انتشار اللحية وتعمير المساجد وعودة الكتاتيب والحملة على التشيع والأضرحة أبرز مظاهرها – معالم الالتزام بالإسلام تعود إلى المجتمع الليبي
ما إن نجح الثوار في قتل القذافي، وإنهاء ما يقرب من 42 عامًا من القمع والاستبداد، وإذلال ملايين الليبيين عبر إبعادهم بشكل متعمد عن هويتهم الإسلامية، ومحاصرتهم في طرح أفكار، وفرض أفكار غربية، كالاشتراكية تارة، والكتاب الأخضر تارة أخرى، حتى اقتربت هوية الليبيين من الذوبان، رغم وجود التيارات الإسلامية التي ورغم حصار القذافي لها إلا أنها استطاعت أن تبقي الحد الأدنى من التمسك بالهوية الإسلامية، رغم سياسات تجفيف المنابع، وإغلاق المساجد، والمؤسسات الإسلامية، بحجة محاربة التطرف، ولاسيما في حقبتي الثمانينيات، والتسعينيات التي تعالت فيها محاولات المعارضة الإسلامية؛ لإسقاط القذافي، وهي المحاولات التي لم يكتب لها النجاح؛ بسبب الآلة الأمنية القوية للنظام، الذي مكّنته من مواجهة المعارضة المتنامية لنظامه.
مظاهر الأسلمة
ولكن ما إن غربت شمس القذافي، حتى بدأت مظاهر الأسلمة تغزو الدولة الليبية من شرقها إلى غربها؛ حيث بدأت أولى هذه المظاهر بتأسيس مئات من مكاتب تحفيظ القرآن «الكتاتيب»، في مدن، عدة مثل: (البيضاء، والزاوية، والزنتان، ومصراته)؛ حيث بدأت تستعيد هذه الكتاتيب هيبتها، مستفيدة تمامًا من مناخ الحريات الدينية، لاسيما أن القذافي كان قد وضع قيودًا شديدة على استخراج تصريحات لهذه الكتاتيب، وحظر عمل هذه الكتاتيب ليلاً؛ في مسعى منه لتجفيف منابع التطرف بحسب مزاعمه.
بل إن عودة هذه الكتاتيب ارتبطت بمظاهر كانت قد انقرضت في ليبيا منذ ستينيات القرن الماضي؛ حيث لم يعد غريبًا أن ترى طفلاً يسير في شوارع مدينة بنغازي خاصرة الشرق، وهو يحمل في يديه «البسط واللوح»، ويحفظ القرآن وفقًا للطريقة التقليدية، التي حققت نتائج باهرة، بحسب عدد من الدعاة والأئمة في عدد كبير من المدن الليبية.
بناء المساجد
ولم تتوقف معالم تنامي المظاهر الإسلامية في المجتمع الليبي عند هذا الحد، فهناك طفرة في إعادة بناء المساجد التي يزيد عددها في مجمل الأراضي الليبية على 5000 مسجد بحسب إحصاءات رسمية، وبالأحرى إصلاح وترميم المساجد التي تعرضت لقصف مكثف من قنابل ميليشيات القذافي، ولاسيما في مدن مصراتة، وترهوتة، وصبراتا، حيث شهدت البلاد حالة إعمار كبيرة لهذه المساجد، التي تحولت إلى أبرز معالم المشهد المعماري في ليبيا الجديدة، فمسجد مثل مسجد الشهداء في مدينة مصراتة، والتي كانت هذه الميليشيات قد ساوته بالأرض، عاد ليصدح بالحق مجددًا غير أن سواعد الثوار أعادت بناءه بدعم خارجي؛ لتقدم دليلاً على قدرة ليبيا على مواجهة تداعيات الدمار الذي خلفه القذافي ومجرموه.
معاهد الشريعة
واستفادت مسيرة الدعوة الإسلامية من مناخ الحريات الدينية؛ حيث أعادت الدولة افتتاح عدد من معاهد الشريعة التي كان النظام الليبي قد أغلقها خلال العقود الماضية، وكذلك مراكز دراسات الشريعة التي كانت مخابرات العقيد قد ترصدتها بالإغلاق والمحاصرة؛ سعيًا لتجفيف منابع العقيدة الإسلامية، والسلفية، لاسيما أن هذه المعاهد كانت تحرص على تدريس مؤلفات الإمام أحمد بن حنبل، وشروحها، وكتب ابن تيمية، والإمام محمد ناصر الدين الألباني، التي خشي معها العقيد أن تتحول إلى أدوات لتفريخ من أسماهم بالمتطرفين.
ملفات سلفية
وصار تداول هذه المؤلفات التي وصلت من دول الخليج - خلال معرض الكتاب الأخير الذي أقيم في طرابلس - أمرًا عاديًا، فقد حرص الليبيون على اقتناء الكتب التي يستطيعون معها استعادة عقيدتهم، وهويتهم، طبقًا لنهج أهل السنة والجماعة.
وكان لافتًا بشدة حالة الانتعاشة التي شهدها مسجد هداية في مدينة بنغازي، الذي كان أول مسجد صدع بالحق في وجه السلطان الجائر إبَّان اشتعال الثورة؛ حيث يشهد المسجد حلقات متعددة من دروس الدعوة، والفقه، والعقيدة، ومجمل الدراسات الإسلامية، ليصير شاهدًا على ليبيا الجديدة.
بل إن مرجعيات ليبية صارت تجاهر ليلاً ونهارًا بضرورة الاستعانة بكوادر من مصر، ودول الخليج؛ للاستفادة من مراكز العلم الشرعي في هذه البلدان، والعمل على تربية أجيالهم على الفهم الصحيح للإسلام، وفق عمل أهل السلف الصالح، وهي أمور كانت من المحرمات في عهد العقيد الهالك.
إطلاق اللحى
ومن مظاهر تنامي الوعي الديني في ليبيا تلك الحملة التي شنت على الأضرحة والمقابر، مثل ضريح عبد السلام الأسمر، وسيدي الشعاب؛ حيث سبقتها حملات على هذه الأضرحة، وعدتها بدعًا منهيا عنها في الإسلام، وأموراً تؤثر على عقيدة المسلم، فضلاً عن وجود مساعٍ محمومة، وتحذيرات، أطلقها مفتي ليبيا علي الغرياني؛ لمواجهة المد الشيعي، والتصدي لأي نفوذ إيراني في مرحلة ما بعد القذافي.
ومن أبرز المظاهر على تنامي المد الديني في ليبيا، إقبال الشباب والرجال على إطلاق اللحى؛ تأسيًا بالرسول [؛ حيث كانت هذه اللحى من المحظورات في عهد القذافي، بل كان إطلاقها يكلف صاحبها سنوات طوالاً في سجون العقيد، إلا أن التغيرات جعلت انتشار هذا الأمر شيئًا عاديًا، بل دفع بوزاراتي الداخلية والدفاع في ليبيا إلى نشر تعليمات تفيد السماح بإطلاق اللحى، وعده أمرًا عاديًا لشغل الوظائف في الوزارتين؛ بل إنهما شهدتا عودة مئات من الضباط الذين كان نظام العقيد قد أحالهم للاستيداع؛ بسبب فكرهم الإسلامي.
قضاء وفلول
وإذا كانت الأمور قد فسرت بشكل سلس فيما يخص قطاع الدعوة الإسلامية، ووزاراتي الداخلية، والدفاع، فإن الأمر صار أكبر تعقيدًا فيما يتعلق بالقضاء بفرعيه: العلماني، والشرعي، فلازال محسوبون على نظام العقيد القذافي يسيطرون على مرفق القضاء كاملاً؛ بل ويظلون حجرة عثرة أمام إعادة هيكلة القضاء؛ بحجة الحفاظ على استقلاله، إلا أن كثيراً من الساسة الليبيين، ومنهم الدكتور إبراهيم عميش الأمين العام للتحالف الوطني الليبي، يرى أن إقرار قانون العزل السياسي من قبل البرلمان سيفتح أبواب القضاء العام والشرعي أمام المتخصصين وأصحاب العلم الشرعي، بعد أن حرمهم النظام المستبد طويلاً من الوصول لهذه المناصب التي بقيت لمدة طويلة حكرًا على أنصار النظام المقبور.
وسخر عميش بشدة من التذرع باستقلال القضاء؛ لإبقائه تحت إمرة النظام السابق، لافتًا إلى أن قانون العزل السياسي لن يحرم قاضيًا شريفًا لم يرتبط اسمه بفسادٍ أو دعم للاستبداد.
وأشار إلى حاجة القضاء الشرعي لإعادة هيكلة في ليبيا الجديدة؛ بحيث يفتح أبوابه للمتخصصين، ولاسيما أن هذا القضاء تعرض لحرب ضروس خلال حكم العقيد؛ حيث تم دمجه في القضاء العادي، وحرمانه من الكوادر في إطار مساعي العقيد للابتعاد بالأمة عن هويتها الإسلامية، وهو أمر سنعمل -بقوة خلال المرحلة القادمة- على تغييره .
تفشي الجريمة
ولاشك أن اشتعال المواجهات، والسجال السياسي في ليبيا، وانتشار السلاح نتيجة إمداد الناتو للمقاتلين الليبيين بملايين القطع من السلاح قد أدى إلى حالة من الانفلات الأمني؛ مما أسهم في زيادة معدلات الجريمة في ليبيا، لدرجة أن المجتمع الليبي أصبح يشهد جرائم لم تكن معروفة في السابق، مثل النهب، والاغتصاب، وتفشي القتل، والصراعات؛ بفضل إذكاء محسوبين على النظام السابق لنار الفتنة بين المواطنين الليبيين؛ بل إن الجريمة المنظمة صارت من الأمور المتعارف عليها في ليبيا، لدرجة أن حادثة سرقة سيارة نقل أموال في مدينة طبرق قد دعت الحكومة الليبية لاتخاذ إجراءات متشددة حيال هذا الأمر، عبر الاستعانة بشركة متخصصة من جنوب إفريقيا، وإقرار إجراءات متشددة ضد الهجرة غير الشرعية؛ لمواجهتها بوصفها أحد أسباب انتشار الجريمة.
العزل السياسي
ولا تتوقف مشكلات ليبيا عند هذا الحد؛ فتمرير قانون العزل السياسي في البلاد ينتظره معارك كبيرة، رغم إقرار المؤتمر الوطني خلال الفترة الأخيرة على خلفية قيام ثوار سابقين على حكم العقيد لشن حصار على وزاراتي الخارجية والعدل الليبية، وصولاً إلى احتلال قاعات المؤتمر؛ لإجباره على تبني هذا القانون الذي ينظر إليه رموز التيار الليبرالي على أنه مسعى لإقصاء نائب رئيس المجلس الوطني الانتقالي محمود جبريل، الذي يعده قطاع من الإسلاميين العدو الأول للمشروع الإسلامي في ليبيا، وهو اتهام ترفضه شخصيات إسلامية ليبية، مثل الدكتور على الصلابي، الذي يرى أن قانون العزل السياسي يهدف إلى تطهير مؤسسات الدولة الليبية من أنصار القذافي، فلا يمكن أن يؤدي أنصار القذافي دورًا في بناء ليبيا الجديدة، بعد أن أفسدوا البلاد طوال الـ42 عامًا الماضية.
واستبعد الصلابي مع ذلك أن يخلق هذا القانون نوعًا من القطيعة بين التيارين: الإسلامي، والليبرالي في ليبيا، لافتًا إلى أن الخلافات بين التيارين تعد عادية، ويمكن تسويتها بشيء من التنسيق، وإخلاص النوايا.
ولفت إلى أن انتشار المظاهر الإسلامية في ليبيا في مرحلة ما بعد الثورة يعد أمرًا عاديًا، فمنذ أربعين عامًا يسعون لاستعادة هويتهم، والعمل من خلال مؤسسات الدولة المختلفة، التي كانت محرمة عليهم طوال هذه السنوات.
لاتوجد تعليقات