخرج كله للدفاع عن الهوية الإسلامية، وسأكون أول المضحين بنفسي من أجل الإسلام، وبئست الحياة إذا تتطاول الأقزام على ديننا».
وأضاف (حسان): إن «مصر كانت وستظل صخرة تتحطم عليها كل رماح الباطل، ولن تُهزم أبدًا، فهي التي تحطمت فيها الحملات الصليبية والتتار، وتحطم فيها كل أعداء الدين». كما طالب الشيخ محمد حسان -عضو مجلس شورى العلماء- شباب مصر بأن ينصروا الدين والوطن بحكمة بلا عنف أو تخريب أو قتل أو دماء، وعدم تخوين الأخ في الوطن، مؤكدًا أنه يعلم أن شباب مصر وشعبها لا يستخدمون العنف.
وقال (حسان)، إن التيار الإسلامي خسر كثيرًا على مدار العامين الماضيين حينما لم يقدم الخُلق الإسلامي النبيل والكلمة الراشدة والسلوك العذب.
خلاصة الأمر: فإن الواقع الذي لا يستطيع أحد أن ينكره، أن مصر اليوم تشهد فصلاً جديدًا من فصول الصراع على الهوية والخصوصية، بين من يريد الحفاظ على النسخة الأصلية للهوية المصرية بمكوناتها الأصلية من الإسلام والعروبة والتاريخ والحضارة، وبين من يريد تسويق هوية جديدة وبديلة ومستوردة، وهي الهوية العلمانية؛ اعتمادًا على أن الدولة المصرية كانت عبر سنوات طويلة ذات توجهات علمانية واضحة، ولكنها لم تكن يومًا علمانية بمثل هذا القبح والضراوة كما حدث خلال الأيام القليلة الماضية.
ولكن لابد أن ندرك أنه مهما تسلطت النخب الثقافية والسياسية والإعلامية على عقول المصريين، فإنها لن تستطيع أن تفرض عليهم نهجًا ونمطًا للحياة مغايرًا لما يعتقده المصريون ودرجوا عليه عبر مئات السنين، وأن المكاسب الوقتية التي حققتها العلمانية في العالم الإسلامي هي في حقيقتها جاءت عبر القهر والاستبداد، وامتلاك أدوات القوة في فرض السيطرة وإملاء الأفكار وقسر الناس عليها قسرًا، فعلى الرغم من أن حكومات المنطقة العربية والإسلامية ظلت لعشرات السنين حكومات علمانية موالية للمنهج الغربي، إلا إن المجتمعات والشعوب ظلت طوال هذه الفترات محتفظة بهويتها الإسلامية والعربية وصامدة بقوة أمام تيارات التغريب، لذلك كانت كلمات (النمنم) التي تقطر حقدًا من ضرورة سفك المزيد من الدماء من أجل فرض هذه الهوية العلمانية تحت مسمى الديمقراطية والدولة المدنية، كأن الديمقراطية وخيارات الشعوب ومكتسباتها السياسية لم تدهس تحت دبابات العسكر، {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يوسف: 21.
لاتوجد تعليقات