النســـب.. وتأثيـــره
ينسب المولود لأبيه، وتكون لديه أسرة وعائلة وقبيلة يعتز بها ويفتخر، ويؤدي من خلالها صلة الأرحام، وأهمل كثير من الآباء تسجيل أبنائهم بحجة الجهل وأنهم معروفون، ولا يعلمون ماذا سيحدث مستقبلا!! ولما توفي الآباء ضاع الأبناء وتاهوا في البحث عن أنسابهم، فبدأت الاكتشافات العلمية في مجال الخارطة الجينية للبشر، والهندسة الوراثية، وفهم الخلية الجسدية وما يتعلق بكيان الإنسان وتركيبة مكوناته، ونسبه .. قال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} (فصلت:53).
فالمطلوب أن يقوم كل إنسان بصيانة نسبه، ويحرم عليه الادعاء لغير أبيه، وأن يحافظ عليه، ويكره أن يقدح في نسبه حتى تستقر الأسر والمجتمعات، ويقطع دابر الفتن وإشاعة الفواحش.. ولهذا شرع الله الزواج وجعله المسلك الوحيد الذي تباح فيه المخالطة بين الرجل والمرأة، ومن ثم يحصل بينهما التناسل، ويكون الأولاد محل النسب، وأبطل الإسلام النظم الفاسدة والعادات الجاهلية التي لا تقوم على أساس شرعي صحيح لإثبات النسب ونفيه كالتبني والخلع، وشرع أحكاماً جديدة صيانة للنسب من الاختلاف والضياع لتشريع العدة وتحريم القذف!!.
قال تعالى: {وهو الذي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} (الفرقان54)، وأبطل نظام التبني، قال تعالى: {ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ ۚ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ} (الأحزاب-5)، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: «أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب» (رواه البخاري).. ولما جاء الرجل بزكاة قومه للنبي صلى الله عليه وسلم يقول، سأله من الرجل؟ فقال عكراش بن ذؤيب، قال: «ارفع في النسب». قال عكراش فانتسب له إلى مرة بن عبيد، وقال به: هذه صدقة مرة بن عبيد، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول، وقال: «هذه إبل قومي، هذه صدقات قومي».
فعندما نتعلم النسب فذلك ليس للتفاخر والقطيعة والقدح بالآخرين، بل لصلة الأرحام، لحديث: «تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحاكم» رواه أحمد.. ولنعرف المحرمات من النساء في الزواج، فالأقارب من جهة الأب، والأقارب من جهة الأم.
والخطورة في النسب هو الكفر واللعن والفضيحة على رؤوس الخلائق، ففي الحديث: «ليس منا رجل ادعى لغير أبيه هو يعلمه إلا كفر» أخرجه مسلم في الإيمان، وحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم يقولقال حين نزلت آية الملاعنة: «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم، فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله الجنة، وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله عنه، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين» (رواه الشيخان في اللؤلؤ والمرجان، كتاب الإمارة).
ويقول الآمدي – رحمه الله –: «فلأن حفظ النسب إنما كان مقصودًا الأجل حفظ الولد حتى لا يبقى ضائعا لا مربي له، فلم يكن مطلوبا لعينه وذاته بل لأجل بقاء النفس مرفهة منعمة حتى تأتي بوظائف التكاليف وأعباء العبادات» (الأحكام في أصول الأحكام ص288 الجزء 4).
- أهم المستجدات البصمة الوراثية بعد ثبوت حقيقتها العلمية فهي تعد دليلا قاطعا على تحريم الأبوة، وميزانا لصحة الأخذ بأدلة إثبات النسب الأخرى، كالفراش والإشهاد والإقرار؛ بحيث إذا تعارض دليل من أدلة إثبات النسب مع نتيجة البصمة القطعية كان هذا دليلا على عدم صحة ذلك الدليل؛ فيكون ذلك مانعا من العمل به.
- ولا يجوز شرعا اللجوء إلى البصمة للتأكد من الأنساب المستقرة إذا لم يكن هناك ما يستدعي؛ لما فيه من التشكيك في أنساب الناس وأعراضهم، ولكونه سببا لإثارة الفتن وإشاعة الفواحش المنهي عنها، كما أنه لا مانع من الأخذ بالبصمة وإشاعة العمل بها للتحقق من أنساب المواليد الجدد.
- كما يحرم ما يسمى الإنجاب بطريق الأم البديلة التي تأخذ بويضة الأم والأب وتوضع في رحم أم أجنبية، وإن وافقت وسمحت بعض الدول باستخدامه، فيبقى محرماً، لاشتماله على الكثير من المفاسد التي تخالف مقاصد الشريعة وأصولها العامة.
- ولا يجوز شرعا استنبات الجنين المجمد الصادر عن الزوجين بعد وفاة الزوج وإن كان ذلك في رحم الزوجة؛ لأن الموت يفصم العلاقة الزوجية بين الزوجين؛ وبما يفضي ذلك إلى مفاسد حرص الشرع على منعها.
- لا يجوز شرعا غرس الأعضاء التناسلية التي لها دور في نقل الصفات الوراثية للإنسان، وهي التي تعرف بالغدد التناسلية، كالمبيض عند المرأة، والخصية عند الرجل؛ لأن غرسها بمنزلة خلط بين أجنبيين وعليه فإن نسب المولود يتبع الشخص المتبرع لا الشخص المتلقي.
- يجوز الاستعانة بقرينة الحساب في ضبط الحمل، وتاريخ النكاح.
نسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان.
لاتوجد تعليقات