النيّة الصادقة في أعمال اليوم والليلة
- النية هي روح العمل، ومفتاح القبول، وهي التي ترفع المباحات إلى مرتبة القربات، وفي المقابل، قد تُسقط النية الفاسدة العمل الجليل من ميزان الأجر
- ابدأ كل عمل بسؤال نفسك: «لمن أعمل؟ وما هدفي من ذلك؟»؛ فإن مثل هذه الوقفة القلبية تعيد ترتيب الدوافع الداخلية وتصفّيها من شوائب العادة أو الرياء
في عالمٍ يتسم بالسرعة والتنافس نحو الإنجاز والكسب المادي، يغفل كثيرون عن أن قيمة العمل في الإسلام لا تُقاس بحجمه ولا بظاهره فحسب؛ بل بنيّته وقصده؛ وذلك لأن القلب في ميزان الشرع هو الأصل، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فالنية روح العمل، ومفتاح القبول، وهي التي ترفع المباحات إلى مرتبة القربات، وفي المقابل، قد تُسقط النية الفاسدة العمل الجليل من ميزان الأجر مهما بدا في أعين الناس عظيماً.
أولاً: مفهوم النية ومكانتها في الدين
النية في اللغة تعني القصد، وفي الاصطلاح الشرعي: العزم على الفعل تقرّبًا إلى الله -تعالى-. قال النووي -رحمه الله-: «النية تميز العبادات عن العادات، وتبين المقصود من العمل، وهل هو لله أم لغيره؟». وقد جعلها النبي - صلى الله عليه وسلم - أصلًا في كل عمل حين قال: «إنما الأعمال بالنيات.».. ولذلك ابتدأ به الإمام البخاري صحيحه، وذلك في إشارة إلى أن صحة العلم والدعوة وكل عبادة لا بد أن تبدأ من النية الصالحة؛ فالنية بمنزلة (البوصلة) التي تحدد الاتجاه، إن استقامت استقام المسار، وإن انحرفت ضلّ الإنسان عن المقصد والهدف.ثانياً: أنواع النيات ودرجاتها
يمكن تصنيف النية إلى درجات تتفاوت في الأجر والمنزلة:- النية الواجبة: وهي شرط لصحة العبادات مثل الصلاة والصوم والزكاة.
- النية المستحبّة: وهي ما يُراد بها مضاعفة الأجر في المباحات، كالأكل بنية التقوّي على الطاعة.
- النيّة المحرّمة: كمن يعمل العمل رياءً أو سمعة، قال الله -تعالى-: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف:110)؛ فالنية ليست مجرّد فكرة؛ بل مِحكّ للصدق ومجال للمجاهدة الدائمة.
ثالثاً: كيف تحول العمل المباح إلى عبادة
- استحضار النية قبل العمل
- تجديد النية أثناء العمل
- تحويل العادات إلى عبادات
- التوبة وتصحيح القصد بعد الخطأ
رابعاً: مجالات الحياة التي يمكن تحويلها إلى عبادة
- الأسرة والتعامل المنزلي:
- العمل والدراسة:
- العلاقات الاجتماعية:
- الجد والاجتهاد في العمل المهني:
خامساً: علامات صدق النية
- الثبات عند الغفلة والفتنة: فصاحب النية الصادقة لا يبدّل ولا ينتظر المديح.
- الفرح بالعمل الصالح لا بالثناء: ودليله الاستمرار في الخير ولو خفي عن الناس.
- الخوف من الرياء والحذر من المظاهر: لأن الرياء آفة خفية حذّر منها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر: الرياء» (رواه أحمد).
سادساً: آثار النية الصالحة في حياة المسلم
- اتساع دائرة الأجر: فالثواب لا يرتبط بالقدرة المادية فقط؛ بل بنيّة القلب، كما ورد: «إن بالمدينة رجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم؛ حبسهم العذر» (رواه البخاري).
- السكينة والطمأنينة: إذ يعيش المسلم مطمئن القلب، حين يعلم أن كل جهده يقع في ميزان الحسنات؛ ولذلك ينبغي تربية النفس على الإخلاص والزهد في الثناء الدنيوي، والحرص على تحقيق معنى العبودية العامة لله في كل لحظة من الحياة.
سابعاً: وسائل عملية لتحقيق النية الصالحة
- كثرة الذكر والدعاء: أن يقول المرء: اللهم اجعل عملي كله صالحًا، ولوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا.
- صحبة الصالحين: فالنفس تتأثر برفقة أهل الصلاح والاستقامة.
- قراءة سير الصالحين والسلف: لتتعلّم كيف جاهدوا في تصحيح نياتهم.
- تدوين المقاصد: قبل المشاريع أو الأعمال الكبيرة، ليحاسب الإنسان قلبه لاحقًا.
النية... سرّ السعادة وميزان القبول
إذا أدرك المسلم أن لحظاته كلها يمكن أن تكون مجالاً للأجر بصدق النية، فإنه بذلك تتغير رؤيته للحياة؛ فلم تعد العبادة محصورة في المسجد؛ بل صارت تشمل المكتب، والبيت، والطريق، والمطبخ، والميدان، وبذلك تتحول الحياة كلها إلى رحلة قرب من الله، يسير فيها المؤمن بخطى ثابتة، يدخل يومه بالنية الصالحة ويختتمه باليقين أن الله لا يضيع أجر المحسنين؛ فليكن شعارك ودعاؤك كل صباح: «اللهم اجعل نيتي في هذا اليوم خالصةً لوجهك الكريم، واجعل كل عملٍ لي فيه نصيبٌ من رضاك».خلاصة القول:
إن من أعظم نعم الله على هذه الأمة، أن جعل النية الصادقة مفتاحاً للأجر، وجعل الحياة كلها ساحةً للعبادة، فمن أراد أن يربح في دنياه وأخراه، فليصلح قصده، وليجعل قلبه متوجهاً إلى الله في كل حركة وسكون؛ فبالنية تحيا الأعمال، وبالإخلاص تدوم البركات، وبصدق التوجه تُكتب للعبد تجارة مع الله لا تعرف الخسارة؛ فالنية ليست مجرد خاطر عابر؛ بل هي توجّه القلب وقصدُه، وبها يتحول المباح إلى عبادة، والعادة إلى قربة، والعمل الدنيوي إلى زادٍ أخروي؛ لأن الله -تعالى- لا ينظر إلى صور الأعمال ولا إلى كثرتها، وإنما ينظر إلى القلوب ومقاصدها، قال -سبحانه-: {لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ} (الحج: 37)، والإخلاص روح العمل، وبغيره يذهب الأجر ولو عظم الجهد، قال -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} (البينة: 5).
لاتوجد تعليقات