رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: طه محمد كسبه 30 أبريل، 2013 0 تعليق

الملحدون قادمون.. حصاد الثورة المر

 

 

وصل  عدد الملحدين في مصر إلى ثلاثة بالمئة، بما يقدر بحوالي  نيف ومليوني ملحد، وذلك وفقا لاستطلاع أجرته جامعة (إيسترن ميتشيجان) الأمريكية

زيادةِ الاتصال بالغربِ وتراثهِ، وانتشار موجةِ التغريبِ بينَ الناس، ظهرتْ بعضُ الدعواتِ الصريحةِ للإلحادِ وفتح  بابِ الرّدةِ، باسم الحريّةِ الفرديّةِ

 كنت قد انتهيت من الإعداد لدراسة عن الملحدين، وكيف أن الأرقام التي تم الإعلان عنها أثبتت أن قافلة الإلحاد حول العالم أصبحت تضم أكثر من مليار ومئتي  مليون ملحد يجوبون العالم، نسبة العرب فيهم  لا بأس بها، وقد دفعت بأولى حلقات هذه الدراسة إلى إحدى الدوريات العربية الموقرة منتظرا  نشره . 

     وما جعلني أصيح بعبارتي هذه، هي أنني قرأت تصريحًا صحفيًا لخبير طبي هو الاستشاري النفسي الدكتور ماهر صموئيل،  قال فيه محذرا : إن موجة إلحاد عاتية ستجتاح مصر الفترة القادمة، ناتجة عن تغيرات ما بعد الثورة والحداثة في المجتمع المصري، لافتا إلى أن عدد الملحدين في مصر وصل  إلى  3% وهو ما يقدر بحوالي  2.5مليون شخص، وذكر في ندوة: «المتغيرات الفكرية والنفسية لدى الشباب بعد الثورة ومسؤولية الكنيسة»، نحن نعبر منعطفا  حادا لم تمر به مصر من قبل، ولابد من حماية الشباب، ونحن نحتاج في الكنيسة أن نطور من أساليب التدريس الروحي، وعلينا أن نطور من أنفسنا لنلحق بهؤلاء الشباب، مضيفا بالقول: إن هناك تحولات فكرية ومنها الشك في المسلمات، وظهور شهوة جديدة للبحث عن الحق، كلها بدأت في السيطرة على العقل العربي، ولاسيما البلدان التي شهدت ثورات ومنها مصر.

     وتطرق إلى بعض استطلاعات للرأي، أجرتها مراكز دراسات عالمية أشارت إلى التغيرات التي يعيشها الشباب العربي في هذه الأيام، حيث كشفت مؤسسة «بورسن مارستلير» بنيويورك أنه قبل الثورة كانت نسبة من يشكون في القيم العقائدية صفراً بالمئة، بينما بعد الثورة وصلت نسبة من يشكون في المسلمات العقائدية  37  بالمئة، حتى وصل  عدد الملحدين في مصر لثلاثة بالمئة، بما يقدر بحوالي  نيف ومليوني ملحد، وذلك وفقا لاستطلاع أجرته جامعة «إيسترن ميتشيجان» الأمريكية،  وقد تصدرت  مصر  ـ في العام  2009ـ  قائمة الدول الأكثر تدينا في العالم  بنسبة 100 بالمئة وفقا لاستطلاع معهد جالوب الشهير، بينما في استطلاع آخر لنفس المعهد العام  2012 وصلت نسبة التدين   إلى 77بالمئة.

     وأسند الباحث النفسي هذه الدراسات التي شهدت تغيرات كبيرة بعد الثورة إلى كسر حاجز الخوف لدى الشباب الذي أصبح لا يهاب أي شيء، وبعضهم ما يزال  يبحث عن خبرة دينية جماهيرية عاطفية جمعية، وأنا أضم صوتي للباحث الذي نبهنا إلى خطر يداهم- ليس المصريين فقط- ولكن العرب جميعًا.

مفهوم الإلحاد:

الإلحادُ كما هو معلوم  يأتي على أحد  معنيين:

- أوّلهما: إنكارُ وجودِ الخالق ، والقولُ بأزليّةِ المادّةِ ، وأنّها خالقة  مخلوقة.

- ثانيهم: – وهو من إضافاتِ  الفيلسوف  أفلاطونَ - ثباتُ وجودِ خالق أو صانع، ولكنّه لا يُعنى بشيءٍ من حياةِ الخلق، فهو موجد للخلق، لكنّه ترك التصرّفَ في الكون، وتفرّغ في حياته المثاليّةِ.

     والإلحاد بالمعنى الوارد ذكره لم تعرفه البشرية منذ ولادتها إلا في العصور المتأخرة، فقد كان يوجدُ  البعض منهم وهم  من القلة بمكان، لا يجمعهم مذهبٌ، أو يُقيّدهم فكرٌ، وإنّما بحسبِ ما يَعنُّ للواحدِ منهم ويظهرُ، وقد كانوا يسمّون قديماً بالدهريينَ، وحكى الإمامُ الشهرستانيُّ في كتابهِ “ الملل والنِحَل “ أنّ الدهريينَ من كفّار مكّة وغيرها، كانوا أقلّ النّاس، وإنّما غلبَ على أهل مكّة وجزيرةِ العربِ الشركُ، وعبادة غير اللهِ معهُ، مع إثباتِ أنّهُ الخالقُ وحدهُ.

     ومع ظهور بوادر الإلحادِ، نشأتْ العديدُ من المدارس والمذاهبِ الفكريّةِ والاجتماعيّةِ، التي تصُبُ في مصبِّ الإلحادِ، وتستلهمُ منهُ مادّتها، وترسّخُ مبادئهُ، ومن أشهر تلكَ المذاهبِ والمدارس: الحداثة، والعلمانية والداورينية، والوضعية،  والوجودية، والشيوعية،  وبعض فرق الليبراليين، وغيرُ ذلك  من النظريّاتِ، سواءً ما كانَ منها علميّاً بحتًا، أم اجتماعيّاً، أثّرتْ أو تأثرتْ بالإلحادِ، وقامت بترسيخ   مفاهيمهِ، ودعتْ إليهِ.

حركات الإلحاد المنظّمة في العالم  العربيِّ:

     كما أن الحديث عن حركاتِ الإلحادِ المنظّمةِ في العالم  العربيِّ، وكذلكَ المُجاهرة  بهِ، وإعلانُهُ على الملأ، نشأ بعدَ منتصفِ القرن  التاسعَ عشرَ، حينما بدأ العالمُ الإسلاميُّ والعربيُّ يتّصلُ بالعالم  الغربيِّ، عن طريق  إرسالياتِ الدراسةِ، أو التدريبِ، وتسبّبَ ذلكَ في رجوع  مجموعةٍ من الطلاّبِ متأثّرينَ بالفكر الأوربيِّ الماديِّ، والذي كانَ يقومُ على أساس  تعظيم  علوم الطبيعةِ، ورفع شأن العقل، وكذلكَ تنحية  الدين والشرع عن حكم  الحياةِ والناس  وإدارةِ شئونهم.  

     ومع مرورِ الوقتِ، وزيادةِ الاتصال بالغربِ وتراثهِ، وانتشار موجةِ التغريبِ بينَ الناس، ظهرتْ بعضُ الدعواتِ الصريحةِ للإلحادِ وفتح  بابِ الرّدةِ، باسم الحريّةِ الفرديّةِ، بعدما كانت قاصرة على بعض النخب  هنا وهناك، وقد رصد غير باحث الكثير من القادة والرواد في مجالات الأدب والفكر والفن، من راح يدعو إلى الإلحاد،  ليس هنا مجال لذكر هؤلاء، لكن يمكن معرفتهم بسهولة من خلال دعواتهم وكتبهم وأفكارهم التي كانت تزين للمؤمنين ضلالات الإلحاد وغيره، وقد ظهرَ العديدُ من المفكّرينَ والأدباءِ، يدعونَ إلى التغريبِ والإلحادِ، وفتح بابِ الرّدةِ، باسم التنوير تارة ، وباسم النهضةِ الأدبيّةِ تارة أخرى، ومرّة باسم الحرّياتِ الفكريّةِ، وهي كما نعلم كلمات براقة، تغري صغار السن ومن يعانون من مشاكل في التربية وعلاقاتهم الأسرية والاجتماعية، ويجدون في مثل هذه الأفكار خلاصهم المزعوم.

     ويشير عدد غير قليل، إلى أن عددا من قادة الفكر في مصر وفي بقية بلدان العرب الذين عادوا من دراساتهم في أوروبا وامركيا عادوا وقد حملوا بذور الإلحاد تحت رايات الحداثة  والنهضة والتنوير وغير ذلك من الأسماء البراقة التي كانت تخفي بين ما تخفي  الدعوة إلى الإلحاد واللادينية . والذين أعملوا معاولَ الهدم والتخريبِ، في الأخلاق والدين، وأرادوا جعلَ المجتمعاتِ نماذجَ مكرّرة  من الدول  الأوربيّةِ المُنحلةِ الفاسدةِ، وحاولوا صُنعَ فجوةٍ بينَ العلم   والدين، وأوهموا أنّ الدينَ يُعارضُ العلمَ والواقعَ، ويقفُ دونَ الانطلاق  إلى آفاق   جديدةٍ ، ويُحرّمُ الإبداعَ ، ويدعو إلى الكهنوتيّةِ والتقوقع . وها نحن اليوم  وقد بات الأمر غاية في الخطورة والتأزم من  ازدياد أعداد قافلة  الإلحاد في مصر والعالم العربي .  

الإلحاد على موقع التواصل الاجتماعي:

     انتشرت مجموعات على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك مؤخرًا، لا تحمل دعوة للإلحاد فحسب.. بل هناك بعضها يقوم بدعوة الأشخاص الملحدين لإعلان إلحادهم وأسمائهم علانيةً، وهناك مجموعات شعارها «أنا ملحد»، بل والمدهش أن هناك صفحة شعارها: «أنا ملحد وأفتخر»!!.

• يقول  أحدهم: أرجو أن يأتي اليوم لأمارس حياتي ممارسة طبيعية بوصفه إنساناً ملحداً، يؤمن بالعلم والثقافة والأخلاق، بدلاً من التخفي وراء اسم مستعار على صفحات الإنترنت والانضمام لمجموعات وصفحات مغلقة وسرية.

• ويقول آخر: أنا لا أؤمن بالله، ولكن أؤمن بقدرات الإنسان والأخلاق، ورغم خوفي من التعرض لمضايقات من أهلي وزملائي والمجتمع ككل، كنت بالتأكيد أعلنت عن إلحادي، ولكنني الآن أكتفي بالدعوة للإلحاد عبر الفيس بوك من خلال صفحتي الشخصية، أو مجموعات الملحدين والمدونات الإلحادية، وكل أملي أن تتحقق مطالب الملحدين وهي الزواج المدني، وأن تعترف الدولة بالملحدين، وأن تُحذف خانة الديانة، ويصبح لدى الجميع الحق في نقد الأديان والدعوة للإلحاد.

• ويظهر أحد الذين أعلنوا عن إلحادهم بشكل علني، وقد أطلق عليه الملحدون «أسد الإلحاد» من خلال صفحته على الفيس بوك، وهو ملحد مصري، وله العديد من الفيديوهات المتداولة على موقع «اليوتيوب»، تشرح في أجزاء منها لماذا ألحد؟ ويطالب من خلال صفحته بإلغاء المادة الثانية من الدستور المصري؛ لأن مصر لكل المصريين للتخلص من الشوائب التي تضر بهوية مصر.

• وتتعدد الصفحات التي تدعو للإلحاد فمنها ما هو على مستوى الدول العربية، مثل: ملحدو الجزائر، وملحدو سوريا، وملحدو الأردن، وملحدو فلسطين، وبمصر ملحدين مصريين، وهي الصفحة الأشهر وتعتبر أكثر الصفحات انتشارًا وأهمية وخطورة من حيث المحتوى، وتتضمن العديد من الكتابات عن الإلحاد، والنقد في الأديان، والحديث عن أوضاع وحقوق الملحدين في مصر بعد ثورة 25 يناير، كذلك صفحات «ملحدون بلا حدود» و«جماعة الإخوان الملحدون» و«مجموعة اللادينين»، وتهدف لشرح الإلحاد والدعوة له وترفع شعار: «أنت ملحد.. إذن أنت وحيد.. فانضم إلينا»، و«شبكة الملحدون المصريون»، وهي شبكة مغلقة و«ملحدون ضد الأديان»، وهي تدعو لمبدأ لا إله إلا العقل، ولا رسول إلا الإنسانية، شعارات «ليس لنا رب لكن لدينا ضمير وأخلاق وعقل».

     وأخيرًا: أعتقد أننا جميعا في قارب واحد.. وقد بات المجاهرون بإلحادهم  كثيرين، ويفتنون المؤمنين، وقد تسلح هؤلاء بسلاح السياسة والتحضر وحقوق الإنسان وتحت رايات الأمم المتحدة، والمنظمات الدولية التي  باتت تضفى الغطاء السياسي والإنساني والحقوقي على مثل هؤلاء من المجاهرين  بالإلحاد تحت دعاوى حقوق  الفكر والعقيدة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك