رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: الفرقان.القاهرة/مصطفى الشرقاوي 12 يوليو، 2011 0 تعليق

بعد اكتساح حزب العدالة والتنمية للانتخابات-هل ينجح أردوغان في استعادة الوجه المشرق الإسلامي لتركيا؟

 

لاشك أن الانتخابات البرلمانية التركية الأخيرة التي اكتسحها حزب العدالة والتنمية ذو المرجعية الإسلامية قد قدمت نموذجًا لتعاطي التيارات الإسلامية بقوة مع الديمقراطية وقدرتها على الاستفادة من قواعد اللعبة السياسية لتحقيق نجاحات لافتة وإزالة الصورة التقليدية التي حاول الغرب طوال العقود السابقة ترويجها والتأكيد على عدم قدرة هذه التيارات على التعاطي الإيجابي مع هذا المسار الديمقراطي.

ولا ينبغي تجاهل أهم تداعيات نجاح حزب العدالة والتنمية الذي حاز ما يقرب من 55% من تأييد الشعب التركي، وفي مقدمتها أن الحزب لم يستطع فقط تأمين دعم الراغبين في استعادة تركيا لوجهها الإسلامي فقط، بل حاز أيضًا تأييد جناح عريض من المواطنين الأتراك المقتنعين طوال السنوات الماضية بما حققه حزب العدالة والتنمية من نجاحات أهلت الاقتصاد التركي لاستعادة عافيته والتحول بتركيا من دولة تواجه صعوبات اقتصادية إلى نمر اقتصادي كبير لدرجة أنها احتلت المركز الـ 17 على العالم في ترتيب الاقتصادات الأكثر نموًا في العالم.

ولا يستطيع أحد تجاهل ما قامت به حكومة حزب العدالة والتنمية من إنجازات على الصعيد السياسي ونجاحها في تجاوز عدد من الاختبارات الصعبة التي وضعها فيها الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن أن ضغوط الشركاء الأوروبيين وانتقاداتهم لم يخلق حالة يأس داخل الحزب الحاكم حول فرص تركيا في الالتحاق بالنادي الأوروبي.

نجاحات إقليمية

وبقدر ما حققت حكومة حزب العدالة والتنمية من نجاحات على الصعيد الداخلي والأوروبي بقدر ما حققت إنجازات لا حصر لها على الصعيد الإقليمي؛ حيث تحولت من رجل أوروبا المريض - كما كانوا يطلقون عليها - لأكبر قوة إقليمية في المنطقة حيث تمكنت من تبني قضايا ومواقف أهلتها للتفوق على عديد من قوى المنطقة التقليدية لدرجة أن بعضهم ربط بين هذا الدور والتوجه إلى الشرق وبين تعثر مساعيها للانضمام للاتحاد الأوروبي، ولكن يبدو أن تركيا تريد تحقيق الحسنيين حيث تستخدم تمددها في الشرق وتنفيذها لسياسة العمق الاستراتيجي والتي صاغها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو لورقة تستطيع بها إقناع الأوربيين بأن مصالحهم في المنطقة لا يمكن الحفاظ عليها بدون الرهان على الأتراك.

ولا شك أن وقوف تركيا مع عدد من الثورات العربية ودفاعها المستمر عن الحق الفلسطيني وحرصها على إقامة علاقات متميزة مع جيرانها العرب قد عززت من الوزن السياسي لإسنطبول وهو الوزن الذي ترجمه الناخبون في دعمهم اللامحدود لحزب العدالة والتنمية وانقضاضهم على حزب الشعب ذي المرجعية الأتاتوركية رغم الحملات الشديدة التي شنها الحزب على حكومة عبد الله جول وأردوغان.

قضايا عادلة

وليس من سبيل المصادفة التأكيد على أن موقف تركيا الداعم للعديد من اسقاط  استبداد وظلم بعض الأنظمة العربية وطرحها أكثر من مبادرة سياسية لوقف نزيف الدم في عدد من البلدان وتوجيهها انتقادات لاذعة للنظام السوري - رغم علاقتها الوثيقة به - قد أعادت الاعتبار لهذا الدور الذي اهتز ولو نسبيًا بعد أن حاولت أنقرة إمساك العصا من المنتصف في الاضطرابات التي شهدتها سوريا وليبيا وهي مواقف صبت في الأغلب الأعم لصالح تركيا.
تجريف الأتاتوركية

ورغم النجاحات التي حققها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات الأخيرة إلا أن هناك اعتقادًا حازمًا بأن المشوار مازال طويلاً أمام حكومة أردوغان لإزالة بقايا الإرث الأتاتوركي العسكري والذي مازالت آثاره باقية في الدستور التركي الذي صاغه العسكر بعد انقلاب 1982م؛ حيث يرغب الحزب في توجيه ضربات متدرجة لهذا الجسم العلماني حتى يتم التخلص منه بدون إثارة غضب أحد.

ولا تتوقف الأهداف عند حد استعادة تركيا لوجهها الإسلامي بوصفه بلداً للخلافة الإسلامية الذي مازال ماثلاً أمام أنصار حزب العدالة والتنمية؛ حيث يرغبون في تضمين التعديلات الدستورية نصوصًا تشير لهذا الإرث التاريخي مع العمل على إلغاء حظر الحجاب بشكل كامل وفتح أبواب التعليم العالي أمام طلاب المدارس الدينية وإزالة كل ما يتعلق بالدور المتعاظم للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية التركية.

ومن المؤكد أن مشوار حزب العدالة للخلاص من الإرث الأتاتوركي لن يكون اختيارًا سهلاً، فالحزب الذي حقق 324 مقعدًا في البرلمان التركي يحتاج لدعم أكثر من 43 نائبًا لتأمين دعم 367 من أعضاء البرلمان التركي وهي معركة لن تكون سهلة ولا سيما أن التعامل مع الأحزاب الأربعة الكبرى في البرلمان وفي مقدمتها حزب الشعب والحركة القومية والحزب الكردي ستواجه بصعوبات في ظل الشكوك الشديدة التي تحكم العلاقة بين هذه الأحزاب ولكن المهارات السياسية التي يتمتع بها حزب العدالة والتنمية ستجعله قادرًا على تجاوز هذا الاختبار ولاسيما أنه لا يفضل حتى الآن طرح الأمر على استفتاء شعبي.

43 مقعدًا

ولا يجد أي مراقب صعوبة في فهم ما يحدث، فالحزب كان يحتاج لأكثر من 10 مقاعد في البرلمان على الأقل لتأمين حقه في إحالة أي مشروع قانون للاستفتاء، فضلاً عن أن هذه الإحالة تعد مغامرة غير محسوبة فربما لا يلقى هذا الخيار تأييدًا شعبيًا فيهز ذلك ثقة الحزب بنفسه ويصعب من قدرته على تمرير تعديلات يراهن عليها الكثيرون لتجريف آخر حصون الحقبة الكمالية.

ولا يخفي حزب العدالة والتنمية كذلك رغبته في تعديل شكل النظام السياسي التركي لتحويله لنظام رئاسي على غرار النموذج الأمريكي، وهو أمر لن يجد معارضة عديدة من الأحزاب التركية ولكنها قد تحاول تبني خيارات تكتيكية لانتزاع أكبر قدر من التنازلات في عديد من الملفات قد يكون من بينها إعطاء امتيازات للطائفة الكردية وغيرها من ممثلي الأقليات في البرلمان لانتزاع تأييدها ولا سيما أن هذه الامتيازات قد تحسن من صورة أنقرة أمام الشركاء الأوروبيين باعتبارها تصب في صالح الحفاظ على حقوق هذه الأقليات.

نجاحات سابقة

وسيحاول الحزب مستفيدًا من تجارب سابقة في تمرير عدد من التعديلات الدستورية السابقة ونجاحه في تأمين المنصب الرئاسي لصديقه ونائبه عبد الله جول وهي محطات ستسهل مهمة حزب أردوغان كما يؤكد د. كمال حبيب الخبير في الشؤون التركية في تأكيد التأييد لهذه التعديلات، فاستعادة الوجه الإسلامي لتركيا لن يواجه بمعارضة شديدة من قبل النخب الحزبية التركية كون هذه القوى ومن بينها حزب الشعب أصبحت تتبنى خطابًا متوازنًا تجاه التوجهات الدينية للحزب الحاكم؛ حتى لا يؤثر ذلك بالسلب على صورتها أمام الرأي العام التركي المؤيد للعدالة والتنمية.

وتابع: قد يجد الحزب الحاكم مفتاحًا لحل هذه الأزمة عبر فتح حوار جاد حول هذه التعديلات قبل تقديمها للبرلمان، وهو حوار قد يستطيع معه الحزب الحصول على دعم القوى السياسية لهذه التعديلات وبحث طرحها أمام الاستفتاء العام.

ورجح حبيب أن ينجح حزب العدالة والتنمية في النهاية في تمرير هذه التعديلات واستعادة الوجه الإسلامي لتركيا وإزالة كل التراث العلماني المتطرف من دستور صاغه العسكر بعد انقلاب 82 مستفيدًا من أجواء دولية وإقليمية فقدت بموجبها المؤسسة العسكرية أي قدرة على التحكم بزمام المبادرة.

مناورات ومصاعب

وإذا كانت الظروف مهيأة لتمرير هذه التعديلات فهل ستحظى بدعم من العسكر أو على الأقل عدم معارضتها في ظل تراجع نفوذ الجيش في الحياة السياسية في ظل عدد من المتغيرات السياسية التي حرمته من الهيمنة على القرار السياسي في تركيا؟ وهو أمر سيسهل مهمة حزب أردوغان في إنجاز مهمته كما يرى د. عمار علي حسن المحلل السياسي، حيث تتيح الأجواء الإقليمية والدولية لحزب العدالة والتنمية تجاوز هذه العقبة مدفوعًا بعدد من النجاحات السياسية والاقتصادية التي جعلت دخل المواطن التركي يقترب كثيرًا من عدد لا بأس به من بلدان الاتحاد الأوروبي.

وأضاف: صحيح أن الحزب سيعاني  مناورات عدد من الأحزاب ولكنه قد يتجاوز هذا الأمر خصوصًا أن الحزب سيحاول الترويج للتعديلات كونها تقرب البلاد من الاتحاد الأوروبي وهذا قد يغل قدرة هذه الأحزاب على معارضة التعديلات إن كانت ستدخل عليها تغييرات قد لا تكون جوهرية.

ورجح د. عمار علي قدرة أردوغان وحزبه على استعادة الوجه الإسلامي لتركيا وتجريف الميراث الأتاتوركي العلماني شديد التطرف لاسيما أن النص على هوية البلاد الإسلامي في الدستور لا يتعارض مع النماذج الموجودة في الاتحاد الأوروبي فمثلاً الحزب الحاكم في ألمانيا حاليًا هو الديمقراطي المسيحي وهو ما لا يتعارض مع علمانية الدولة وهو ما يتكرر مع ضرورة أن يكون ملك بريطانيا رئيس الكنيسة الإنجليكانية لذا فاستعادة هوية تركيا الإسلامية سيكون مهمة حزب العدالة والتنمية وهي مهمة أمامها فرصة كبيرة للنجاح.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك