المستشار مؤتمن
يحتاج الناصح إلى علم وعقل وفكر صحيح ورؤية حسنة واعتدال مزاج وتؤدة وتأنٍّ فإن لم تجمع هذه الخصال فخطأه أسرع من إصابته
كان ممن يحتاج إلى مشورة ونصح فعليه أن يلتمس ذلك ممن له ديانة ظاهرة وعقل راجح وتجربة محمودة فإن ذلك من محمود الخصال وحسن الأعمال
أحيانا يغمّ على الرجل وجه الصواب في أمر ما، وقد يكون في نفسه ضعيف الرأي، قليل الخبرة، فيستشير غيره فيما عرض له، فيمده برأيه، ويرشده بخبرته، كما قيل: «إذا صدئ الرأي أصقلتهُ المشورة».
قال الشيخ ابن سعدي مبيناً فضل الاستشارة: «المشاورة تنور الأفكار، وتحل الاشتباه والإشكال، وتبلغ العبد الآمال، المشاورة عنوان العقل، والاستبداد من نتائج الجهل، ما ندم من استعان بالله واستخاره، وشاور الناصحين».
وقال علي - رضي الله عنه -: «المشاورة حصن من الندامة وأمن عن الملامة»، وقيل: «الأحمق من قطعه العجب عن الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة».
فمن المحمود أن يرجع المرء إلى غيره ليستشيره في أمره، ويستظهر برأيه عاقبة فعله، وينبغي للعاقل أن يختار من يستشير، فليس كل بالغ عاقل، ولا كل عاقل رشيد، ولهذا قال الراغب في الذريعة: «لكن اعتبار من تجوز أن تعتمد مشاورته صعب جدًّا، فإنه يحتاج أن يكون صديقًا أمينًا مجربًا حازمًا ناصحاً رابط الجأش، غير معجب بنفسه، ولا متلون في رأيه، ولا كاذب في مقاله، فمن كذب لسانه كذب رأيه، ويجب أن يكون فارغ البال في وقت ما يستشار».
وعلى المطلوب منه الرأي والتوجيه أن يصدق الطالب النصح، ويخلص له المشورة، فالنصح للمسلمين من أبرز آداب الدين، وأهم أخلاق المؤمنين فعن تميم الداري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الدين النَّصِيحَة» قلنا:لمن؟ قال: «لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» أخرجه مسلم
والنصح من حقوق المسلم على أخيه المسلم فعن أبي هريرة - رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «حق المسلم على المسلم ست» قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، وإذا عطس فحمد الله فشمِّته، وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه» أخرجه مسلم
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «دعُوا الناس يُصيب بعضهم من بعض، فإذا استنصح رجل أخاه فلينصحه» أخرجه الطبراني وصححه الألباني
والنبي - صلى الله عليه وسلم - يصور علاقة المسلم بأخيه كالمرآة التي يبصر بها نفسه فيرى فيها ما لا يراه بعينه من المحاسن والمثالب، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الْمُؤْمِنُ مَرْآةُ أَخِيهِ، وَالْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، يَكُفُّ عَلَيْهِ ضَيْعَتَهُ، وَيَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِهِ» أخرجه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني.
قال المناوي: «يكف عليه ضيعته» أي: يجمع عليه معيشته ويضمها له، وضيعة الرجل ما منه معاشه.
«ويحوطه من ورائه» أي: يحفظه ويصونه ويذب عنه ويدفع عنه من يغتابه أو يلحق به ضررا، ويعامله بالإحسان بقدر الطاقة والشفقة والنصيحة وغير ذلك».
ويؤكد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن النصح أمانة ومسؤولية فيقول: «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ» أخرجه أحمد وأصحاب السنن عن ابن عباس وغيره وصححه الألباني.
قال في عون المعبود: ««المستشار» أي: الذي طلب منه المشورة والرأي.
وقوله «مؤتمن»: اسم مفعول من الأمن أو الأمانة.قال الطيبي: معناه أنه أمين فيما يسأل من الأمور فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته».
قال المناوي في فيض القدير: «أي: أمين على ما استشير فيه، فمن أفضى إلى أخيه بسرِّه، وأمِنه على نفسه فقد جعله بمحلها، فيجب عليه ألا يشير عليه إلا بما يراه صوابا، فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلا ثقة، والسرُّ قد يكون في إذاعته تلف النفس، وهذا أولى بأن لا يجُعل إلا عند موثوق به، وفيه حثٌّ على ما يحصل به معظم الدين وهو النصح لله ورسوله وعامة المسلمين، وبه يحصل التحابب والائتلاف، وبضده يكون التباغض والاختلاف.
وقالوا: يحتاج المشير والناصح إلى علم وعقل وفكر صحيح ورؤية حسنة واعتدال مزاج وتؤدة وتأنٍّ، فإن لم تجمع هذه الخصال فخطؤه أسرع من إصابته، فلا يشير ولا ينصح، قالوا: وما في مكارم الأخلاق أدق ولا أخفى ولا أعظم من النصيحة».
فعلى المستشار أن يحرص على الصدق والنصح، ويحذر الكتمان والغش لمن سأله المشورة، فالغش محرم في الدين كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ومن غشنا فليس منا» أخرجه مسلم، والغش أنواع عديدة، منها:الغش في البيوع والمعاملات، ومنها الغش للرعية، كما في حديث معقل بن يسار أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته، إلا حرم الله عليه الجنة». متفق عليه، ومنها الغش في النصح، والمراد به عدم الإخلاص للمنصوح وإرشاده إلى غير المصلحة.
ويضرب لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - تطبيقاً عملياً لهذا الخلق الرفيع، فقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي الهيثم: «هل لك خادم؟»، قال: لا، قال: «فإذا أتانا سبي فائتنا»، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اختر منهما»، قال: يا رسول الله، اختر لي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «إن المستشار مؤتمن، خذ هذا، فإني رأيته يصلي، واستوص به خيرا»، فلما رجع إلى أهله رضي الله عنه قالت امرأته: ما أنت ببالغ ما قال فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أن تعتقه، قال: فهو عتيق.
ومثال آخر لنصح النبي -صلى الله عليه وسلم - للمستشير ما أخرجه مسلم عن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها أنها طلقت، فلما حلت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباها. فقال: «أما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: «انكحي أسامة» فنكحته، فجعل الله فيه خيرا واغتبطت.
قال القاري: «وهذه إشارة إلى أن المستشار مؤتمن على ما ورد في الحديث، وفيه تصريح منه - عليه الصلاة والسلام - على جواز ذكر عيب في الزوج لتحترز الزوجة منه، لئلا تقع الزوجة في المشقة، وكذلك إذا كان في المرأة عيب جاز ذكره لئلا يقع الزوج في مشقة».
قولها: «فكرهته»: أي: ابتداء لكونه مولى أسود، وإنما أشار - صلى الله عليه وسلم - بنكاح أسامة لما علمه من دينه وفضله وحسن طرائقه وكرم شمائله، فنصحها بذلك. وإنما كرر عليها الحث على زواجه لما علم من مصلحتها في ذلك، وكان كذلك، ولذا قالت: (فجعل الله فيه): أي: فقدر في أسامة وصحبته «خيرا»: أي: كثيرا «واغتبطت»: أي: به أي: صرت ذات غبطة بحيث اغتبطتني النساء لحظ كان لي منه».
والخلاصة أن المسلم قد يكون له حالتان:
- الأولى: إن كان ممن يحتاج إلى مشورة ونصح فعليه أن يلتمس ذلك ممن له ديانة ظاهرة، وعقل راجح، وتجربة محمودة، فإن ذلك من محمود الخصال وحسن الأعمال.
- والثانية: إن كان ممن أنعم الله تعالى عليه بالعلم ورجاحة العقل وحسن التدبير فلا يبخل على من قصده ملتمساً نصحه وتوجيهه، فإن ذلك من شكر الله تعالى أن يحسن للناس كما أحسن الله إليه، ومن القيام بحقوق المسلمين، وذلك من خصال المؤمنين. وبالله التوفيق.
لاتوجد تعليقات