
الوقف الإسلامي وصنائعه الحضارية – روائع الأوقاف في الحياة العلميّة
- أسهم الوقف في بناء حصانة فكريّة متينة في المجتمعات الإسلامية على امتداد التاريخ الإسلامي ووُفرت كل مصادر العلم وأدواته في المساجد والمدارس والكتاتيب وغيرها
- تعزز من خلال مؤسسات الوقف الجانب الأخلاقي والسلوكي في المجتمع وعولجت السلوكيات والممارسات الخطأ والمشكلات الاجتماعية الطارئة
كانت (اقرأ) هي الكلمة الافتتاحيّة للرسالة الإلهيّة الخاتمة التي حملتها هذه الأمّة الإسلاميّة وآمنت بها، ودعت إليها الخلق أجمعين، منذ فجر الإسلام إلى هذا اليوم، ودلالة هذه الافتتاحيّة ظاهرة على أنّ العلم والرقيّ المعرفيّ هو جوهر هذه الحضارة الإسلاميّة وروحها، ولا يحتاج الإنسان إلى تكلف كثير لكي يتصوّر حال التخلّف العقليّ والأخلاقيّ التي كانت عليها الإنسانية قبل الإسلام، لا فرق في ذلك بين العرب وغيرهم، إذا ما قورن الحال بالقيم الحضاريّة والعلميّة والأخلاقيّة التي أضاء بها الإسلام مناحي الحياة الإنسانيّة كافّة.
ولأهميّة العلم في بناء الحضارات وتقوية شوكة الأمّة، وكونه مفتاح النهضة، والترياق الشافي -بإذن الله- من التخلّف، فقد اتجهت الأوقاف الإسلاميّة على مرّ العصور إلى رعاية العلم والتعليم على نحو يصعب حصر أشكاله أو الإحاطة بها، فضلاً عن توثيقه كلِّه وإحصائه، نقول هذا دون مبالغة ولا تهويل.بناء حصانة فكريّة متينة
وقد أسهم الوقف في بناء حصانة فكريّة متينة في المجتمعات الإسلامية على امتداد التاريخ الإسلامي، فكان المسجد النواة الأولى لحلقات العلم، وتبع ذلك إقامة الكتاتيب، والمدارس، وعيّن المدرسون، وأُنفق على الطلبة، ووُفرت كل مصادر العلم وأدواته في المدارس والرُّبَط والكتاتيب وغيرها. فتعزز من خلال مؤسسات الوقف الجانب الأخلاقي والسلوكي في المجتمع، وعولجت السلوكيات والممارسات الخطأ، والمشكلات الاجتماعية الطارئة، وانتشرت القيم والفضائل، وواجه المجتمع الإسلامي النّزعات الهدّامة والفرق الباطنية، وقوّم أفكار أبنائه، وحفظ العقيدة الإسلامية، ونشر تعاليم الإسلام النقية في عدد كبير من الدول والأمصار.نماذج من بقاع إسلاميّة مختلفة
وليس لنا في هذا العرض إلّا إيراد نماذج من بقاع إسلاميّة مختلفة وعصور مختلفة، لتقديم صورة كلّيّة فقط عن عناية الواقفين على اختلاف مستوياتهم برعاية العلم والوقف عليه وعلى أهله ومصادره ووسائله وأدواته وأسباب تيسيره لطلّابه، الأمر الذي يدعو كلّ قارئ له ومطّلع عليه إلى أن يرفع رأسه اعتزازاً بدينه، وثقافته، وانتمائه الإسلامي.أوّلاً: المكتبات الوقفيّة
«ارتبطت حركة الثقافة العربية بشكل عميق وقوي بالمكتبة، منذ أن شرع العرب في تشكيل أعمال تأليفية بسيطة وتوجهوا نحو تخصيص مكان يجمع فيه ما يصنف ويؤلّف، ليصل إليه أكبر قدر ممكن من القراء، ومنذ البدء، كان الفرد هو صاحب الفضل في ترسيخ بنية المكتبة، هو الذي يبحث ويجمع ويكوّن مكتبة، ثمّ يوقفها لتكون نافذة ثقافة للجميع». فالركن الأساس للنشاط العلمي في أي مكان وزمان هو الكتب والمكتبات، فمن دونها لا تتمكن المدارس من أداء رسالتها، ولا يستطيع المدرّسون والطلبة والباحثون مواصلة دراستهم وأبحاثهم، لذلك لم تخلُ مدرسة في العهود الإسلامية من خزانة كتب، «وقد شارك في هذه الأنماط الوقفية قطاع عريض من المجتمع: خلفاء وسلاطين، وحكام وأمراء، وأثرياء وعلماء ووزراء، وبعض من عامة الناس». ومن المسلّمات أنّ المكتبات الوقفيّة عند المسلمين كانت هي العامل الأوّل في توفير الكتب لطلّاب العلم على مدى قرون طويلة، وقد انتشرت في العالم الإسلاميّ حتى لا تكاد تجد مدينة خالية منها، حتى قال أبو حيان النحوي الأندلسي: «أنا أيَّ كتاب أردتُه استعرته من خزائن الأوقاف».تأثير المكتبات الوقفيّة
وكان مما قاله ياقوت -في وصف مدينة مرو الشاهجان-: «أقمتُ بها ثلاثة أعوام فلم أجد بها عيبًا إلا ما يعتري أهلها من العرق المديني فإنهم منه في شدة عظيمة، قلَّ من ينجو منه في كل عام، ولولا ما عَرَا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها إلى الممات، لما في أهلها من الرِّفْد، ولين الجانب، وحسن العشرة، وكثرة كتب الأصول المتقنة بها، فإنّي فارقتها وفيها عشرُ خزائن للوَقْف لم أر في الدنيا مثلها كثرةً وجودةً. منها خزانتان في الجامع، إحداهما يقال لها العزيزية، وقفها رجل يقال له عزيز الدين أبو بكر عتيق الزنجاني، أو عتيق بن أبي بكر، وكان فُقَّاعيًّا للسلطان سنجر، وكان في أوّل أمره يبيع الفاكهة والريحان بسوق مرو، ثم صار شرابيًا له، وكان ذا مكانة منه، وكان فيها اثنا عشر ألف مجلد أو ما يقاربها، والأخرى يقال لها الكمالية لا أدري إلى من تنسب، وبها خزانة شرف الملك المستوفي أبي سعد محمد بن منصور في مدرسته، ومات المستوفي هذا في سنة 494هـ وكان حنفيّ المذهب. وخزانة نظام الملك الحسن بن إسحق في مدرسته، وخزانتان للسَّمْعانيين، وخزانة أخرى في المدرسة العميدية، وخزانة لمجد الملك أحد الوزراء المتأخرين بها، والخزائن الخاتونية في مدرستها، والضميرية في خانكاه هناك، وكانت سهلة التناول، لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثر بغير رهن، تكون قيمتها مائتي دينار! فكنت أرتع فيها وأقتبس من فوائدها، وأنساني حبها كل بلد، وألهاني عن الأهل والولد، وأكثر فوائد هذا الكتاب وغيره ممّا جمعته فهو من تلك الخزائن. وهذا وحده يبيّن لنا إلى أيّ مدى كان تأثير المكتبات الوقفيّة على الحياة العلمية، وإلى أي مدىً كان محتواها مبذولاً بكلّ يسر لأهل العلم والفضل، الأمر الذي ينبئ عن مخالطة محبّة العلم ورعايته دماءَ فُضلاء هذه الأمة وأرواحَهم.الإسكندريّة والحياة العلميّة فيها
قال ابن جبير في رحلته -يصف انطباعه عن الإسكندريّة والحياة العلميّة فيها-: «ومن مناقب هذا البلد ومفاخره العائدة في الحقيقة إلى سلطانه: المدارس والمحارس الموضوعة فيه لأهل الطِّبِّ والتعبُّد، يَفِدُون من الأقطار النائية فيلقى كل واحد منهم مسكناً يأوي إليه، ومدرِّسًا يعلِّمُه الفنّ الذي يريد تعلُّمَه، وأُجَرَاءَ يقوم به في جميع أحواله. واتّسع اعتناء السلطان بهؤلاء الغرباء الطارئين حتى أمر بتعيين حمّامات يستحمون فيها متى احتاجوا إلى ذلك، ونصب لهم مارستانًا لعلاج من مرض منهم، ووكّل بهم أطبّاء يتفقّدون أحوالهم، وتحت أيديهم خُدَّامٌ يأمرونهم بالنّظر في مصالحهم التي يشيرون بها من علاج وغذاء، وقد رتّب أيضاً فيه أقواماً برسم الزيارة للمرضى الذين يتنزّهون عن الوصول للمارستان المذكور من الغرباء خاصة، ويُنْهُون إلى الأطباء أحوالَهم ليتكفّلوا بمعالجتهم»، وأيُّ عنايةٍ فوق هذه؟! وقد استمرّت هذه الرُّوح في محبّة العلم وتعظيم أهله وطلبته وحملته، حتى نصّ عارف حكمت (ت 1275هـ) في وثيقة وقْف مكتبته المشهورة بالمدينة المنوّرة، أن تُفتح المكتبة كلَّ يومٍ بعد طلوع الشمس بساعة واحدة، حتى قُبَيْل ساعة من الغروب، ولو لم يجيء أيُّ فردٍ إليها، كيف لا؟! وهذا المذكور -رحمه الله، وتقبّل منه-، بذلَ ذات يومٍ أربعمائة جنيهٍ عثمانيٍّ لشراء كتابٍ واحد.حرص أهل الخير على الكتاب
ومن حرص أهل الخير على الكتاب وصيانته باعتباره وعاء العلم، فقد كان كثيرٌ من الواقفين يمنعون خروج الكتاب خارج المكتبة خوفاً من ضياعه، بل يمنعون من عُرف عنه التّفريط في الكتب وامتهانها من الاطّلاع عليها، ولو داخل المكتبة. قال نجم الدِّين الغزِّي في ترجمة خطّاب الضّرير: «خطّاب، الشيخ الصالح العابد الزاهد، شيخ الإقراءِ بمدرسة الشيخ أبي عمر بصالحيّة دمشق، كان ضريراً حافظاً لكتاب الله تعالى، نافعاً للمجاورين بالمدرسة المذكورة، وكان إذا حصل له شيءٌ من الدّراهم اشترى به مصحفاً، ووَقَفَه».
لاتوجد تعليقات