رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد احمد لوح 31 يناير، 2019 0 تعليق

الوحدة الإسلامية – أدلتها، سماتها، وسائل تحقيقها

استكمالا للحديث الذي بدأناه عن الوحدة الإسلامية وأدلتها من القرآن والسنة؛ حيث ذكرنا أن الأخوّة الإيمانيّة قد عقدها الله وربطها أتمَّ ربط، بعقيدة التوحيد الذي هو الغاية في إيجاد الخلق، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وقلنا: إن الله -تعالى- أمر بالاجتماع في الدين، ونهى عن التفرق فيه، وبين هذا في كتابه بيانًا شافيًا يفهمه العقلاء، ونهانا أن نكون كالذين تفرقوا واختلفوا من قبلنا فهلكوا قال -تعالى-: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (آل عمران: 105)، واليوم أتطرق للحديث عن الوحدة ببيان حقيقتها اللغوية والشرعية، مشيرًا إلى أدلتها من الكتاب والسنة.

    الوحدة الإسلامية مصطلح كثير الدوران على الألسنة، وبطون الأسفار: فلم أجد من بين الكتاب والباحثين من تعرض لتعريفها اصطلاحًا، غير أنه من خلال التأمل في التعريف اللغوي لهذا المصطلح المنسوب إلى الإسلام، ومن خلال فهم سياقاتها العامة، وعلاقتها الوثيقة بمصطلح الجماعة الوارد في الأحاديث والآثار يمكن تعريف الوحدة الإسلامية بأنها: «التفافُ أفراد الأمة حول أئمتهم وولاة أمرهم، وطاعتُهم على هدي الكتاب والسنة».

شرح التعريف

     التصور الإسلامي الصحيح يقتضي أن تكون هذه الأمة أمة واحدة، على حد قوله تعالى: {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(المؤمنون: 52)؛ ولهذا فإن الأئمة والولاة وإن تعددت شخوصهم؛ فيفترض أنهم يمثلون منهجا واحدا لا يميلون عنه ولا ينحرفون.

    والمراد بالأئمة في التعريف: العلماء الربانيون؛ فإنهم ورثة الأنبياء، ولا تتحقق الوحدة الإسلامية دونهم؛ ولهذا فسر ابن المبارك وغيره من السلف الجماعة الواردة في الأحاديث بالعلماء المجتهدين، وأما الولاة فهم أمراء المؤمنين الشرعيون، والأمة بلا قائد كالجسد بلا روح.

على هدي الكتاب والسنة

     وقولنا: «على هدي الكتاب والسنة» يخرج من ليس من أهل الحق، وهم المعرضون عن تحكيم شرع الله، وأهل الابتداع والافتراق، وهذا هو معنى الانفراد الملاحظ في تعريف الوحدة لغة؛ فأهل السنة باعتبار ما هم عليه من اتباع الحق والاستقامة على الهدى منفردون عن أهل الأهواء وإن أعجبتك كثرتهم، وهذا القيد مقصود لذاته فلا جماعةَ شرعيةً دون موافقة الكتاب والسنة، يقول الشاطبي –بعد أن ذكر أقوال العلماء في تفسير الجماعة-: « وحاصله أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المأثورة كالخوارج ومن جرى مجراهم».

نصوص كثيرة

وردت في كتاب الله الكريم، والسنة المشرفة نصوص كثيرة تأمر المؤمنين وتحثهم على لزوم الجماعة، والائتلاف، وتبين لهم أن الأمة الإسلامية أمة واحدة،  وفيما يلي أذكر أمثلة على ذلك مع التعليق عليها على قدر الحاجة شرحاً وبياناً بما يناسب الحال.

الوحدة في القرآن الكريم

     قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كذلك يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}(آل عمران: 103)، قال ابن جرير -رحمه الله- في تفسير هذه الآية: « يريد بذلك -تعالى- ذكره: وتمسكوا بدين الله الذي أمركم به، وعهده الذي عَهِدَه إليكم في كتابه من الألفة والاجتماع على كلمة الحق والتسليم لأمر الله، ثم نقل بأسانيده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال - في قوله -تعالى-: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا}: الجماعة، وذكر بأسانيده أقوالاً أخرى عن السلف في تفسير معنى (حبل الله) منها: القرآن، والإخلاص لله وحده، والإسلام».

الفرقة هلكة والجماعة نجاة

     وهذه الأقوال مؤداها واحد، ونتيجتها واحدة؛ فإن الاعتصام بالقرآن، والإخلاص لله وحده، والتمسك بالإسلام الصحيح الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلها مما ينتج عنه تآلف المسلمين واجتماعهم وترابطهم وتماسك مجتمعهم، وقال ابن كثير -رحمه الله-: «وقوله: {وَلاَ تَفَرَّقُواْ } أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة».

قال القرطبي – بعد نقله لأقوال السلف في تفسير الآية-: «والمعنى كله متقارب متداخل؛ فإن الله -تعالى- يأمر بالألفة وينهى عن الفرقة؛ فإن الفرقة هلكة والجماعة نجاة».

حقيقة الاعتصام

     أما ابن القيم -رحمه الله-؛ فيوجز لنا حقيقة الاعتصام بكتاب الله فيقول:« وهو تحكيمه دون آراء الرجال ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم وكشوفاتهم، ومواجيدهم؛ فمن لم يكن كذلك فهو منسلٌّ من هذا الاعتصام؛ فالدين كله في الاعتصام به وبحبله، علماً وعملاً، وإخلاصاً واستعانة، ومتابعة، واستمراراً على ذلك إلى يوم القيامة».

التآخي في الله

     وقال -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات: 10)، تنص هذه الآية على مبدأ من مبادئ دين الإسلام العظيمة، وهو التآخي في الله، وهو جانب قد أولاه هذا الدين عناية لا مزيد عليها، باعتباره دعامة من الدعائم الرئيسة التي تقوم عليها وحدة المسلمين وائتلافهم واجتماعهم، ولذلك كانت المؤاخاة من أول الأعمال العظيمة التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة المدنية؛ حيث آخى بين المهاجرين والأنصار.

المؤاخاة الاجتماعية

يقول الشيخ محمد صادق عرجون -رحمه الله-: «وبهذه المؤاخاة الاجتماعية في الاتفاق والمناصرة، والتعاون والتساعد، والتعاضد، والحب في الله، ولله، الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم أساسا لهذه المؤاخاة بقوله  لأصحابه من المهاجرين والأنصار: «تآخوا في الله أخوين أخوين»، تم تصحيح وتركيب المجتمع المسلم.

مبدأ الولاء للمؤمنين

     وقال -تعالى-: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَه}(التوبة: 71)، تقرر هذه الآية الكريمة مبدأ الولاء للمؤمنين، وهو مبدأ يقتضي المحبة والنصرة، والوقوف مع الموالين المؤمنين ظاهرا وباطنا.

     عن ابن عمر - رضي الله عنهما- قال: «أحب في الله، وأبغض في الله، ووالِ في الله، وعادِ في الله؛ فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته، وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئا»، وهذا الذي ذكره ابن عمر هو الواقع؛ فقد تكالب كثير من المسلمين على الدنيا وتنافسوا عليها، وباتت علاقات الناس مبنيةً على أمور الدنيا، ومصالحها الزائلة، وهذا انقلاب في المقاييس سبَّبَ بينهم الحسد والأحقاد، وأوهن من وشيجة الرابطة الدينية، وغشيت المسلمين بسببها الغواشي.

الوحدة من السنة المشرفة

لقد وردت الأحاديث المتعددة بالأمر بالاجتماع والائتلاف والنهي عن التفرق والاختلاف، وإليك الأمثلة:

لا تجتمعُ الأمةُ على ضلالةٍ

عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجتمعُ هذه الأمةُ على  ضلالةٍ، ويدُ اللهِ على الجماعةِ ومَن شذَّ شذَّ في النارِ»، وهذا حديث عظيم ذكر فيه علة الأمر بالاجتماع والوحدة وترك الاختلاف والفرقة؛ حيث نص على أن العصمة من الوقوع في الضلالة، مكفولة لهذه الأمة إذا اجتمع علماؤها؛ فهي أمة خصت بأنها لا تجتمع إلا على الحق المبين، والهدى المنير، والصراط المستقيم؛ فوجب لزوم جماعتهم في الاعتقادات والمقالات، وفي الأحكام والمعاملات.

الاعتصام بحبل الله

     وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن الله يرضى لكم ثلاثاً،  ويكره لكم  ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»، قال النووي -رحمه الله-: «وأما الاعتصام بحبل الله فهو التمسك بعهده وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده، والتأدب بآدابه، والحبل يطلق على العهد، وعلى الأمان، وعلى الوصلة، وعلى السبب، وأصله من استعمال العرب الحبلَ في مثل هذه الأمور لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم، ويوصلون بها المتفرق؛ فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور، وأما قوله صلى الله عليه وسلم : «ولا تفرقوا»؛ فهو أمر بلزوم جماعة المسلمين، وتألف بعضهم ببعض، وهذه إحدى قواعد الإسلام»؛ فقد ذكر -رحمه الله- أن لزوم جماعة المسلمين وتآلفهم فيما بينهم بعضهم ببعض، يعدُّ من قواعد الإسلام؛ وهذا مما يؤكد أهمية الوحدة بين المسلمين.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك