الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية – تطبيقات عملية للموازنات بين المصالح والمفاسد
ما زال الحديث مستمرًا حول الموازنات بين المصالح والمفاسد في السياسة الشرعية، وقد ذكرنا أن تقدير المصالح والمفاسد ليس أمرًا هينًا؛ لأنه منضبط بضوابط الشَّرع ونصوصه وقواعده، ولا يصلح أن يقوم به إلا أهل العلم الأثبات، الذين عرفوا نصوص الكتاب والسنة، ودرسوا مقاصد التشريع الإسلامي، وميَّزوا بين أولويات الأحكام، وعرفوا خير الخيرين وشرَّ الشرَّين، وقد تحدثنا في الحلقات الماضية عن بعض القواعد التي لها علاقة بالمصالح والمفاسد والموازنة بينهما، واليوم نتحدث عن تطبيقات عملية للموازنات بين المصالح والمفاسد.
الموازنة بين المصالح والمفاسد في الدعوة والبيان
يقول شيخ الاسلام: «إنَّ مِنْ الْمَسَائِلِ مَسَائِلَ جَوَابُهَا السُّكُوتُ كَمَا سَكَتَ الشَّارِعُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَنْ الْأَمْرِ بِأَشْيَاءَ وَالنَّهْيِ عَنْ أَشْيَاءَ حَتَّى عَلَا الْإِسْلَامُ وَظَهَرَ، فَالْعَالِمُ فِي الْبَيَانِ وَالْبَلَاغِ كَذَلِكَ؛ قَدْ يُؤَخِّرُ الْبَيَانَ وَالْبَلَاغَ لِأَشْيَاءَ إلَى وَقْتِ التَّمَكُّنِ كَمَا أَخَّرَ اللَّهُ -سبحانه- إنْزَالَ آيَاتٍ وَبَيَانَ أَحْكَامٍ إلَى وَقْتِ تَمَكُّنِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - تَسْلِيمًا إلَى بَيَانِهَا، يُبَيِّنُ حَقِيقَةَ الْحَالِ فِي هَذَا أَنَّ اللَّهَ -تعالى- يَقُولُ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا}.
الحجة على العباد
وَالْحُجَّةُ عَلَى الْعِبَادِ إنَّمَا تَقُومُ بِشَيْئَيْن: بِشَرْطِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعِلْمِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَالْقُدْرَةِ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ، فَأَمَّا الْعَاجِزُ عَنْ الْعِلْمِ كَالْمَجْنُونِ أَوْ الْعَاجِزِ عَنْ الْعَمَلِ فَلَا أَمْرَ عَلَيْهِ وَلَا نَهْيَ وَإِذَا انْقَطَعَ الْعِلْمُ بِبَعْضِ الدِّينِ أَوْ حَصَلَ الْعَجْزُ عَنْ بَعْضِهِ: كَانَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْعَاجِزِ عَنْ الْعِلْمِ أَوْ الْعَمَلِ بِقَوْلِهِ كَمَنْ انْقَطَعَ عَنْ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الدِّينِ، أَوْ عَجَزَ عَنْ جَمِيعِهِ كَالْجُنُونِ مَثَلًا وَهَذِهِ أَوْقَاتُ الْفَتَرَاتِ، فَإِذَا حَصَلَ مَنْ يَقُومُ بِالدِّينِ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَوْ الْأُمَرَاءِ أَوْ مَجْمُوعِهِمَا، كَانَ بَيَانُهُ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ شَيْئًا فَشَيْئًا بِمَنْزِلَةِ بَيَانِ الرَّسُولِ لِمَا بُعِثَ بِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - لَا يُبَلِّغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَلَمْ تَأْتِ الشَّرِيعَةُ جُمْلَةً كَمَا يُقَالُ: إذَا أَرَدْت أَنْ تُطَاعَ فَأْمُرْ بِمَا يُسْتَطَاعُ.
الْمُجَدِّدُ لِدِينِهِ وَالْمُحْيِي لِسُنَّتِهِ
ويضيف، فَكَذَلِكَ الْمُجَدِّدُ لِدِينِهِ وَالْمُحْيِي لِسُنَّتِهِ لَا يُبَالِغُ إلَّا مَا أَمْكَنَ عِلْمُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ كَمَا أَنَّ الدَّاخِلَ فِي الْإِسْلَامِ لَا يُمْكِنُ حِينَ دُخُولِهِ أَنْ يُلَقَّنَ جَمِيعَ شَرَائِعِهِ وَيُؤْمَرَ بِهَا كُلِّهَا، وَكَذَلِكَ التَّائِبُ مِنْ الذُّنُوبِ؛ وَالْمُتَعَلِّمُ وَالْمُسْتَرْشِدُ لَا يُمْكِنُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنْ يُؤْمَرَ بِجَمِيعِ الدِّينِ، وَيُذْكَرَ لَهُ جَمِيعُ الْعِلْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُطِيقُ ذَلِكَ وَإِذَا لَمْ يُطِقْهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْحَالِ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا لَمْ يَكُنْ لِلْعَالِمِ وَالْأَمِيرِ أَنْ يُوجِبَهُ جَمِيعَهُ ابْتِدَاءً، بَلْ يَعْفُوَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بِمَا لَا يُمْكِنُ عِلْمُهُ وَعَمَلُهُ إلَى وَقْتِ الْإِمْكَانِ كَمَا عَفَا الرَّسُولُ عَمَّا عَفَا عَنْهُ إلَى وَقْتِ بَيَانِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ إقْرَارِ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكِ الْأَمْرِ بِالْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ وَالتَّحْرِيمَ مَشْرُوطٌ بِإِمْكَانِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، وَقَدْ فَرَضْنَا انْتِفَاءَ هَذَا الشَّرْطِ، فَتَدَبَّرْ هَذَا الْأَصْلَ فَإِنَّهُ نَافِعٌ. وَمِنْ هُنَا يَتَبَيَّنُ سُقُوطُ كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَإِنْ كَانَتْ وَاجِبَةً أَوْ مُحَرَّمَةً فِي، الْأَصْلِ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْبَلَاغِ الَّذِي تَقُومُ بِهِ حُجَّةُ اللَّهِ فِي الْوُجُوبِ أَوْ التَّحْرِيمِ فَإِنَّ الْعَجْزَ مُسْقِطٌ لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فِي الْأَصْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ». (مجموع الفتاوى ج20ص48 /61).
الموازنة بين المصالح والمفاسد في تولى الولايات العامة والخاصة
قد تكون الموازنة بين الصالح والأصلح، وقد تكون بين الظالم والأظلم، أو الفاسد والأفسد، فينبغي معرفة بعض الأمور منها:
الدولة وقوتها
- أولاً: ينبغي أن يعلم أن الدولة وقوتها في ظل سلطان ظالم، خير من انهيارها بلا سلطان، يقول شيخ الاسلام: «وَلِهَذَا اسْتَقَرَّ فِي عُقُولِ النَّاسِ أَنَّهُ عِنْدَ الْجَدْبِ يَكُونُ نُزُولُ الْمَطَرِ لَهُمْ رَحْمَةً وَإِنْ كَانَ يَتَقَوَّى بِمَا يُنْبِتُهُ أَقْوَامٌ عَلَى ظُلْمِهِمْ، لَكِنَّ عَدَمَهُ أَشَدُّ ضَرَرًا عَلَيْهِمْ، وَيُرَجِّحُونَ وُجُودَ السُّلْطَانِ مَعَ ظُلْمِهِ عَلَى عَدَمِ السُّلْطَانِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُقَلَاءِ سِتُّونَ سَنَةً مِنْ سُلْطَانٍ ظَالِمٍ خَيْرٌ مِنْ لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِلَا سُلْطَانٍ. ثُمَّ السُّلْطَانُ يُؤَاخَذُ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ الْعُدْوَانِ وَيُفَرِّطُ فِيهِ مِنْ الْحُقُوقِ مَعَ التَّمَكُّنِ».
تولى الولايات
- ثانيًا: جواز تولى الولايات مع عدم التمكن من أداء بعض الواجبات وترك المحرمات إذا كان في تركها تمكين غيره ممن يضيع من الواجبات ويرتكب من المحرمات ما هو أكثر يقول شيخ الإسلام: «لَكِنْ أَقُولُ هُنَا: إذَا كَانَ الْمُتَوَلِّي لِلسُّلْطَانِ الْعَامَّ أَوْ بَعْضَ فُرُوعِهِ كَالْإِمَارَةِ وَالْوِلَايَةِ وَالْقَضَاءِ وَنَحْوُ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَا يُمْكِنُهُ أَدَاءُ وَاجِبَاتِهِ وَتَرْكُ مُحَرَّمَاتِهِ وَلَكِنْ يَتَعَمَّدُ ذَلِكَ مَا لَا يَفْعَلُهُ غَيْرُهُ قَصْدًا وَقُدْرَةً: جَازَتْ لَهُ الْوِلَايَةُ وَرُبَّمَا وَجَبَتْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ إذَا كَانَتْ مِنْ الْوَاجِبَاتِ الَّتِي يَجِبُ تَحْصِيلُ مَصَالِحهَا مِنْ جِهَادِ الْعَدُوِّ وَقَسْمِ الْفَيْءِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَأَمْنِ السَّبِيلِ: كَانَ فِعْلُهَا وَاجِبًا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِتَوْلِيَةِ بَعْضِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ وَأَخْذِ بَعْضِ مَا لَا يَحِلُّ وَإِعْطَاءِ بَعْضِ مَنْ لَا يَنْبَغِي؛ وَلَا يُمْكِنُهُ تَرْكُ ذَلِكَ: صَارَ هَذَا مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ أَوْ الْمُسْتَحَبُّ إلَّا بِهِ فَيَكُونُ وَاجِبًا أَوْ مُسْتَحَبًّا إذَا كَانَتْ مَفْسَدَتُهُ دُونَ مَصْلَحَةِ ذَلِكَ الْوَاجِبِ أَوْ الْمُسْتَحَبِّ بَلْ لَوْ كَانَتْ الْوِلَايَةُ غَيْرَ وَاجِبَةٍ وَهِيَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ظُلْمٍ، وَمَنْ تَوَلَّاهَا أَقَامَ الظُّلْمَ حَتَّى تَوَلَّاهَا شَخْصٌ قَصْدُهُ بِذَلِكَ تَخْفِيفُ الظُّلْمِ فِيهَا. وَدَفْعُ أَكْثَرِهِ بِاحْتِمَالِ أَيْسَرِهِ، كَانَ ذَلِكَ حَسَنًا مَعَ هَذِهِ النِّيَّةِ، وَكَانَ فِعْلُهُ لِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ السَّيِّئَةِ بِنِيَّةِ دَفْعِ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا جَيِّدًا. وَهَذَا بَابٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ، فَمَنْ طَلَبَ مِنْهُ ظَالِمٌ قَادِرٌ وَأَلْزَمَهُ مَالًا فَتَوَسَّطَ رَجُلٌ بَيْنَهُمَا لِيَدْفَعَ عَنْ الْمَظْلُومِ كَثْرَةَ الظُّلْمِ وَأَخَذَ مِنْهُ وَأَعْطَى الظَّالِمَ مَعَ اخْتِيَارِهِ أَلَا يَظْلِمَ وَدَفْعَهُ ذَلِكَ لَوْ أَمْكَنَ، كَانَ مُحْسِنًا، وَلَوْ تَوَسَّطَ إعَانَةً لِلظَّالِمِ كَانَ مُسِيئًا.وَإِنَّمَا الْغَالِبُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَسَادُ النِّيَّةِ وَالْعَمَلِ، أَمَّا النِّيَّةُ فَبِقَصْدِهِ السُّلْطَانَ وَالْمَالَ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَبِفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ وَبِتَرْكِ الْوَاجِبَاتِ لَا لِأَجْلِ التَّعَارُضِ وَلَا لِقَصْدِ الْأَنْفَعِ وَالْأَصْلَحِ، ثُمَّ الْوِلَايَةُ وَإِنْ كَانَتْ جَائِزَةً أَوْ مُسْتَحَبَّةً أَوْ وَاجِبَةً فَقَدْ يَكُونُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ الْمُعِينِ غَيْرُهَا أَوْجَبُ، أَوْ أَحَبُّ فَيُقَدَّمُ حِينَئِذٍ خَيْرُ الْخَيْرَيْنِ وُجُوبًا تَارَةً وَاسْتِحْبَابًا أُخْرَى. وَمِنْ هَذَا الْبَابِ تَوَلِّي يُوسُفَ الصِّدِّيقَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ لِمَلِكِ مِصْرَ بَلْ وَمَسْأَلَتُهُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَكَانَ هُوَ وَقَوْمُهُ كُفَّارًا كَمَا قَالَ -تعالى-: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ} الْآيَةَ وَقَالَ -تعالى- عَنْهُ: {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا».
قاعدة: في تعذر العدالة في الولايات
يقول العز بن عبد السلام: قاعدة: في تعذر العدالة في الولايات: إذا تعذرت العدالة في الولاية العامة والخاصة؛ بحيث لا يوجد عدل، ولينا أقلهم فسوقا وله أمثلة:
- المثال الأول: إذا تعذر في الأئمة فيقدم أقلهم فسوقا عند الإمكان، فإذا كان الأقل فسوقا يفرط في عشر المصالح العامة مثلا وغيره يفرط في خمسها لم تجز تولية من يفرط في الخمس فما زاد عليه، ويجوز تولية من يفرط في العشر، وإنما جوزنا ذلك؛ لأن حفظ تسعة الأعشار بتضييع العشر أصلح للأيتام ولأهل الإسلام من تضييع الجميع، ومن تضييع الخمس أيضا، فيكون هذا من باب دفع أشد المفسدتين بأخفهما.
- المثال الثاني: الحكام إذا تفاوتوا في الفسوق قدمنا أقلهم فسوقا؛ لأنا لو قدمنا غيره لفات مع المصالح ما لنا عنه مندوحة، ولا يجوز تفويت مصالح الإسلام إلا عند تعذر القيام بها، ولو لم يجز هذا وأمثاله لضاعت أموال الأيتام كلها، وأموال المصالح بأسرها. وقد قال الله -تعالى-: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}.
- المثال الثالث: إذا تعذرت العدالة في ولاية الأيتام فيختص بها أقلهم فسوقا فأقلهم؛ لأن حفظ البعض أولى من تضييع الكل، فإذا كان مال اليتيم ألفا وأقل ولاية فسوقا يخون في مائة من الألف ويحفظ الباقي لم يجز أن يدفع إلى من يخون في أكثر.
لاتوجد تعليقات