الهواري: رمضان مدرسة للـتغيـيـر وتزكية القلوب
- شهر رمضان مهيّأ بطبيعته لإحداث التغيير لكن غياب الوعي بمقاصد الصيام عند كثير من الناس جعل رمضان بلا أثر عليهم
- كل عبادة رمضانية لا تُفضي إلى تعظيم الله ومراقبته وترك المعصية فهي ناقصة الأثر
- أمراض القلوب الخفية أخطر من المعاصي الظاهرة وهي مما يعالجها الصيام إذا فُهمت مقاصده وعيشت معانيه
- التعبّد بأسماء الله وصفاته منهج قرآني في إصلاح القلوب وهو من أنجع الوسائل لتربية النفس وتزكيتها
- تكرار دخول رمضان دون تغيير حقيقي مؤشّر خطر يحتاج إلى وقفة صادقة لمعالجة الخلل
- رمضان فرصة سنوية لا تعوّض لتحقيق الإصلاح من أقصر الطرق لما فيه من تهيئة إيمانية وفتح أبواب الخير
- كان السلف الصالح يرون رمضان مدرسةً عظيمةً لتنمية الشعور بالمراقبة، والتعبّد بمقام الإحسان، وهذا من أعظم ما يُرجى من هذا الشهر المبارك
رمضان ليس موسمًا عابرًا للعبادات، ولا محطةً شكلية لتكثير الطاعات؛ بل هو مدرسةٌ ربانية لصناعة الإنسان من الداخل؛ مدرسةٌ تُعيد ترتيب العلاقة مع الله، وتُهذّب السلوك، وتُزكّي القلوب، وتوقظ في النفس معنى التقوى والمراقبة والإحسان، ومن هنا يأتي هذا الحوار مع فضيلة الشيخ: شريف الهواري - مصر، نفتح من خلاله نوافذَ الأسئلة الصادقة: لماذا نصوم ولا نتغيّر؟ أين يختفي أثر الصيام في أخلاقنا؟ كيف نبلغ التقوى التي هي غاية الصيام؟ وكيف يعالج رمضان أمراض القلوب الخفيّة التي تُفسد علينا ديننا ودنيانا؟ إنه حوارٌ يبحث عن رمضان الذي يُغيّر؛ رمضان الذي يصنع القلوب قبل السلوك، ويُصلح الباطن قبل الظاهر، ويترك في النفس أثرًا يبقى بعد انقضاء الشهر.
- لو أردنا أن نُلخِّص رسالة شهر رمضان في عبارةٍ تُصلِحُ القلب قبل السلوك، فماذا نقول؟
- لا شك أنَّ أهم رسالة يمكن أن نتعلمها من شهر رمضان هي أنَّ التغيير ممكن وليس مستحيلاً؛ فأيُّ فرصةٍ أعظم من رمضان لتحقيق الإصلاح والتغيير الذي ننشده جميعًا: أفرادًا وأُسرًا ومجتمعاتٍ وأوطانًا؛ بل أمةً بأسرها؟

- بعض الناس لا يظهر أثرالصيام ذلك في أخلاقهم وسلوكهم؛ فأين يكمن الخلل؟
- أظنّ -والله أعلم- أنَّ الخلل فينا نحن، لقد صمنا، وقمنا، وقرأنا القرآن، وحرصنا على السنن، وأدّينا كمًّا كبيرًا من الطاعات والقُرُبات، ولكن دون استحضارٍ حقيقي، ولا استشعارٍ عميق لمعانيها ومقاصدها، تحوّلت عباداتُنا -عند كثيرٍ منّا- إلى عاداتٍ موروثة، وأعرافٍ اجتماعية، تُؤدَّى بلا قلبٍ حيٍّ ولا وعيٍ حاضر، والدليل على ذلك واضحٌ جليّ! فكم من رمضانٍ أدركناه، ولم نتغيّر؟ بل إنّ الحال -عند بعضنا- ينتقل من سيّئ لأسوأ، فماذا نقول إذًا؟
- كيف يمكن للمرء أن يحقّق التقوى، وهي المقصدُ الأساسُ والغايةُ العظمى من فريضة الصيام؟
- أن الطريق إلى تحقيق التقوى يبدأ بمعرفة مقاصد شهر رمضان، وفهم الحكمة من فرض الصيام علينا، فرمضان لم يُفرض عبثًا، وإنما شُرع لتحقيق غاية الغايات؛ تلك الغاية التي من أجلها خُلقنا أصلًا، وهي عبادة الله -سبحانه وتعالى-، ولبّ العبادة وروحها: التقوى، قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وجاء الصيام مصرحًا بهذه الغاية العظمى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
دورةٌ إيمانيةٌ مكثّفة
رمضان في الحقيقة دورةٌ إيمانيةٌ مكثّفة، يهيئ الله فيها الأجواء، ويفتح أبواب الرحمة، وتصفد فيه الشياطين، ويدعو الأمة إلى الإقبال عليه؛ لتسلك أقصر الطرق إلى التقوى، فتتذوّق حلاوتها، وتستشعر أثرها في القلب والسلوك، لكن المؤلم -مع الأسف- أننا جهلنا معنى التقوى، وغفلنا عن قيمتها، ولم نستحضر آثارها في الدنيا والآخرة؛ فصمنا رمضاناتٍ كثيرة، ولم نرَ لها أثرًا واضحًا في حياتنا، وهذا خطرٌ عظيم؛ فمن أراد أن يحقّق التقوى -وهي من أعظم مقاصد رمضان- فليسأل عنها القرآن، وليتأمّل آياته، وليقف طويلًا عند حديث الله عن المتقين، ليعلم كم قصّر في رمضاناتٍ مضت، فيندم، ويُقبل هذه المرّة على رمضان إقبالًا يليق بعظمة هذا الشهر، تعظيمًا له وتقديرًا لشأنه؛ فالأجواء مهيّأة، وأبواب الخير مفتوحة، ويُنادى: يا باغي الخير أقبل، في غيبة عدوٍّ طالما عطّلنا وثبّطنا؛ فهلمّ إلى ربك بكليّتك، لتنال شرف التقوى وبركتها.حقيقة التقوى
وقد بيّن الله -تعالى- أن التقوى وصيته للأولين والآخرين: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ}، وهي وصية الأنبياء جميعًا لأقوامهم، ووصية النبي -صلى الله عليه وسلم - لأصحابه: «أوصيك بتقوى الله في سرّك وعلانيتك»، وقال -صلى الله عليه وسلم -: «اتقِ الله حيثما كنت»، وقال: «تقوى الله رأسُ الأمر كلِّه»، بين السلف حقيقة التقوى بأجمل بيان: فالتقوى علمُ القلب بقرب الربّ، واستشعار رقابته، والخوف من مقامه، وهي - كما قال الإمام أحمد: أن تترك ما تهوى لما تخشى؛ فأنت بشرٌ فيك شهواتٌ وأهواء، فإن لم تكن لك تقوى ردّتْك، انحرفت، وهي أن تُوجَد حيث أمرك الله، وتُفتقد حيث نهاك، فمن حقّقها بهذا المعنى، فهنيئًا له.
ثمار التقوى
وللتقوى ثمارٌ لا تُحصى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ}، {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا}، {وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ}، {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ}، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا}، وبالتقوى يكون النجاة في الآخرة: {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}، {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا}، {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا}، {إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا}؛ فتأمّل كم ضيّعنا من رمضانات، وكم فوّتنا من فرص، فإذا أردتَ التقوى، وتعرّفتَ على قيمتها، وأدركتَ أنها الغاية التي من أجلها خُلقت، فاعلم أن رمضان هو الباب الأعظم، والطريق الأقرب، والموسم الذي لا يُعوَّض.- كيف يعالج الصيام أمراض القلوب الخفيّة؛ كالعُجب، والرياء، وقسوة القلب؟
- حسبُنا في الجواب قولُ الله -تعالى- في الحديث القدسي: «كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصوم، فإنّه لي وأنا أجزي به»؛ وذلك لأن الصيام من أقرب العبادات إلى الإخلاص، وأشدّها اتصالًا باستشعار المراقبة الإلهية؛ إذ هي عبادةٌ سرّية، يستطيع المرء - لو شاء - أن يُغلق الأبواب، ويأكل ويشرب ويفعل ما يريد، ولكنّه لا يفعل؛ لأن قلبه استيقن أن الله عليه رقيب، وأنه مطّلع عليه، لا يخفى عليه منه شيء.
حقيقة التعبد بأسماء الله
وقد بيّن السلف أن حقيقة التعبّد بأسماء الله وصفاته تكون بمقتضاها؛ فإذا علمت أن من أسمائه -سبحانه-: الغفور والغفّار، فعبادتك له بذلك أن تغفر لإخوانك، وأن تستر زلاتهم، طلبًا لمغفرته لك؛ فالغفران سترٌ وتغطية، وهو عملٌ عظيمٌ تتقرّب به إلى الله وإذا علمت أن من أسمائه -سبحانه-: العفو، وأنه يحب العفو، فإن تعبّدك له بهذا الاسم أن تمارس العفو الحقيقي؛ والعفو أوسع من المغفرة؛ إذ هو محو الأثر بالكلية، فلا تعاتب، ولا تذكّر، ولا تُؤنّب؛ بل تمحو الإساءة من قلبك؛ رجاء أن يعفو الله عنك؛ ولذلك لما سألت عائشة -رضي الله عنها- النبي -صلى الله عليه وسلم - فقالت: «يا رسول الله، إن وافقتُ ليلة القدر، فماذا أقول؟ قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبّ العفو فاعفُ عني».- كيف نرجو العفو، ونحن لم نتخلق به؟ وما علاقة هذا بأمراض القلوب؟
- إن العبد حين يعلم أن الناس أهلُ ذنوبٍ وزلّات، وأنه هو نفسه صاحب تقصيرٍ وخطأ، فإذا غفر وعفا تقرّبًا إلى الله، وطمعًا في مغفرته وعفوه، عاش في مقام الانكسار والافتقار، وسقط من قلبه الكِبر، وانتُزع منه العُجب، ولم يبقَ للغرور سبيل، وهكذا يكون الصيام، إذا فُهمت مقاصده، وعيشت معانيه، دواءً شافيًا لأمراض القلوب الخفيّة، ومفتاحًا لتزكية النفوس، وإحياء القلوب.
لاتوجد تعليقات