رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر الشرعي 4 يوليو، 2022 0 تعليق

بشـريــة النبي  صلى الله عليه وسلم والمسيح بين الإنجيل والقـرآن (3)

د. حماد عبدالجليل البريدي

مركز تراث للبحوث والدراسات

 

ما زال حديثنا موصولاً عن المقارنة التي نثبت من خلالها بشرية كلا النبيين سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، ونبي الله عيسى -عليهما أفضل الصلاة والسلام-؛ حيث ذكرنا أنهما كونهما بشرين من البشر اختصهما الله -عز وجل- بالرسالة، وجعلهما من أولي العزم من الرسل، وذكرنا في الحلقة الماضية الصفات الخلقية للنبي - صلى الله عليه وسلم - وعيسى -عليه السلام-، وتأكيد كل منهما بأنه إنسان.

رابعًا: كونه يأكل ويشرب

       كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، حتى قال الكفار اعتراضًا على نبوته - صلى الله عليه وسلم -: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا} (الفرقان: 7)، واسترضع النبي في بني سعد بن بكر، وله - صلى الله عليه وسلم - أكثر من حاضنة، وكان كسائر البشر يجوع ويشبع ويظمأ ويشرب، كان يحب اللحم ويشرب اللبن ويحب الدباء ويكره البصل والثوم، وكان - صلى الله عليه وسلم - يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويجيب دعوة المملوك، يقول: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ.

      وكان - صلى الله عليه وسلم - يمر عليه الهلال والهلال والهلال ثلاثة أهلة لا يوقد في بيته نار - صلى الله عليه وسلم -، وكان يصبح فيسأل أهله: «عندكم طعام؟» فيقولون: لا، فيقول: «فإني إذًا صائم»، تقول عائشة -رضي الله عنها-: دَخَلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَيَّ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قُلْنَا: لَا، قَالَ: «فَإِنِّي إِذًا صَائِمٌ»، ثُمَّ جَاءَ يَوْمًا آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، أُهْدِيَ لَنَا حَيْسٌ فَخَبَّأْنَا لَكَ مِنْهُ، قَالَ: «أَدْنِيهِ فَقَدْ أَصْبَحْتُ صَائِمًا»، فَأَكَلَ.

عيسى -عليه السلام

     أثبت الله بشرية عيسى -عليه السلام-، وجعل من دلائل ذلك كونه يأكل ويشرب، فقال -تعالى-: {مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} (المائدة: 75).

     قال القرطبي: «أَيْ: أَنَّهُ مَوْلُودٌ مَرْبُوبٌ، وَمَنْ وَلَدَتْهُ النِّسَاءُ وَكَانَ يَأْكُلُ الطَّعَامَ مَخْلُوقٌ مُحْدَثٌ كَسَائِرِ الْمَخْلُوقِينَ، وَلَمْ يَدْفَعْ هَذَا أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَمَتَى يَصْلُحُ الْمَرْبُوبُ لِأَنْ يَكُونُ رَبًّا؟! وَقَوْلُهُمْ: كَانَ يَأْكُلُ بِنَاسُوتِهِ لَا بِلَاهُوتِهِ، فَهَذَا مِنْهُمْ مَصِيرٌ إِلَى الِاخْتِلَاطِ، وَلَا يُتَصَوَّرُ اخْتِلَاطُ إِلَهٍ بِغَيْرِ إِلَهٍ، وَلَوْ جَازَ اخْتِلَاطُ الْقَدِيمِ بِالْمُحْدَثِ لَجَازَ أَنْ يَصِيرَ الْقَدِيمُ مُحْدَثًا، وَلَوْ صَحَّ هَذَا فِي حَقِّ عِيسَى لَصَحَّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ حَتَّى يُقَالَ: اللَّاهُوتُ مُخَالِطٌ لِكُلِّ مُحْدَثٍ. وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ: {كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعامَ}: إِنَّهُ كِنَايَةٌ عَنِ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ. وَفِي هذا دلالة عَلَى أَنَّهُمَا بَشَرَانِ.

     بل قال الله لنبيه عن الأنبياء جميعًا: {وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ} (الأنبياء: 8)، فلم يجعلهم الله ملائكة لا يأكلون الطعام، ولم يكتب الله لهم الخلد، وعندما أثبت الله أنه هو الخالق وليس أحدًا سواه قال: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام: 14)، فوضع فرقانًا بين مقام الألوهية ومقام الخلق بقوله -سبحانه-: {وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ}.

أحوال المسيح -عليه السلام

     والنصوص التي تحدثت في الإنجيل عن أحوال المسيح  -عليه السلام- ذكرت صفاته البشرية التي يشترك فيها مع سائر الناس من كونه يأكل ويشرب، فقد ولد من فرج امرأة متلبطًا بدمها: «وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد» (لوقا 2/6)، ورضع منها كسائر أطفال البشر: «وفيما هو يتكلم بهذا رفعت امرأة صوتها من الجميع وقالت: طوبى للبطن التي حملك، والثديين اللذين رضعتهما» (لوقا 111/17)، بل إن المسيح جاع كما يجوع البشر، وبحث عن طعام ليأكله: «وفي الصباح إذ كان راجعًا إلى المدينة جاع» (متى 21/28)، كما أنه عطش: «قال: أنا عطشان» (يوحنا 19/28)، وقد أكل وشرب، فسد جوعته، وروى ظمأه: «فناولوه جزءًا من سمك مشوي وشيئًا من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم» (لوقا 24/42-43).

      والطعام والشراب الذي كان يتقوى به كان ينمو به جسمه طولًا وعرضًا: «وكان الصبي ينمو» (لوقا 2/40)، ونموه كان بالجسد والعقل: «وأما يسوع فكان يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس» (لوقا 2/52)، فالطعام ينميه جسديًا، والتعليم في الهيكل من المعلمين ينميه عقليًا: «وجداه في الهيكل جالسًا في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم» (لوقا 2/46)، فهل يليق بإله أن يأكل ويشرب ويترتب عن ذلك أن يتبول ويتغوط؟!

خامسًا: كونه يحزن ويفرح ويبكي

      كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعتريه ما يعتري البشر من الفرح والحزن بل والبكاء أحيانًا، فقد حزن على موت ابنه إبراهيم، وجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عبدالرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ»، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ.

بُكَاءَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم

      ولما اشْتَكَى سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ شَكْوَى لَهُ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعُودُهُ مَعَ عبدالرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعبداللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ فَوَجَدَهُ فِي غَاشِيَةِ أَهْلِهِ، فَقَالَ: «قَدْ قَضَى»، قَالُوا: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَبَكَى النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا رَأَى القَوْمُ بُكَاءَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - بَكَوْا، فَقَالَ: «أَلاَ تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُعَذِّبُ بِدَمْعِ العَيْنِ، وَلاَ بِحُزْنِ القَلْبِ، وَلَكِنْ يُعَذِّبُ بِهَذَا -وَأَشَارَ إِلَى لِسَانِهِ- أَوْ يَرْحَمُ، وَإِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ.

فرح النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم

      وفرح - صلى الله عليه وسلم - بعودة جعفر بن أبي طالب يوم فتح خيبر، وفرح بإسلام عدي بن حاتم -رضي الله عنه-، فإنه لما قدم عليه دعاه للإسلام فقال عدي: فَإِنِّي ضَيْفٌ مُسْلِمٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ تَبَسَّطَ فَرَحًا، قَالَ: ثُمَّ أَمَرَ بِي فَأُنْزِلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وفرح بتوبة كعب بن مالك لما تخلف عن غزوة تبوك، وعوقب بالهجر خمسين ليلة حتى ضاقت عليه الأرض بما رحبت، ثم نزلت توبته، قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَيَقُولُ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ»، قَالَ: فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللهِ؟ فَقَالَ: «لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللهِ»، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ، كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ.

      وكان - صلى الله عليه وسلم - يفرح ببراءة من اتهم ظلما وعدوانا، كما فرح ببراءة عائشة -رضي الله عنها- من الإفك، حين أنزل الله -تعالى- براءتها في القرآن، قالت عائشة -رضي الله عنها-: وَأُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَكَتْنَا فَرُفِعَ عَنْهُ، وَإِنِّي لَأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ، وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ، وَيَقُولُ: «أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ، وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا سُر استنار وجهه كأنه فلقة قمر.

عيسى -عليه السلام

      أصاب المسيح -عليه السلام- كل ما يصيب البشر من عوارض بشرية من حزن وفرح وبكاء حتى اكتأب -عليه السلام- كما جاء في الإنجيل: «وبدأ يدهش ويكتئب» (مرقس 14/33)، وأحيانًا كان يجتمع عليه الحزن والاكتئاب: «بدأ يحزن ويكتئب» (متى 26/37)، ولما كان البكاء من عادة البشر إذا ما اعتراهم الضعف والأسى فإنه أحيانًا كان يبكي كسائر البشر: «بكى يسوع» (يوحنا 11/35).

      وتذكُر الأناجيل حزن المسيح -عليه السلام- ليلة الصلب وغيرها حتى كاد يموت: «إن نفسي حزينة حتى الموت» (مرقس 14/32)، بل تزعم الأناجيل أنه لما وضع على خشبة الصلب جزع وقال: «إلهي إلهي، لم تتركني؟ (مرقص 15/34)، فهل الرب يجزع ويحزن ويكتئب حتى يوشك على الموت؟ سبحانك هذا بهتان عظيم!.

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك