رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: المحرر التربوي 16 فبراير، 2026 0 تعليق

المرأة والأسرة 1297

يأتي شهر رمضان ليعيد ترتيب أولويات المرأة المسلمة؛ فهي في رمضان صائمة عن الطعام، مجتهدة في تزكية النفس، قائمة على شؤون أسرتها بحب واحتساب؛ فطوبى لمن جعلت رمضان محطة تقوى، وبداية إصلاح، ونقطة تحول في مسيرتها مع الله -تعالى-.

مسؤولية الأم في رمضان

يمثل شهر رمضان فرصة عظيمة للأم المسلمة لتجديد دورها التربوي والإيماني داخل الأسرة؛ إذ تتحول فيه البيوت إلى مدارس للعبادة، وتغدو الأم الركن الأساس في غرس معاني الصيام والطاعة في نفوس أبنائها، وتتجلى معالم هذه المسؤولية من خلال النقاط التالية:
  • القدوة الصالحة: بالالتزام بالصلاة، وقراءة القرآن، وحسن الخلق؛ فالأبناء يتعلمون بالفعل قبل القول.
  • غرس معنى الصيام: بتعليم الأبناء حقيقة الصيام ومقاصده، وأنه عبادة تهذّب النفس وليس مجرد امتناع عن الطعام.
  • إحياء الجو الإيماني في البيت: وذلك بتنظيم أوقات الذكر، وتلاوة القرآن، وربط الأسرة بعبادات الشهر.
  • التربية بالرحمة والحكمة: من خلال في توجيه الأبناء وتشجيعهم على الطاعة دون قسوة أو تشديد.
  • تنظيم الوقت: لتحقيق التوازن بين شؤون المنزل ومتطلبات العبادة.
  • تعزيز القيم الأخلاقية: كالصبر، وحفظ اللسان، والإحسان إلى الآخرين.
  • ترسيخ حب الخير والعطاء: بتعويد الأبناء على الصدقة ومساعدة المحتاجين.
  • استثمار رمضان تربويا: ليكون منطلقًا لاستمرار الطاعة بعد انقضاء الشهر.
 

المرأة ورحلة القرآن في رمضان

يأتي شهر رمضان ليجدد صلة المرأة المسلمة بكتاب الله -تعالى-، فتبدأ رحلةً قلبيةً مع القرآن، قراءةً وتدبرًا وعملاً، ففي زحمة المسؤوليات، قد تتراجع مساحة القرآن في يومها، فيأتي رمضان ليعيده إلى الصدارة، ويذكّر بأن القرب من الله يبدأ من صفحات كتابه.

         وتتجلى رحلة المرأة مع القرآن في حسن تنظيم وقتها؛ فتجعل لنفسها وردًا ثابتًا، وتعيش مع آياته تلاوةً وفهمًا، وتحرص على أن يكون القرآن حاضرًا في بيتها تربيةً وتوجيهًا، فتغرس محبته في قلوب أبنائها بالقدوة قبل التلقين. وليس المقصود من هذه الرحلة كثرة الختمات فحسب، بل حضور القلب، وتأثر السلوك، وانعكاس القرآن خلقًا ومعاملة؛ فكل آية تُتلى تُعيد بناء النفس، وكل تدبر صادق يقرّبها من الله، ويمنحها طمأنينة وسكينة، وهكذا يصبح رمضان محطة انطلاق جديدة في علاقة المرأة بالقرآن، لا تنتهي بانقضاء الشهر، بل تمتد أثرًا ونورًا في حياتها كلها.  

قيام المرأة في بيتها عبادة لا يراها إلا الله

        من رحمة الله بالمرأة أن جعل لها أبوابا للأجور عظيمة داخل بيتها، لا تقل فضلًا عن غيرها منها: قيام الليل، والدعاء والاستغفار في السَحَر، وقراءة القرآن في هدوء البيت؛ إنها عبادات خالصة لا يطلع عليها إلا الله، قال -تعالى-: {وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} (الذاريات: 18)، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «صلاةُ المرأةِ في بيتِها أفضلُ من صلاتِها في حُجرتِها وصلاتُها في مَخدعِها أفضَلُ مِن صلاتِها في بيتِها»، فطوبى لامرأة جعلت ليل رمضان مناجاة، وسحره استغفارًا، ودعاءها سرًّا بينها وبين ربها.  

أخطاء تقع في رمضان

هناك عدد من الأخطاء التي تقع فيها المرأة خلال شهر رمضان تُضعف أثره وتُذهب بركته وهي كالتالي:
  • الانشغال بالمطبخ على حساب العبادة حتى يضيع وقت الصلاة والذكر وقراءة القرآن!
  • تأخير الصلوات عن وقتها؛ أو أداؤها على عجل دون خشوع بحجة كثرة الأعمال.
  • إهمال الوِرد القرآني والاكتفاء بسماع التلاوة دون قراءة وتدبّر منتظم!
  • الغفلة عن تزكية النفس كالوقوع في الغيبة أو كثرة الكلام فيما لا ينفع!
  • تحويل رمضان إلى موسم اجتماعي يكثر فيه السهر والزيارات على حساب القيام والعبادة!
  • الإسراف في الطعام والشراب ومخالفة مقصود الصيام في التقليل وضبط الشهوات!
  • الفتور بعد الأيام الأولى وعدم الثبات على الطاعة إلى آخر الشهر!
  • الانشغال بالمظاهر؛ من تجهيزات وموائد على حساب المقاصد الإيمانية!

الأسرة على مائدة الإيمان

        ليست مائدة الإفطار مجرد طعام يجتمع حوله أفراد الأسرة، بل يمكن أن تكون مائدة إيمان، تُستفتح بالذكر، وتُختم بالحمد، وتُعمَّر بالحب والتراحم، قال -تعالى-: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (آل عمران: 191)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها»؛ فما أجمل أن تتحول أيام رمضان إلى لحظات أسرية عامرة بالطاعة، بعيدة عن الضجيج واللهو، قريبة من السكينة والرضا.  

تعويد الأبناء على الصيام

       رمضان أفضل موسم ومحطة يمكن أن نعوّد فيه أبناءنا على هذه العبادة العظيمة، فقد كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- يدربون أطفالهم على الصيام، ويحثونهم على ذلك، فقد جاء عن الربيع بنت مُعّوذ - رضي الله عنها - قالت: «أرسَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - غداةَ عاشوراءَ إلى قُرى الأنصارِ الَّتي حولَ المدينةِ: «مَن كان أصبَح صائمًا فليُتِمَّ صومَه ومَن كان أصبَح مُفطرًا فليصُمْ بقيَّةَ يومِه ذلك»، قالت: فكنَّا نصومُه ونُصوِّمُ صبيانَنا الصِّغارَ ونذهَبُ بهم إلى المسجدِ، ونجعَلُ لهم اللُّعبةَ مِن العِهْنِ، والعهن: هو الصوف؛ فإذا بكى أحدُهم على الطَّعامِ أعطَيْناها إيَّاه حتَّى يكونَ عندَ الإفطارِ»؛ فلماذا لا نعود أطفالنا على الصيام؟ ولماذا لا نعودهم على طاعة الله؟ ونأخذ بأيديهم ليعرفوا معنى هذه العبادة العظيمة؛ فيستقيموا منذ الصغر؟!  

فرصة لتزكية النفس

        في زحمة المسؤوليات، قد تُهمل المرأة - دون قصد - جانب البناء الإيماني في نفسها؛ فيأتي رمضان نداءً رفيقًا يقول لها: توقفي قليلًا، وراجعي قلبك، وجددي عهدك مع الله؛ فالصيام ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل تربيةٌ للنفس، وصيانةٌ للسان، وسموٌّ بالروح، والصيام أصلٌ من أصول التزكية، ومدرسةٌ للتقوى، كما قال الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، وفي رمضان تتهيأ أجواء السكينة التي تعين المرأة المسلمة على الإقبال على الطاعات، وفي مقدمتها صيام النهار، بما يحمله من آثار عميقة في تطهير النفس ورفع الدرجات، حتى يخرج الصائم مغفورًا له إذا حقق الصيام إيمانًا واحتسابًا، وقد أرشد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى حقيقة الصيام وآثاره التربوية بقوله: «الصيام جُنّة، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤٌ شاتمه أو قاتله فليقل: إني صائم»، مبينًا أن الصيام عبادة خالصة تُربّي النفس على الصبر، وتكفّها عن المحرمات، وتعوّدها على النظام والطاعة والإخلاص، وهكذا يغدو رمضان مدرسة متكاملة لتزكية النفس.  

تربية تمتد آثارها

       لا تقل مسؤولية التربية بالرحمة والحكمة شأنًا عن سائر الأعمال؛ فحسن التوجيه، ولين الخطاب، والتشجيع على الطاعة، من أعظم ما يثبت أثر رمضان في القلوب، فطوبى لأم جعلت من رمضان موسمًا لبناء الإيمان، ومناسبة لتقوية الروابط الأسرية، وبداية لتربية تمتد آثارها إلى ما بعد الشهر الفضيل؛ فرمضان فرصة ذهبية لغرس القيم، وبناء النفوس، وربط الأبناء بحلاوة العبادة لا بثقل التكليف.  

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك