بعد الخلافات الأخيرة في مصر- التوتر في المشهد السياسي هل يعيد مصر إلى نقطة الصفر؟!
تصاعدت في الأيام القلية الفائتة ملامح أزمة بين جماعة الإخوان المسلمين والمجلس العسكري الحاكم في مصر بعد تراشق الاتهامات بينهما التي وصلت إلى حد التصريحات والبيانات الرسمية؛ حيث أصدرت جماعة الإخوان بياناً هاجمت فيه المجلس العسكري وحكومة الجنزوري ورمتهما ببعض اتهامات ربما هي المرة الأولى التي تتحدث فيها الجماعة بهذه اللهجة، ولطالما أثير حولهما حديث عن صفقة وصفها بعضهم بفترة «شهر العسل» بين العسكر والإخوان، وكانت الجماعة تصر على نفيها بشدة طوال الفترة الماضية، وما لبث أن تلا بيانَ الجماعة بيانُ ذراعها السياسية (حزب الحرية والعدالة) الذي لم يختلف كثيرًا عن سابقه وإن شدد على وجود تخوفات من سلامة الانتخابات الرئاسية القادمة في تلميح إلى نوايا للعسكري في ظل رفضه لإقالة حكومة الجنزوري وتشكيل حكومة بقيادة الإخوان.
بيان مفاجئ من الإخوان
كان بيان جماعة الإخوان مفاجئًا للشارع المصري, وأثار الكثير من التساؤلات عن طبيعة العلاقة بين الجماعة و»المجلس العسكري» الحاكم، وللمرة الأولى منذ نجاح ثورة 25 يناير , 2011 يدعو بيان لـ»الإخوان المسلمون» إلى ثورة جديدة, فيما ظلت أدبيات «الإخوان» وكذلك «الحرية والعدالة» تدعو إلى التهدئة إلى حد أنها اتهمت باغتيال الثورة ضمن صفقة مع المجلس العسكري حصلت بموجبها على السلطة التشريعية.
في البيان أكد «الإخوان» أن «الشعب قادر ومستعد للحركة لإعادة إنتاج ثورته وحمايتها وإنقاذ سفينتها قبل أن تغرق إلى القاع», ثم وجهوا التهمة إلى السلطة الحاكمة بصراحة حين تحدثوا عن «أناس لا يستشعرون المسؤولية الشرعية أو الوطنية.
العسكري يكشر عن أنيابه لأول مرة على غير عادته
على غير عادته سارع المجلس العسكري في إصدار بيان شديد اللهجة على صفحته على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» حذر فيه الإخوان من «تكرار أخطاء الماضي»، وندد فيه بالتشكيك في نزاهة الانتخابات الرئاسية القادمة، وألمح إلى جماعة الإخوان التي وصفها بـ»إحدى القوى السياسية» وأنها تطعن في نية المجلس العسكري وفي نزاهة القضاء المصري، على خلفية إشارة جماعة الإخوان لتهديدات وُجهت إليها بتقديم طعن قضائي لحل البرلمان وشكوك مثارة حول لجنة الانتخابات الرئاسية التي يرأسها المستشار فاروق سلطان، رئيس المحكمة الدستورية العليا، وأيضًا عن صياغة المادة 28 من الإعلان الدستوري التي تحصن تلك اللجنة من أي طعن فيها.
تهديد غير مباشر
أشار المراقبون أن المجلس العسكري أشار في بيانه في صورة تهديد غير مباشر، إلى تجربة الإخوان المريرة مع المجلس العسكري الثوريّ الذى قام بانقلاب 1952م، ودعمه الشعب والإخوان وأصبح «ثورة يوليو» التي انتهت بصدامهم مع جمال عبد الناصر فى 1954م؛ حيث طالب الإخوان العسكر وقتها بإعادة الحياة النيابية وعودة العسكر إلى ثكناتهم، وقابلهم عبد الناصر بالاعتقال والملاحقة بدعوى انقلاب الإخوان عليه ومحاولتهم قتله فيما عرف بحادثة المنشية.
أمين عام الجماعة: الأمور تغيرت عما قبل
وفي تعقيبه على ما تم التلميح به عن الإخوان قال د. محمود حسين أمين عام جماعة الإخوان: «إن من العبث أن تتم المقارنة بين الوضع في 54 والوضع الآن في 2012، الشعب الآن واع وقادر على أن يحمي ثورته والملايين قادرة على حماية مكتسباتها»، وأضاف: «نحن نتساءل عن سبب الإبقاء على حكومة الجنزوري رغم الأداء السيئ وعجزها عن القيام بمهامها، ولماذا يتم الإبقاء على هيكل وزارة الداخلية كما هو؟ وكذلك الأمر بالنسبة للهيكل الإداري للدولة؟ ونتساءل أيضًا هل الغرض من ذلك تزوير الانتخابات؟! «.
التهديد بحل البرلمان
ولم تقف الأزمة بين الجماعة والعسكري عند هذه الحد، بل صرح مسؤولو الجماعة في البيان الذي أصدرته تعرضها للتهديد بحل البرلمان، على أثر تقدم المحكمة الإدارية إلى المحكمة الدستورية العليا بطعن في دستورية المادة في قانون الانتخابات، التي تسمح بمزاحمة الأحزاب للمرشحين الفرديين المستقلين في نسبة المقاعد المخصصة للأفراد وقدرت في القانون بالثلث في مقابل الثلثين للقوائم الحزبية المغلقة.
ابتزاز سياسي للإبقاء على الحكومة
ذكرت مصادر في الجماعة أن ما يمارس عليها من ضغوط وصلت إلى التهديدات، ما هو إلا ابتزاز يمارس عليها من قبل المجلس العسكري من أجل عدم المطالبة بإقالة حكومة الجنزوري، أو ربما للضغط على الجماعة من أجل وضع متميز للقوات المسلحة في الدستور، ويساور القلق الكثيرين منهم وخصوصاً بعد الذي تم من السماح للمتهمين الأجانب بالسفر، وسط أجواء اتهم فيها العسكري بممارسة ضغوط على السلطة القضائية، وتورط شخصية قضائية بارزة وهو رئيس محكمة الاستئناف المستشار عبد المعز إبراهيم فيها، والذي هو في الوقت نفسه عضو في لجنة الانتخابات الرئاسية.
وفيما يبدو رداً على ما جاء فى بيان جماعة الإخوان المسلمين، أصدرت المحكمة الدستورية بياناً قالت فيه إن أحدا لا يستطيع التدخل في أعمالها، وما تتخذه من قرارات، وأكد البيان أن المحكمة ليست في خصومة مع أحد، وهي تتطلع لممارسة عملها بحيادية، وأعلن البيان الذي تلاه عضو في المحكمة الدستورية والمتحدث باسمها اعتذار المحكمة عن مشاركتها فى الجمعية التأسيسية للدستور، وسحب ممثلها من هيئة الجمعية التأسيسية التي ستضع الدستور، وأكد المتحدث باسم الدستورية العليا على أن انسحاب ممثلها من تأسيسية الدستور، لا علاقة له بالجدل حول شرعيتها.
أزمات مفتعلة.. والهدف البرلمان
تشكيل الحكومة المقبلة من الأمور التي أدت أيضًا إلى تصاعد وتيرة الخلاف بين المجلس العسكري والإخوان، ففي وقت يواجه الشارع المصري أزمات طاحنة من وقود يندر وجوده، وحافلات النقل العام المتوقفة بسبب الإضراب، وتوقف بعض أفران الخبز فى بعض المحافظات عن العمل بسبب نقص الوقود، يعزو نواب مجلس الشعب على اختلاف أطيافهم هذا التقصير إلى الجنزوري وحكومته، ويتهمون الحكومة بافتعال هذه الأزمات من أجل إضعاف موقف البرلمان أمام الشعب، ولقد طالب الإخوان ممَثلين في حزب الحرية والعدالة بسحب الثقة من الحكومة تحت قبة البرلمان، ورفض بيانها وتشكيل حكومة ائتلافية يقودها الحرية والعدالة، وهو الأمر الذي لاقى أصداء إيجابية لدى العديد من الأحزاب الأخرى.
أسباب الانقلاب المفاجئ
وعن أسباب الانقلاب المفاجئ على الإخوان يشير صلاح عيسى مؤلف كتاب: (مثقفون وعسكر) قائلاً: (الإخوان يتصرفون بجموح أثار حفيظة العسكر وأشعرهم بأنهم يتجهون إلى الهيمنة المطلقة، كلما كسبوا أرضاً جديدة، تغاضوا عن مبدئهم (المشاركة لا المغالبة) وعدّوا الإنجاز فرصة تاريخية لإقامة دولتهم. بهذا يظهر الإخوان في صورة الطامعين في كل شيء: البرلمان، تأسيسية الدستور، الحكومة، وأخيراً مقعد الرئيس).
ويؤكد ذلك الكلام الدكتور د. ضياء رشوان رئيس مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية ذلك فيقول: من الأسباب التي دفعت المجلس العسكري إلى هذا التهديد:
- أولا: حصول الإخوان على الأغلبية في مجلس الشعب ومن ثم فوزهم برئاسة معظم لجان مجلس الشعب, وهو الأمر الذي منحهم سلطة التشريع والرقابة.
- ثانيا: العدول عن تأييدهم حكومة كمال الجنزوري, ومطالبتهم بتشكيل حكومة جديدة ليتسنى لهم أيضا إدارة السلطة التنفيذية.
- ثالثا: عدول «الإخوان» عن رأيهم السابق بعدم عزمهم ترشيح أي من أعضائهم لمنصب رئيس الجمهورية, بل قال المرشد العام محمد بديع في أكثر من لقاء متلفز: «إن الجماعة لن تؤيد عضوها السابق عبدالمنعم أبوالفتوح ولن أعطي صوتي له».
وفجأة ومن دون مقدمات عاد «الإخوان» إلى ساحة انتخابات رئاسة الجمهورية بالحديث عن الدفع بنائب المرشد العام خيرت الشاطر مرشحاً للجماعة لرئاسة الجمهورية, إلا أن الاجتماع تأجل غير مرة إزاء قراءة نبض الشارع.
مصر إلى أين؟
- والسؤال: هل إذا مضى الإخوان في تنفيذ رؤيتهم لسحب الثقة من الحكومة سيفرز ذلك حل البرلمان بصدور قرار من المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية قانون الانتخاب، وتعود البلاد إلى نقطة الصفر؟!
لا شك أن مصر تمر بأخطر فترة في تاريخ ثورتها من شأنها أن تفرز الكثير من الأحداث الساخنة, قد تؤدي حسبما توقع أحد المحللين لفرض الأحكام العرفية والعودة إلى نقطة الصفر.
إن هناك إجماعا على خطورة الوضع وعلى كارثية المقبل من الأيام إن حدث الطلاق النهائي بين «الإخوان» والمجلس العسكري, رغم أن كثيرين - في الوقت نفسه - يصرون على أن بيان «الإخوان» لعبة سياسية محبوكة بهدف الوصول لأغراض محددة سيجري الاتفاق عليها.
والسؤال الأخطر حاليا هو: مصر إلى أين؟! نسأل الله أن يجنب البلاد شرور الفتن ما ظهر منها وما بطن.
لاتوجد تعليقات