رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: رامي عيد بحبح 2 أبريل، 2018 0 تعليق

المقومات التي تمتاز بها الأقليات المسلمة


قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(الحجرات:10)، تعد الأخُوَّة الإسلامية من أعظم مقومات تماسك الأقلية المسلمة, وما يميزها عن غيرها من التجمعات الأخرى بالدولة, هذه الأخُوَّة التي تجاوزت الاعتبارات والحدود كلها؛ فتآخى العربي, والفارسي, والرومي, والحبشي, حتى امتزجت الأرواح والقلوب.

 

لذلك فإن الأقليات المسلمة تمتلك من الإمكانيات العقائدية, والثقافية وغيرها التي إذا ما أحسنت توظيفها, وإعادة ترتيبها, وتنسيقها ستستطيع النهوض من كبوتها, وتتمثل المقومات التي تمتاز بها الأقليات المسلمة عن غيرها فيما يلي:

أولاً: القواسم المشتركة:

المشترك العَقَدي

     إن الاجتماع والوحدة غالباً لا تكون إلا من أجل المصالح المشتركة، التي غالباً ما تدور في فلك المصالح المادية البحتة, أما المصالح المشتركة بين أبناء الأقلية فإنها مصالح عَقدية بالدرجة الأولى؛ حيث إن عقيدة الأقلية مصلحتها العليا, والمرتكز والسلاح الاستراتيجي الذي لا يملكه غيرها, ووسيلتها نحو تحقيق نهضتها؛ لذلك تُعد وحدة العقيدة بين أفراد الأقلية المسلمة أقوى رباط يجمع بينهم, ذلك أن رباط الدين أقوى من الروابط العرقية كلها, والقومية, والجغرافية, والسياسية.

     وبمراجعة التاريخ الإسلامي يتضح لنا أن الازدهار والتدهور لأي تجمع إسلامي يتحدد بعدد من العوامل الرئيسية، أولها العقيدة, وإن أعداء الإسلام يعلمون ذلك جيداً، أحد أكبر المستشرقين الفرنسيين المستشرق لويس ماسينيون: «إن الخطر الوحيد الذي يواجهنا أن يعرف المسلمون عقيدتهم».

المشترك التشريعي

     إن وحدة الأحكام القانونية من أهم أركان وحدة أي مجموعة بشرية؛ حيث إن القانون ليس أداة لخدمة سياسات التنمية والتطور فقط, وليس مجرد وسيلة للانضباط, بل هو - قبل كل ذلك - مرآة تعكس حضارة المجتمع, وقيمه الأخلاقية, والاجتماعية, والاقتصادية, والسياسية، كما أن احترامه رهين بمدى استجابته لقيم المجتمع الروحية والمادية على السواء, ولن تجتمع هذه المفردات بالنسبة للأقلية المسلمة إلا في الشريعة الإسلامية.

     فالشريعة الإسلامية هي القانون الذي خوطب به المسلمون, والمنهج الشامل المتكامل للحياة البشرية، تتناول جوانب الحياة الإنسانية كلها, وشريعة السمو والكمال, الصالحة لكل زمان ومكان, والواجبة التطبيق على المسلمين جميعهم, جعل الله تطبيقها فرضاً ملزماً, وديناً لا يقبل غيره, ولا يفلح أحد ولا ينجو إلا باتباعه, قال -تعالى-: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}(المائدة:49)، ونفى الله -تعالى- الإيمان عمن لا يحتكم إلى شريعته, أو لم يرض بحكمها, قال -تعالى-:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}(النساء:65)، وتتمثل الشريعة الإسلامية جلية في التعاملات كافة، ولاسيما في قوانين الأحوال الشخصية والمواريث التي تميز أفراد الأقلية المسلمة عن غيرهم.

المشترك اللغوي

     اللغة هي أداة تبادل الأفكار, ووسيلة التفاهم الأساسية بين الناس, وسبيل التقارب والتآلف بين الأفراد والجماعات, وليست ألفاظاً فحسب، بل آداب, وعادات, وتقاليد, وطرائق تفكير, ووسيلة تعبير؛ لذلك أسهمت في تحقيق الوحدة, وقيام الاتحادات في كثير من الدول, كما حدث للوحدة الإيطالية, والاتحاد الألماني في أواخر القرن الماضي, وبروز القومية اليونانية والبلغارية في أواسط القرن التاسع عشر؛ فاللغة تعد مقوماً أساسياًّ من مقومات وحدة الأمم، والأقليات المسلمة إن كانت لها لغتها التي تميزها عن الأغلبية, أو تتحدث لغة الأغلبية نفسها؛ فإنها تجتمع على لغةٍ أخرى تميزها عن الأغلبية واللغة العربية, تلك اللغة التي اختارها الله -عز وجل- لتكون لغة القرآن الكريم, والمحفوظة إلى يوم القيامة بحفظه قال -تعالى-: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}(الحجر:9).

فالأقليات المسلمة لا تتحدث العربية بوصفها لغة رسمية, لكنها مرتبطة بها؛ فهي لغة الإسلام, نزل بها القرآن, وبها تقام الصلاة؛ فهي روح الأمة وحياتها, وبمثابة أحد محاور الدين, وعموده الفقري.

المشترك التاريخي

     يحتل التاريخ مكانة كبيرة في بناء أي مجموعة بشرية؛ فهو عنصر بناء يأتي بعد اللغة عاملا أساسيا في قيام الوحدة بين المجموعات البشرية، ولقد قيل إن كانت اللغة التي تُكَوِّن فكر أي مجموعة بشرية؛ فإن التاريخ هو الذي يُكَوِّنُ ذاكرتها؛ فهناك شبه إجماع بين الباحثين على أن عامل التاريخ يُعد من أهم دعائم الوحدة والاجتماع، وبعيداَ عن تاريخ الأقلية العرقي أو القومي؛ فإن للأقليات المسلمة تاريخا مشتركا يربط بين أفرادها كلها، ألا وهو تاريخ الإسلام الذي بدأ منذ أكثر من أربعة عشر قرناً من الزمان بنزول الوحي على نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة, فآمن به العرب، وانتشروا فاتحين شرقاً وغرباً, فدخلت أمم وشعوب في هذا الدين، وانصهروا جميعاً في بوتقة واحدة, لِيُكَوِّنُوا جميعاً أمةً واحدةً تاريخها واحد هو تاريخ الإسلام.

     فمازال المسلمون في كل مكان في الأرض يعتزون, ويفخرون, ويرتبطون بتاريخهم؛ فَمن مِنَ المسلمين لا يفخر بسيرة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ؟! ومن مِنَ المسلمين لا يعتز بحكمة أبي بكر, وبعبقرية عمر, ودهاء عمرو, وبطولات سعد وأبوعبيدة وخالد؟! -رضي الله عنهم جميعاً-؛ فالتاريخ الإسلامي ليس فقط ماضياً به أمجاد تفتخر بها الأقلية, وأحزاناً وآلاماً تتألم عليها كأنها معاصرة لها؛ بل هو حاضر تعيش به الأقلية, وتقتبس منه, وتدافع عنه, وهو مستقبل يحمل بين طياته آمال الوَحدة والنهوض. 

- ثانياً: الأُخُوَّة الإسلامية: ويقصد بها الرابطة التي تجمع الأفراد الذين استجابوا لدعوة الإسلام, وتعني أن يعيش أفراد الأقلية المسلمة جميعها مترابطين, متناصرين, يجمعهم شعور أبناء الأسرة الواحدة, يحب بعضهم بعضاً, ويشد بعضهم أزر بعض, يحس كل منهم أن قوة أخيه قوة له, ويتيقن أنه قليل بنفسه كثير بإخوانه، ومن أروع القيم الإنسانية التي أرساها الإسلام للمحافظة على كيان الأمة الإسلامية, التي تجعل الأقلية المسلمة وحدة متماسكة, وقد تضافرت النصوص على بيان أهمية الأخوة وإبراز مكانتها, قال -تعالى-: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}(الحجرات:10).

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك