رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: سحر شعير 16 يناير، 2019 0 تعليق

المربون الأقوياء لا يصرخون على أبنائهم!


على الرغم من أنّ الصراخ هو السلوك الأكثر شيوعاً بين المربين – ولاسيما الأمهات – إلا أنه يُعدُّ من أسوأ أساليب التعامل مع الأطفال؛ لما له من أثر سيء على مشاعرهم وأمانهم النفسيّ؛ لدرجة أن الباحثين المتخصصين في التربية يصنفون الصراخ على رأس قائمة الأساليب التربوية العنيفة ذات الأثر السلبي على الأبناء.

لماذا يصرخ المربي على أبنائه؟

     ربما لم يتعلم المربي أساليب التربية الفعّالة، ولم يطالع في هذا الشأن معتمداً على موروثاته التي نشأ وتربى عليها، فيكرر تلقائياً الأسلوب نفسه مع أبنائه، وربما لأنه شخص عصبي قليل الصبر، لدرجة أن يوجه ولده من خلال الصراخ عند كل أمر ونهي، وعند كل خطأ يرتكبه، مقصوداً أم غير مقصود، دون أن يترك للطفل مساحة زمنية تتناسب مع قدراته التي لا تزال تنمو وتتطور.

أعباء المربي لا تُسوِّغ صُراخه..!

     إننا نقدّر تمامًا ما يتعرض له الآباء والأمهات من ضغوط الحياة اليومية، ولكن دعونا نسأل: من أجل مَنْ تتعبون؟ ولمن تكدون هذا الكدّ؟ أليس من أجل أبنائكم؟ فهل تعتقدون أن التربية - تلك المهمة المقدسة- تقتصر على جلب المال أو على إطعام الصغار وكسوتهم وتلقينهم الصواب والخطأ بأسلوبٍ صارخ وأعصابٍ منهارة؟

إنّ ذلك يُشْعر الأبناء بعدم قبولنا لهم، ويجعلهم في حالة توتر دائم وتوقع لكل ما هو سيء من أقرب الناس إليهم -آبائهم وأمهاتهم-، كما أنّ أسلوب الصراخ المتكرر في وجه الأبناء يحطم أمانهم النفسي واستقرار مشاعرهم.

هل يدل(الصراخ) على قوة المربي؟

     إنّ انتهاج المربي لأسلوب الصراخ في وجه الأبناء يعكس ضعفا في شخصيته وإفلاساً في أدواته ووسائله، فكلما اتجهت الأساليب التي يستخدمها المربي إلى العنف والعسف دلَّ ذلك على قلة درايته بالأساليب الكثيرة والمتنوعة التي من الممكن أن يستخدمها في توجيه أبنائه، محافظاً في ذلك على احترام كيانهم وتقدير شخوصهم، مبتعداً عن الأساليب التي تتضمن إهانتهم أو إهدار كرامتهم.

تأثير الصراخ

- كيف يؤثر أسلوب (الصراخ) سلبياً على الأبناء؟

- يعدُّ (الصراخ) أسلوباً غير سويّ في التعامل مع الأبناء؛ لأنه يشيع في البيت مناخاً متوتراً يمسّ كل من يعيشون فيه بالأذى، ويهيئ جواً ملائماً لإنتاج أفراد مصابين بأمراض نفسية كالقلق والاكتئاب.

- أضف إلى ذلك أنّ الصراخ الدائم في وجه الأطفال ينتج جيلاً مشاغباً، يتسم بالعصبية والعناد وربما العدوانية، فبعد إجراء دراسة شملت 110 من الأسر الأمريكية تضم أطفالاً تتفاوت أعمارهم ما بين ثلاثة أعوام وخمسة، أعلن معهد العلوم النفسية في (أتلانتا) عن نتائج هذه الدراسة وكانت وفق الآتي:

- أثبتت الدراسات أن هناك علاقة قطعية بين شخصية الطفل المشاغب كثير الحركة، وبين الأم العصبية التي تصرخ دائماً وتهدد بأعلى صوتها حين تغضب، والمقصود بالطفل المشاغب- كما جاء في هذه الدراسة- هو الطفل الذي لا صبر عنده ويتسم بالعناد والتمرد والعدوانية نحو الآخرين حتى والديه، بل لا يلبث أن يجلس حتى يستعد مرة أخرى للقيام واللعب أو العراك مع أحد إخوته.

- وقال الدكتور (فرانك ترايبر) من الكلية الطبية بـ(جورجيا): «إن نتائج هذه الدراسة أضافت إلى المعلومات المعروفة حالياً بأن هؤلاء الأطفال قد يدمرون أنفسهم إذا لم تقدم لهم المساعدات منذ صغرهم، وإن الطفل منهم لا يعرف كيف يوجّه طاقته هذه للوصول إلى هدف مفيد، بل لوحظ أنه يستخدمها في عراك أو لعب عدواني مع إخوته أو أصدقائه، وربما والديه أيضاً».

     كما أشارت الدراسة أيضاً إلى أنّ الأم التي تعبر عن غضبها بالصراخ وباستخدام ألفاظ بذيئة أو سيئة أمام طفلها، تدفع به إلى التحول إلى طفل من هذا النوع المشاغب، وأكدت الدراسة كذلك أن تأثير غضب الأم أقوى من تأثير غضب الأب على تكوين شخصية الطفل.

نصائح التربويين

     أعزائي المربين والمربيات: بعد أن وقفنا على الضرر البالغ الذي يحدثه (أسلوب الصراخ) في نفس الطفل، وما له كذلك من أثر سيء على تكوين شخصيته وطباعه على المدى البعيد، نقدم باقة من نصائح التربويين التي تعين المربي في التوقف عن هذا الأسلوب:

وصية لقمان الحكيم

- تذكر دائماً وصية لقمان الحكيم لابنه أن يخفض صوته ولا يرفعه بغير حاجة تقتضي ذلك قال -تعالى-: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (لقمان: 19)، قال الإمام القرطبيّ في تفسيرها: «في هذه قبح رفع الصوت في المخاطبة والملاحاة (اللوم والتعنيف والنزاع والخصام)- تفسير القرطبي:14/71-، وانطلاقاً من هذا المبدأ القرآني الرائع يقول عمر بن عبد العزيز-رحمه الله- لرجل قد رفع صوته في مجلسه: «اخفض من صوتك، فإنما يكفي الرجل قدر ما يسمع» تاريخ بغداد:6/104.

الاستعاذة بالله

- الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم باستمرار وأنت تشاهد من طفلك ما يثير فيك الغضب، ردد الاستعاذة بالله -تعالى- وأنت تتوجه إليه لتمنعه من فعله الخطأ أو لإصلاح ما أفسد، وعليك أن تخاطب ابنك عندما يخطىء بالدعاء له، فتقول: هداك الله، وغفر الله لك، وأصلحك الله... وهكذا.

الأولويات التربوية

- حدّد الأولويات التربوية، وفرِّق بين الأهم تربوياً والأقل أهمية، فليس كل طلب تطلبه الأم أو يطلبه الأب من الأبناء يستحق الجدال والمناقشة؛ فهناك أمور قابلة للتفاوض، ولا تستحق أن تثور الأم أو الأب بسببها مثل:اختيار نوع الطعام أو إصرار الطفل على ارتداء زيّ معين، وهناك أمور أخرى غير قابلة للتفاوض.

التزام الصمت

- الانسحاب والتزام الصمت من الأساليب الجيدة أيضاً بوصفه بديلا تربويا عن الصراخ وفقد التحكم بالأعصاب؛ فالمربي عندما ينفعل تتغير تعبيرات وجهه لتصبح أكثر قسوة، وقد يتفوّه بألفاظ جارحة، أو يرتكب أفعالاً يندم عليها بعد ذلك؛ لذلك عليه أن ينسحب من ساحة المواجهة عندما يبدأ رأسه في الغليان، ويوشك أن ينفجر غضباً، ويكفي أن يقول لمن أخطأ: «إنني من شدة غضبي منك الآن لا أريد مواجهتك وأنا في هذه الحال»، وهنا سيشعر الطفل بتأنيب الضمير، ولا تخشَ- عزيزي المربي- أن يفهم الطفل هذا الانسحاب على أنه ضعف أو استسلام منك، فإن أغلبية الأبناء سوف يدركون أنهم تمادوا في الخطأ فيتراجعون ويعتذرون، وتمر العاصفة بسلام -إن شاء الله -تعالى.

شخصية الطفل وخطؤه

- افصل بين شخص الطفل الذي هو ولدك وقرة عينك، وبين أخطائه التي هي مقتضى بشريته وقلة خبرته بالحياة، كما أنها سبيله لتعلم الصواب، وبالتالي سيكون التوجيه والتصحيح منصبّاً – لفظياً وانفعالياً- على السلوك الخطأ أما شخص الطفل فيظل قرة العين وحبيب القلب، وعندئذ يحلّ (الحوار) مكان (الصراخ) و(الأصوات  الحانية) مكان (الكلمات العالية).

 

تأثير الصراخ على نفسية الأبناء

  كيف يؤثر صراخ الأب أو الأم على الأبناء أثناء تربيتهم على نفسيتهم وتعاملهم مع المحيطين بهم؟

- هذا الأسلوب قد يستهين به المربي لتكرره وحدوثه يوميا بينما له أثر عميق على نفسية الأبناء وتعاملهم مع المحيطين بهم من أشخاص؛ إذ يُحدث (الصراخ) ما يسمى بالرابط السلبي لدى الطفل؛ حيث يدوم معه طوال حياته، ويُتَوقع له أن يكون ذا أسلوب عدواني في الكلام مع أصدقائه والمحيطين به، ومهما كبُر فإن أيّ رفع للصوت أمامه يعيد إليه تلك المشاعر السلبية التي استشعرها وهو طفل ضعيف.

- كذلك فإنّ من سلبيات أسلوب (الصراخ في وجه الأبناء) أنهم يتشربون هذا السلوك ومن ثمّ يبدؤون في ممارسته تجاه الأطفال الأصغر منهم في العائلة والمدرسة، وغالباً يستمر هذا السلوك مع الأبناء بعدما يكبرون ولكنه يوجه للكبار؛ فنرى البنت تصرخ في وجه أمها أو أبيها والولد كذلك، وطبعاً يكون من العبث حينئذ أن ننهاهم عن ذلك، كيف وقد ربينّاهم على الصراخ وكان هو وسيلة التفاهم بيننا وبينهم؟!

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك