رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: وائل رمضان 28 مايو، 2013 0 تعليق

بعد رفضه أكثر من مرة .. لماذا الإصرار على إقرار قانون نقــابة الدعاة في مصر

 

الدعوة إلى الله تعالى على بصيرة وهدى، ضرورة من ضرورات هذه الحياة، لا تقل أهمية عن حاجة الإنسان إلى الطعام والشراب، بل هي من أعظم الضرورات على الإطلاق والعموم؛ إذ تتوقف عليها سعادة البشرية، ونيل مكانتها، كذلك فإن نشر العلم الشرعي، والتفقه في الدين، وكثرة العلماء الراسخين المجتهدين الصادقين، والعناية بذلك وتوسيع دائرته، شرط لاستعادة الأمة لخيريتها، وتجاوزها لمحنتها، والحفاظ على أصالتها، وقد عانت الأمة كثيرًا من التضييق على الدعوة والدعاة في ظل الأنظمة الديكتاتورية التي عدتهم خطراً عليها، فقامت بالزج بهم في غياهب السجون، والنيل منهم، ومنعهم من تبليغ رسالة ربهم.

     وبعد أن زالت تلك الأنظمة، تنفس العلماء الصعداء، وفتحت أمامهم الآفاق، فانطلقوا يدعون إلى الله عز وجل في كل مكان، بالحكمة والموعظة الحسنة؛ إلا أن بعضهم أبى إلا أن يعكر صفو هذه الحرية، فسعى للتضييق عليهم، من خلال إصدار قانون ينظم عملهم، وهو في الأصل يوقف مسيرتهم، أسموه (قانون نقابة الدعاة)، فلمصلحة من الإلحاح في إصدار مثل هذا القانون، الذي يكمم أفواه الدعاة؟ ونحن في دولة يرأسها رئيس إسلامي، الأصل فيها رعاية العلماء وتكريمهم، وليس التضييق عليهم. 

قصة القانون

     مشروع قانون (نقابة الدعاة) تبناه الدكتور «جمال عبد الستار» أحد كوادر جماعة الإخوان المسلمين، والمدرس بكلية الدعوة جامعة الأزهر، الذي عُيِّن مؤخرًا وكيلاً لوزير الأوقاف؛ حيث عقد في شهر مارس 2012م مؤتمرًا في مسجد الفتح الإسلامي، أعلن فيه عن تدشين (نقابة الدعاة)، وأعلن وقتها أنها أصبحت قائمة بالفعل، ولكن تنتظر فقط قانونًا ينظمها، ووعد أن القانون سيخرج من مجلس الشعب -وقتها- خلال أيام معدودة، مما مَثَّل مفاجأة للمتابعين لأحوال البرلمان؛ لأنهم لم يسمعوا عن هذا القانون مِن قبْل! فاندفع الناس يبحثون عن ذلك القانون، فوجدوا أنه مقترح قانون أمام لجنة الشؤون الدينية التي كان يرأسها الشيخ «السيد عسكر»، أحد كوادر الجماعة أيضًا.

قانون لتأميم وظيفة الدعوة

     وبعد أن ظهرت الأفكار الأولية لهذا القانون، واتضح أنه قانون لـتأميم وظيفة الدعوة إلى الله تعالى، قام كثير من الدعاة - الذين يمارسون الدعوة حقيقة، ولم يتخذوها مهنة- بانتقاد ذلك القانون، منهم: الشيخ «مصطفى العدوي» - حفظه الله- الذي سماه تكميمًا لأفواه الدعاة، وقال: «إن هذا القانون لم يفعله نظام مبارك، ولم يفعله أمن الدولة!».

     وكادت أن تحدث ردة فعل من شيوخ كثر؛ إلا أن صدور قرار حل مجلس الشعب، أغلق هذا الباب إغلاقًا، ظنه البعض نهائيًّا، ولكن صاحِب المشروع ما زال مصرًّا عليه!

عودة القانون بطريقة مريبة

     وبعد أن تولى «مجلس الشورى» مسؤولية التشريع المؤقتة، فوجئ أعضاء المجلس بـ(مشروع قانون نقابة الدعاة) يتم تداوله، بطريقة غريبة في لجان مجلس الشورى دون أن يعلن أحد أنه هو مَن قدمه إلى المجلس! والجديد في هذه المرة: أن مسودة القانون قد وُزعت على الأعضاء باسم الدكتور «جمال عبد الستار»، وعدد آخر من الأسماء، ودون ذكر أي توقيعات، أو مخاطبات باسم أحد في مجلس الشورى!

المآخذ على مشروع القانون

يؤكد الشيخ عبد المنعم الشحات المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية أن هذا القانون قانون مشبوه لأسباب عدة أهمها:

- أولاً: القانون أشبه بـ(قانون تنظيم الدعوة) منه بقوانين النقابات:

     فالقانون يتستر تحت عنوان (نقابة)، بينما هو قانون متكامل لتنظيم عمل الدعوة، وقانون بهذا الشأن لا يجوز أن يمر تحت شعار: «حرية الأفراد في تكوين النقابات»؛ لأنه في واقع الأمر منع لحرية الآخرين من ممارسة الدعوة إلا من خلال هذه المجموعة، وإذا أخذنا في الاعتبار أن قصر الاشتغال ببعض المهن على أعضاء نقابات معينة استخدمه القانون في أضيق حد؛ ففي الصحف لا تُشترط عضوية نقابة الصحفيين إلا في بعض الوظائف، كما أن عددًا كبيرًا من المهن لا تشترط لممارستها عضوية أي نقابة، وأن المهن التي يشترط لها ذلك هي مهن عملية، لها نقابات عريقة وموحدة، وهناك إجماع من أرباب المهنة عليها - علمنا حجم التعدي في ذلك القانون!

- ثانياً: القانون انحرف عن تكييف الدعوة فجعلها مهنة:

     القانون يتعامل مع نقابات عمالية، ويمكن بهذا الاعتبار أن توجد نقابة العاملين بالأوقاف -مثلاً-، أو نقابات مهنية، ويمكن بهذا الاعتبار أن توجد نقابة مهنية لمن يمتهنون مهنة الإمامة، أو الوعظ، أو إقامة الشعائر، وأما الدعوة فأمر أعم من ذلك كله.

     وقد رأينا أن القانون المصري عندما تعامل مع (الكُتَّاب) أنشأ لهم اتحادًا، «وليس نقابة»؛ لأن توصيف ذلك التجمع لا ينطبق عليه وصف النقابة العمالية، ولا النقابة المهنية، وبالطبع لم يكن عند واضع قانون اتحاد الكتاب هذه «الشهوة التسلطية»، فلم يحظر الكتابة على مَن لم ينضم لعضويتهم.

- رابعًا: القانون يحجر واسعًا في الجانب الشرعي:

     وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (رواه البخاري)، ويقول: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَاسْتَطَاعَ أَنْ يُغَيِّرَهُ بِيَدِهِ فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» (رواه مسلم)، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: «لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» (رواه مسلم).

     وأما ادعاء وجود أخطاء من بعض الدعاة فهي متصورة ممن يحمل شهادات شرعية وأزهرية مثل غيرهم؛ وهل خرجت فتاوى إرضاع المرأة لزميلها في العمل، وفتاوى حل البيرة إلا من أناس يحملون الشهادات الأزهرية؟

- ثالثاً: القانون به قصور نظر بالغ كنظائره من القوانين.

- رابعاً: بعض مواد القانون ديكتاتورية:

     القانون يجعل من هذه النقابة الوليدة (ديكتاتورًا) يمتلك من الصلاحيات التقديرية ما لا يملكه الرئيس شخصيًّا، فعلى الرغم من أن القانون يعد خريجي الأزهر هم الدعاة الحقيقيون، وأن غيرهم غايته أن يمنح تصريحًا بالقطعة، ومع هذا فحتى هؤلاء الأزهريون من حق النقيب «الدكتور جمال عبد الستار -مؤقتًا-» أن يردهم دون إبداء الأسباب، ولو كانوا من شيوخه، أو شيوخ شيوخه!

المادة (7) قاصمة الظهر

     المادة (7) من القانون سوف تجعل النقابة من نفسها سلطة فوق كل السلطات بحيث لا تستطيع أي جهة خاصة ولا عامة أن توظف أحدًا في وظيفة شرعية أو شبه شرعية دون أن يمر عليها لينال عضويتها.

فتقول المادة المذكورة -المادة: (7)-:

لا يجوز لغير عضو النقابة القيام بما يأتي:

1- أعمال الخطابة الوعظية، أو الدروس الوعظية بالمساجد، أو عبر وسائل الإعلام المسموعة، أو المرئية، أو المقروءة، والإنترنت، وغيرها من الهيئات والجهات والوسائل.

2- تدريس علوم الشريعة الإسلامية بالمساجد، أو عبر وسائل الإعلام المسموعة، أو المرئية، أو المقروءة، والإنترنت، وغيرها من الهيئات والجهات والوسائل.

3- ممارسة الإفتاء في أحكام الشريعة الإسلامية من خلال لجان الفتوى التابعة لدار الإفتاء المصرية، أو الأزهر الشريف، أو بالمساجد، أو عبر وسائل الإعلام المسموعة، أو المرئية، أو المقروءة، والإنترنت، وغيرها من الهيئات والجهات والوسائل.

     ولا يجوز لوزارات الدولة، ومصالحها، وهيئاتها، وأجهزتها، وإداراتها، والهيئات، والمؤسسات والجهات العامة والخاصة، والجمعيات، والأفراد، أن تُعيِّن في وظائف الدعاة، أو أن تعهد بالأعمال، أو المهام الدعوية إلا للأشخاص المقيدة أسماؤهم في جدول النقابة.

     ويُستثنى من ذلك أساتذة الجامعات، والكليات، والمعاهد، والمراكز العلمية، ومن عُيِّن بصفة دائمة قبل إصدار هذا القانون في الوظائف التي تقتضي القيام بالمهام المشار إليها في هذه المادة، ويجب على هؤلاء التقدم بمستندات تعيينهم للجنة القيد بالنقابة؛ لتسجيل أسمائهم بجدول النقابة.

     وأما غير الأزهريين «وإن كانوا دعاة متى تكلموا أصغت لهم الدنيا بأسرها» كالشيخ: «الحويني» والشيخ «مصطفى العدوي»، والشيخ «محمد حسان» و... و... إلخ، فعليهم أن يمثلوا أمام النقابة لامتحان يتكرر سنويًّا؛ ليمنح بموجبه الممتحَِن لقب داعية مؤقت -»في النقابة عشر درجات للدعاة، تبدأ من داعية وتنتهي بالعالم، ولكن غير الأزهري ليس له إلا تلك الدرجة وهي مؤقتة كما ذكرنا!»- تسحب منه فور انتهاء العام، ما لم يخضع للامتحان ثانية، ومن الممكن سحبها خلال العام أيضًا كما تنص على ذلك المادة (8)! وفي القانون غير ذلك... من «المضحكات المبكيات» التي تستلزم ممَن وضعه أن يسحبه «وإلى الأبد».

تدخل فيما لا يعنيها

     من جانبه علق الشيخ سلامة عبد القوي مستشار وزير الأوقاف على الدعوة السلفية بقوله «تدخل في ما لا يعنيها»، وأضاف أن المشروع خاص بأبناء الأزهر، وإذا كان هناك حق لأحد ليعلق على المشروع فيكون هم أبناء الأزهر، وليس لأحد غيرهم، وعدّ موقف الدعوة السلفية تحصيل حاصل، وأنهم يفترضون سوء النية دائما.

مشروع لإثارة الضغائن

     وفي هذا السياق صرح الدكتور محمد يسري إبراهيم، أمين عام الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح، عبر تغريدة له على موقع التواصل الاجتماعى (تويتر): «إن الهيئة الشرعية ترى أن مسودة مشروع قانون نقابة الدعاة كفيلة بإثارة الضغائن، وزيادة حالة الاحتقان بين مجموعات العمل الإسلامي، كما أكد أن الهيئة رفضت قانون (نقابة الدعاة) مرتين، كان آخرهما، بإجماع ممن حضر مجلس أمنائها، واستمع إلى مواد القانون.

كما نفى الدكتور يسري في بيان للهيئة على صفحتها الرسمية، ما تردد من أنباء عن أن الهيئة الشرعية أعدت قانونا، أو تعد قانونا بديلا لنقابة الدعاة.

النور ينجح في سحب المشروع

     من جهته قال النائب أحمد يوسف عضو اللجنة القانونية والتشريعية بمجلس الشورى: إن مشروع قانون (نقابة الدعاة) تم تقديمه مرات عدة، ولكن حزب النور رفضه، وضغط حتى تم سحبه من المناقشة بمجلس الشورى، وأكد أن القانون كان الهدف منه ضرب التيار السلفي، مشيرًا إلي أن القانون يسعي إلي التحكم بالخطابة بوضع شروط معرقلة، تحصر الخطابة والدعوة على من تريد جماعة الإخوان.

نية مبيتة لإقصاء السلفيين

     كما أكد النائب شريف طه عضو مجلس إدارة الدعوة السلفية بالدقهلية أن القانون يكشف عن نية مبيتة لإقصاء السلفيين عن المشهد الدعوي، الذي تسعى جماعة الإخوان للسيطرة عليه تمامًا، وهو ما يبدد أوهام الغفل الذين يعيشون في أحلام وردية، قد تزعجهم مثل هذه الكلمات التي تنبههم لواقع نعيشه، وسوف نقدم عليه، وحينما يفيقون من أحلامهم فلن يجدو منبرًا يصرخون من خلاله!!

المتحدث باسم الجماعة ينفي والنور يستنكر

     كما استنكر الدكتور علاء رمضان، عضو مجلس إدارة الدعوة السلفية بالدقهلية وأمين حزب النور بالمنصورة ما ذكره الدكتور محمود حسين المتحدث الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين حول عدم تقدمهم بمشروع قانون نقابة الدعاة.

     وأضاف: من الذي تقدم بمشروع قانون نقابة الدعاة إذًا في مجلس الشعب؟ أليس الدكتور يسرى هاني عضو مجلس الشعب السابق عن الحرية والعدالة بالدقهلية، والشيخ سيد عسكر عضو مجلس الشعب عن الحرية والعدالة؟، ومن الذي أعاد تقديمه في مجلس الشورى بالنص نفسه، وقام بتقديمه ممثلون عن “نقابة الدعاة” تحت التأسيس، التي يقودها الدكتور جمال عبد الستار، مدير الإدارة المركزية لشئون الدعوة في وزارة الأوقاف، المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. وأشار إلى أنه سواء هم من قدموه أم غيرهم فهو مرفوض شكلاً وموضوعًا، ونرجو منهم أن يصرحوا بذلك فحسب، بدلاً من المراوغة وعدم الوضوح.

     وأخيرًا: لا ينكر أحد أن العلماء نعمة كبيرة، كما أن العلم نعمة عظيمة، يؤتيها الله تعالى من يشاء من عباده، وكفر هذه النعمة بالتضييق على العلماء، ومنعهم من تبليغ علمهم الذي آتاهم الله، لا شك أن فعل ذلك يستوجب عقوبة الله عز وجل، كما أنه يثير الضغائن بين الأمة، ويزيد الفرقة بين رجالاتها، ويشتت كلمتها، لذلك يجدر بالعاقل أن ينظر في مآلات الأمور، ولا يسعى لتحقيق مصالح حزبه وجماعته على حساب مصلحة عموم الأمة، وعليه أن يعتبر من حال الأمم السابقة، والأنظمة الغابرة، وألا يكون عونًا للشيطان على إخوانه، نعوذ بالله من الخذلان، هدى الله الجميع ووفق الأمة إلى سواء السبيل.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك