الموت حقّ
اقتضت سنّة الله الكونيّة أنه لا دائم في الحياة الدّنيا إلاّ وجه الله الكريم: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (الرحمن:26-27).
وإنّما جعل الله الدنيا مزرعة للآخرة يقول تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} (هود:7).
والابتلاء هو الاختبار فيما أنزل الله من كتب، وما بعث من رسل على عباده، وبما بيّن الله سبحانه لعباده، من خيرٍ وشر، وما أوجد في عباده من عقول يميّزون بها الحقّ من الباطل.
فكفى بالموت واعظاً، وزاجراً عن التمادي في الباطل؛ حيث يتخطّف الناس جماعات ووحداناً، ولا يتفّطر إلاّ مَنْ ملأ الإيمان قلبه، وإن باب الموعظة ما يأتي عند بعض أئمة المساجد، في خطبة الجمعة، للعظة والتذكير: «واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطّاكم إلى غيركم، وسوف يتخطّى غيركم إليكم، فخذوا حذركم».
وإن النسيان من الخصال التي خُلِقَتْ مع الإنسان كما قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلاَ لنسيه
ولا القلب إلاّ أنّه يتقلّب
ذلك أننا عندما نقف عند ذكر الموت، سواء ما قيل فيه وما حقيقته، عندما يصيب شخصاً عزيزاً، فإنه يُحْدِثَ ألماً وحزناً لفراقه، وتذكيراً للموت وما بعده، وواجبنا أنّ نتذكّر هذا المصير الذي سيتجرّع الناس مرارته، ويخفف الوطأة بعرض هذا المصير أمام أعيننا بالعمل الذي فرضته علينا تعاليم الإسلام؛ حيث أعطانا رسول الله [ جَرْعَةً لدواء القلوب: «اذكروا محاسن موتاكم»؛ لأنه جعل الموت موعظة: «كفى بالموت واعظا».
وحتى يرتبط المسلم بأخيه في العقيدة، جاء احترام الميّتْ بدفنه والصّلاة عليه، والدعاء له، ولاسيما ساعة الدّفن؛ لأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حثّ على ذلك حتى لا تنقطع الصّلة، فقال: «ادعوا لأخيكم فإنّه الآن يُسأل»، والدعاء والصدقات والأعمال الحسنة، من القُرُبات التي لا ينقطع أثرها، وهذا من محاسن دين الإسلام، ومن الرأفة والرحمة التي جعلها الله في قلوب أهل الإسلام خاصّة.
وأخونا أبومعاوية: عبدالله بن خلف السبت، -رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه جنة الخلد-، قد عرفته منذ زمن، وكان صادقاً في محبته وألفته، عفّ اللسان ولا يرمي بهمومه على الآخرين، بل هو مع طموحه راض بما قسم الله له.
وكان أول لقاء بيني وبينه في بيروت، عندما كنت أدرس وأطلب العلم التربويّ، في المعهد أو المركز الإقليمي، وفي وقتها كنت حديث عهد بالعمل التربويّ والتّعليميّ.
وكان اللقاءً الأول والتّعارف الأخويّ، في مكتب ومكتبة الشيخ: زهير شاويش، من رجال سوريا الذين هربوا منها بعد الثورات، فكان لقاء أخوياً، تعارفت به القلوب، وتمازجت الأفئدة والأرواح.
فعرفت في أبي معاوية، الوضوح ودماثة الخلق، وتقارب الرؤى، وكان الشيخ زهير قد نقل مكتبته الضخمة، وبعضها إرث من والده؛ لأن الجو في سوريا قد تغيّر، فكان هذا اللقاء الأول الذي كان طابعه دينيّا بحثيّا، وأبو معاوية قد بان لي من ذلك اهتمامه بالكتب والبحث العلمي، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: «الأرواح جنود مجنّدة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، فتآلفت القلوب من ذلك الوقت لله وفي الله، ولم يدخل فيها حبّ الدنيا والتكاثر، فكان كلّما مرّ بالمملكة أول ما يبدأ بلقائي، وزرته مرّة في الكويت.
وكان واضحاً في حديثه، مؤدباً في عرضه للأمور، صادقاً في عاطفته الدّينيّة مع تحسّسه آلام المسلمين في كل مكان، وكان يعرض عليّ بعض الأمور التي تحتاج الشفاعة.
فكانت رابطة الدّين هي الوشيجة فيما بيننا وبينه، تعاون وألفة وأخوّة، بدون تبادل مصالح.
لأنّ الحديث الذي يدور بيننا مشافهة أو بالهاتف، عن تمكين هذه الوشيجة، من منطلق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يدعو فيه إلى تمكين هذه الوشيجة: «من لم يهتم بأمور المسلمين فليس منهم»؛ لأنّ رابطه الإيمان أقوى من رابطة النّسب، يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ}، والقاسم الأعظم في هذه الأخوة هو أمر الله بالتقوى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الحجرات:10).
فقد طلب إلىَّ أن ينشر بعض كتبي الصّغيرة، ولاسيما كتابي: «تصحيح خطأ تاريخي حول الوهابيّة» الذي تحمس له حسب موضوعه بالدفاع عن السّلفية، عندما كان في الكويت، فأذنت له دون مقابل... وقد طبع هذا الكتاب لأول مرّة في تطوان بالمغرب عام 1407هـ.
وكنت وقتها لم أنتقل للعمل لدى سماحة المفتي الشيخ عبدالعزيز، أو في بدايتها؛ حيث أحبّ التّعرف وزوّدني بمعلومات شخصيّة عن نفسه، دوّنتها فأحبّ سماحتُهُ -رحمه الله- مقابلته... ثم توطّدت الصّلة بينهما وطالما تناول الطعام عند الشيخ في مكة أو الرياض والطائف... -رحمهما الله- وجمع بينهما في مستقر رحمته وجنته وإنّ المرء مع من أحبّ... حيث ارتاح له الشيخ كثيراً، وقد تابعت الجلسات معه والشيخ والأسئلة؛ لأنّ أكثر حديثهما رحمهما الله كان عن أخبار العالم الإسلامي، وهموم المسلمين، في كلّ مكان، ومع ذلك لم يتناول شيئاً غير الحديث عن العلماء الذين يعرفهم الشيخ عبدالله، والحديث في الكتب مطبوعة ومخطوطة، وما يُنْشَرُ عن أوضاع المسلمين وأخبارهم التي تذاع في كلّ مكان، وتهمّ كل مسلم، ومنها المؤلم الذي يقابل بالدعاء لعل يفرّج كربات المسلمين أينما حلوّا.
لكنّ الإنسان لا يملك إلاّ التوجّع والدعاء، وكان الشيخ ابن باز -رحمه الله- يستأنس برأي الشيخ عبدالله في ترشيحه وتزكيته لبعض الدعاة في العالم، على حساب الشيخ ابن باز رحمه الله.
ومن أدب الشيخ عبدالله خلف السبت، وحُسنِ خُلُقه وطيب مجلسه، أنني لم ألمس منه تناولاً، ولم أعرف أنّه تناول سيرة أحد بالقدح أو عرضها، أو تزلّفاً بالمديح، ولم يَشْكُ إليه أو يطلب وساطة فيما أعلم لكنّه يملك التّوجع لحالات بعض الأفراد، الذين يبثّون شكواهم إليه، ويُفْصِحُ بذلك، وقد أبدى لي نوعاً من ذلك، وعرضتها على سماحة الشيخ غفر الله لهما، فأعان الشيخ بما يملكه، آخذاً من قول الشاعر:
فلابدّ من شكوى إلى ذي مروءة
يواسيك أو يسليك أو يتوجّع
والتوجع كان يعبر عنه بالدعاء بما فيه الخير للمسلمين أفراداً أو جماعات.
وأعرف عنه عفّة اللسان في شؤونه الخاصة مما يرغّب الناس فيه ومحبّته؛ تطبيقاً لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، للرجل الذي سأله عن عمل: يحبّني الله، ويحبّني الناس فقال له: «ازهد في الدنيا يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبّك الناس».
ورغم ما يمرّ به من أزمات، ومشكلات، فإننّي لم ألحظ عليه تبرماً ولا شكوى، اللهم إلاّ مشكلة الجنسية، فهو لم يرم مشكلاته على الآخرين، بل يتحمّلها في نفسه، وقد علمت أنّها انحلّت وفق ما كان يرجو، إلا أن المرض قد داهمه، ولكن أولاده جعل الله فيهم الخير، هم الذين سينعمون بذلك لانشغاله بالمرض وقِصَر المدّة.
ونرجو من الله له الفوز برضوان الله وجنته، التي عرضها السّموات والأرض، أعدّتْ للمتّقين، وأنْ يكون مع الفائزين بهذا... وأنْه يكون ممن رضي الله عنهم في عملهم، وأثابه بما يثيب عباده المخلصين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وأن يجعل في عقبه وذرّيته خير خلف لخير سلف... والحمد لله رب العالمين.
على قَدَرِ الأحزانِ تَجري المَدامِعُ
وتأتي الرَّزايا مُظلمـاتٌ بَواقِعُ
ويَنسى فؤادُ المَرءِ ما كان قَبْلها
ويَبْقى حَريصُ القومِ للسنِّ قارعُ
ويَشتَدُّ فينا الحُزنُ حتى يَمَلَّنا
ويَنجابُ ما ينجابُ بل هو راجعُ
إذا ما قضى الرحمنُ أمراً فإنَّما
هو القَـدَرُ المحتـومُ لا شكَّ واقِعُ
فلا شِدَّةٌ تأتي وإن تَـكُ ذَرةٌ
لهـا دونَ ربِّ العرشِ أيدٍ تُمانِعُ
مَضى قَدَرُ الرحمنِ فيـنا فَعَمَّنا
فأينَ يكونُ الجاهُ ما ذاكَ نـافعُ
خَضَعْنـا لأمرِ اللهِ واللهُ غالبُ
وليس لأمرِ اللهِ إن جـاءَ مـانعُ
لَهُ الحُكمُ في الدنيا على كُلِّ نَسْمَةٍ
وما ثَمَّ في الأخرى خَليلٌ وشافعُ
سوى صَفْوَةِ الخِلاّنِ كان ولاؤُهم
على السُنَنِ اللائي اجتَبَتْها الشَّرائعُ
رُزِئنا بِفَقْدِ السَّبتِ شيخاً مُعَلِّماً
أصاخَتْ له في الخيرِ مِنّا المَسامِعُ
قضى في كتابِ اللهِ والسُنَنِ التي
أتَتْ عن رسولِ اللهِ دَهراً يُقارِعُ
ويَدعو إلى التَّوحيدِ في كُلِّ مَحْفَلٍ
ومَنْ عَلَّمَ التَّوحيدَ لا شَكَّ ضالِعُ
وما كان هَيّاباً شَحيـحاً بِنَفسِهِ
إذا جاءَ مكروهٌ من الأمرِ هالِعُ
يَرُدُّ على الباغينَ من كُلِّ نِحْلَةٍ
ويَصْرَعُهُم بالحقِّ والحَقُّ صارِعُ
وتَلقاهُ طُولَ اليـومِ للعلمِ ناشِراً
وفي سُرَرٍ بالليـلِ تالٍ وراكعُ
لقد زارَنا أيّـامَ كُنّا شَبيـبَةً
وحَبَّبنا في الشّيـخِ مِنهُ التَّواضُعُ
وجـالَسَنا لأْياً لِيَروي شُجونَهُ
وليس كَمَن تُغريهِ فينا المَطامِعُ
وَعَظْتَ وَربّي واجْتَهَدْتَ وإنَّما
يفوزُ بإذنِ اللهِ من هوَ طائِعُ
عليـك سلامُ الله في كُلِّ لحظةٍ
بِعَدِّ نُجُومِ الليـلِ وهي لَوامِعُ
وأستودِعُ الرحمـنَ خِلاًّ فَقَدْتُهُ
فَـثَمَّ وَرَبِّي لاتضيـعُ الودائعُ
كهلان عبدالله الجبوري
لاتوجد تعليقات