المدنيون في العراق وأفغانستان وباكستان أبرز الضحايا -مليون مدني ذهبوا ضحية الحروب الجائرة خلال العقد الأخير
لعل المدنيين في العراق سواء كانوا رجالاً أم نساء، شيوخًا أم أطفالاً هم من دفعوا الثمن الغالي لاحتلال كل من العراق وأفغانستان، فهؤلاء بوجه عام هم الوقود الطبيعي لأي نزاع عسكري؛ حيث يسددون دون جريرة ارتكبوها فاتورة أي صراع عسكري أو رغبة قوى كبرى في ابتلاع دولة أصغر أو السطو على ثروتها؛ حيث تستغل هذه القوى الاستعمارية اندلاع المقاومة ضد مخططاتها، وهو حق كفلته جميع الشرائع الدولية للتنكيل بالأطفال والشيوخ والنساء العزل، أو يدفعون ثمن مطاردة مقاتلي القاعدة المزعومين لتسويغ مثل هذا الجرائم.
فضيحة ومجازر
وقد فضح تقرير لمنظمة (أوكسفام) الخيرية البريطانية الجريمة التي ارتكبتها قوات الاحتلال الغربي بكل من العراق وأفغانستان ضد الأطفال والنساء والشيوخ، مشيرة في تقريرها الأخير إلى أن العراق هو البلد الذي شهد مقتل أكبر عدد من المدنيين خلال الفترة الماضية؛ إذ شهد مقتل أربعة آلاف مدني وتلته باكستان التي جاءت في المرتبة الثانية بمقتل ثلاثة آلاف وخمسمائة مدني، فيما حلت أفغانستان ثالثًا إذ شهدت مقتل ألفين وسبعمائة مدني، والصومال رابعًا بمقتل ألفي مدني.
ورغم قتامة هذا المشهد فإنه لا يعكس أرقام الضحايا المدنيين؛ إذ إن العراق فقد ما يقرب من مليون من مواطنيه منذ اقتحام القوات الأمريكية للعاصمة بغداد؛ حيث شهدت السنوات التالية للاحتلال سقوط ما يقرب من 80 ألف مدني في الأعوام الأولى حتى انخفضت النسبة إلى 34 ألف مدني عام 2007، فيما قدرت مجلة لانسيت البريطانية المتخصصة عدد القتلى من المدنيين بأكثر من 650 ألفًا خلال السنوات الأربع الأولى من الاحتلال، بينما قدرت دراسة لجامعة جونز هوبكنز الأمريكية عدد الضحايا المدنيين في العراق بـ 655 ألفاً، فيما قدرت نفس المصادر ضحايا الحرب الأمريكية على أفغانستان بما يزيد على 100 ألف قتيل رغم أن أرقام الحكومتين الأمريكية والأفغانية تقدران العدد بأقل من ذلك بكثير.
ولعل سقوط هذا العدد الكبير من الضحايا المدنيين الأبرياء في كل من العراق وأفغانستان يلقي الضوء علي عدد من التعقيدات منها زيف الدعاية الغربية حول دقة وقوة أجهزة الرصد داخل طائراتها وقاذفاتها، بل يكشف زيف ما يدعونه من استخدام قنابل ذكية تتفادى المدنيين ومنازلهم وهو ما أكدت التجربة الأمريكية والغربية في العراق وأفغانستان زيفه، بل سقوط هذه المزاعم عند أول اختبار.
ذرائع واهية
وكثيرًا ما طالعتنا وسائل الإعلام بأخبار تفيد بقيام الطائرات الأمريكية، ولاسيما الطائرات دون طيار في العراق وأفغانستان بقصف أهداف مدنية واضحة مثل الأفراح القبلية في العراق وأفغانستان وكذلك المآتم وكأن قواتها لا تريد أي تجمعات حتى لو كانت مدنية وغير مسلحة، ولكن الأمر الأسخف يتعلق بالذرائع التي تسوقها واشنطن وحلفاؤها لتسويغ مجازرها في أوساط المدنيين بزعم وصول معلومات مؤكدة عن وجود مقاتلين مناوئين وسط هذه التجمعات، وهو ما تثبت التحقيقات التي تلي هذه الجرائم عدم صحته.
وإذا كان العراق وأفغانستان قد دفعتا الثمن الأبرز لهذه الجرائم فإن باكستان هي الأخرى دخلت على خط الأزمة، فاستهداف القوات الأمريكية لمناطق القبائل في وزيرستان قد خلف آلاف القتلى الباكستانيين الذين وقعوا خلال السنوات الماضية أسرى لهجمات طائرات دون طيار دائمًا ما تخطئ أهدافها وتوقع ضحايا أبرياء، وهو ما يتكرر في اليمن وإن كان بوتيرة أقل عبر توالي هجمات تستهدف فلول القاعدة دون أي اعتبار لسيادة اليمن وباكستان على حد سواء.
رغم قصف الطائرات الأمريكية والناتو والتفجيرات الإيرانية والدبابات الإسرائيلية في غزة ولبنان، فضلا عن خيانة بعض الحكام الذين يسمحون بتدخل طائرات الأعداء تقصف مواقع داخل دولنا ويقدمون مسوّغات واهية، وهناك 75 طلعة مند الحرب في أفغانستان قصفت مواقع مدنية وراح ضحيتها العشرات من الأطفال والنساء والمدنيين العزل.
موقف متراخ
وكان لافتًا بشدة مواقف التراخي لعدد من الدول المستهدف مدنيوها بهذه الهجمات خصوصًا في أفغانستان وباكستان؛ حيث يبدي مسؤولوها مواقف متشددة ورافضة للانتهاكات الأمريكية لسيادتها واستهداف مدنييها، وهو ما حدث مرة من المرات على لسان كل من الرئيس الأفغاني حميد كرازي ورئيس الوزراء الأفغاني سيد رضا جيلاني، ولكن هذه اللغة تتغير بعد أيام لتشدد على الجميع على أهمية التعاون مع الولايات المتحدة في استئصال شأفة الإرهاب.
بل إن هذه الدول لم تتخذ موقفًا واحدًا جادًا إزاء هذا الأمر، فلم تفرض أي قيود على التسهيلات الممنوحة للطائرات الأمريكية بل لم تطالب واشنطن حتى بتعويض ضحايا هذه الهجمات أو محاولة تفادي إسقاط هذا الكم من المدنيين، بل إنها حاولت تبرير هذه الهجمات بأنها تخدم المصالح الإستراتيجية لها وكأن سيادتها والحفاظ على مواطنيها العزل لا علاقة له بالمصالح الاستراتيجية لها.
شهوة الانتقام
من البديهي الإشارة إلى أن السواد الأعظم من الضحايا المدنيين ينحدر من بلدان إسلامية وكأن العالم الإسلامي قد تحول لساحة لتجريب مدى فاعلية ودقة الأسلحة الغربية التي تفاخر دائمًا بهذه الميزات، ولكن يبدو أن الثأر وشهوة الانتقام من كل ما هو مسلم هو الذي دعا الغرب لغض الطرف عن هذه الجرائم وعدم الاعتداد بهذه المعايير، بل إن عددًا من المسؤولين الغربيين قد حاولوا التخفيف من حدة الغضب الدولي وانتقادات منظمات حقوق الإنسان إذ عدوا الأطفال والمدنيين في العراق وأفغانستان الفئات الأكثر ضررًا من التطورات العسكرية في هذه البلدان.
وقد حاول الأمين العام لحلف الناتو (فوج راسموسين) مواجهة هذه الانتقادات بالتأكيد أن قواته ستعمل على التقليل من أعداد ضحايا الهجمات من المدنيين في محاولة لتحسين صورة قواته وإرضاء الرأي العام الغاضب، دون أن يستحث هذا العالم الإسلامي ومنظماته على اتخاذ مواقف جادة ضد هذه الجرائم، بل إن المنظمات الحقوقية لم تعلن يومًا عن مشروع واضح المعالم لتوثيق هذه الجرائم، ولا يجد مراقب صعوبة في إيجاد تفسير لهذا الموقف، فأغلب هذه المنظمات تسير في الركب الغربي، بل تتلقى الجزء الأعظم من تمويلها من دوائر غربية؛ لذا تخشي من طرح أزمة مئات الآلاف من الضحايا المدنيين سعيًا للحفاظ على التمويل الأجنبي لها.
ازدواج معايير
والمتتبع لموقف المنظمات الحقوقية الغربية من هذه القضية يجد صعوبة في تسويغ موقفها من هذه الجرائم ولاسيما من جهة المساواة بين الضحايا والجلاد، حيث أنحت باللائمة على قوى المقاومة في كل من العراق وأفغانستان باتهام المسلحين باستخدام المدنيين دروعاً بشرية، بل اتهمت باستغلال الأطفال بوصفهم جنوداً في المواجهة مع القوات الغربية متناسية أن جميع مواثيق الأمم المتحدة تعطي الحق في مقاومة الاحتلال، بل كان على هذه المنظمات أن تركز على أس البلاء وهو الاحتلال المتسبب الأول في كل هذه المشكلات.
ويؤيد الطرح السابق السفير سعد عزام مساعد وزير الخارجية المصري السابق حيث يرى أن قوات الاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان هي المسؤولة عن هذه الجرائم في حق المدنيين؛ حيث يخالف مسلكها اتفاقيات جنيف والعهد الدولي لحقوق الإنسان الذي يحافظ على حقوق المدنيين وأرواحهم في زمن الحرب، بل يحمل قوات الاحتلال أي مسؤولية عن أي أضرار تحلق بهم وهو ما يؤكد أننا أمام جريمة مكتملة الأركان ينبغي على السلطات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني توثيقها وجرجرة واشنطن أمام المحافل الدولية لمحاسبة قادتها على هذه الجرائم.
ولكن ورغم صعوبة هذا الأمر في هذا التوقيت في ظل اختلال موازين القوي فإن السفير يشير لأهمية توثيق هذه الجرائم، حيث يجب أن يكون حاضرًا تحسبًا لأي تطورات في الساحة الدولية قد تعيد رسم خريطة العالم مجددًا وإنهاء هيمنة القطب الواحد على العالم ووجود معايير جديدة قد تتيح محاسبة هذه القوى على جرائمها في حق الإنسانية.
ويرى أن هذه القوى حاولت طوال سنوات استغلال مزاعم بتنامي أنشطة القاعدة لتصفية أكبر عدد من مواطني العراق وأفغانستان وباكستان؛ سعيًا لإحباط أي مساع لاستعادة هذه الدول لعافيتها، بل إنها تسعى لإنهاك النسيج الاجتماعي لهذه الدول وإشعال صراع بين هذه الشعوب وحكوماتها كي يتسنى لها السطو على مقدراتها.
شاهد أممي
وفي السياق نفسه انتقد الحقوقي المصري د.عاطف البنا حالة الصمت المزرية من جانب الدول العربية والإسلامية تجاه هذه الجرائم، وكذلك أبدى غضبه الشديد من موقف المنظمات الإقليمية مثل المؤتمر الإسلامي، معتبرًا أن هذه القوى بهذا الموقف المتراخي تعلن أنها التحقت بشكل كامل بالسياسة الأمريكية وأن النفوذ المتصاعد للعم سام على هذه البلدان هو الذي جعلها تغض الطرف تجاه هذه الجرائم.
وتابع: من حسن الحظ أن الجرائم ضد الإنسانية واستهداف المدنيين لا تسقط بالتقادم، وهو ما يعطي فرصة لهذه البلدان وفي حالة حدوث تغييرات سياسية دراماتيكية بها أن تقود من ارتكبوا هذه الجرائم لساحات القضاء، مطالبا بضرورة إدخال منظمات الأمم المتحدة علي خط الأزمة كشاهد على هذه الجرائم حتى نستطيع الحصول على دعم قانوني لمواقفنا في حالة رغبتنا في محاسبة من اقترفوا هذه الجرائم.
وحذر البنا من استمرار الأبرياء والعزل والمدنيين في دفع فاتورة المصالح الأمريكية في المنطقة، خصوصًا أن واشنطن ورغم نجاحها كما تزعم في تصفية زعيم القاعدة إلا أنها مستمرة في ترديد مزاعم بأن حربها على التنظيم مستمرة حتى تعطي نفسها مبررًا لاستمرار سطوتها على هذه البلدان ذات الطبيعية الإستراتيجية ووضع يديها على مقدراتها وليذهب المدنيون للجحيم.
تعليقاً على استهداف الأطفال والنساء وامتهان المساجد
جمعية مقومات حقوق الإنسان بدولة الكويت: النظام السوري كفر بكل المواثيق السماوية والدولية ويجب محاسبته
استنكرت جمعية مقومات حقوق الإنسان في بيان لها تعذيب الأطفال في سوريا وقتلهم كما حدث مع الطفل حمزة الخطيب الذي تم التمثيل بجسده البريء بطريقة سادية بشعة - تقشعر لها الأبدان ويشيب لها شعر الوليد - على أيدي فرق الموت التابعة للنظام السوري، مؤكدة أن استمرار استهداف المتظاهرين المدنيين والأطفال والنساء وكبار السن والمعاقين وهدم وتدنيسها المساجد ودور العبادة ومحاصرة المدن بالدبابات وقطع مياه الشرب، جريمة نكراء حرّمتها جميع الأديان السماوية والاتفاقيات ومعاهدات حقوق الإنسان الدولية.
قصف بالمدفعية
وتابعت المقومات: فُجِعنا منذ أيام بقيام الدبابات باقتحام مدينتي الرستن وتلبيسة التابعتين لمحافظة حمص؛ حيث تم قصفهما بالمدفعية الثقيلة ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بينهم أطفال كالطفلة هاجر الخطيب من مدينة الرستن التي قضت برصاصة مباشرة في الصدر أثناء توجهها مع مجموعة أطفال آخرين في حافلة صغيرة إلى مدرستهم!!
قصف المساجد
وأضاف البيان أن القصف طال أيضاً مسجدَي قلعة تلبيسة ومسجد المصطفى – حسب شهود العيان - وأدى إلى هدمهما الأمر الذي يؤكد انتهاج قوات الأمن السورية استراتيجية قتل كل شيء يتحرك دون هوادة حتى القطط في الشوارع لم تسلم من القنص، الأمر الذي يستوجب تدخلاً دولياً عاجلاً ورادعاً وليس مجرد إجراءات وعقوبات مالية ليس لها تأثير على أرض الواقع ولاسيما بعد اكتشاف مقابر جماعية في محافظة درعا وتبين من خلال الكشف على الجثث تعرضها للتعذيب والقتل البشع.
لحظة الاختبار والحقيقة
ولفت البيان إلى أنه بات على الجهات الدولية المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان ولا سيما منظمة الأمم المتحدة للطفولة «اليونيسيف» أن يثبتوا جديتهم في التعاطي مع انتهاكات حقوق الإنسان في سوريا. وأن يضغطوا بكل الوسائل الممكنة من أجل وقف حمام الدم الذي ينزف من المدنيين المسالمين كل يوم، فهذه لحظة اختبار وحقيقة بالنسبة لهم، فالدم الليبي لا يختلف عن الدم السوري ولعبة المصالح والكيل بمكيالين يجب أن تتوقف.
الدور الخليجي والعربي
وطالبت الجمعية مجلس التعاون الخليجي وجامعة الدول العربية بالضغط على مجلس الأمن الدولي للتحرك الفوري دون تباطؤ؛ لفك حصار المدن وإطلاق المعتقلين وإسعاف الجرحى ودفن الموتى والتوقف عن تعذيب وترويع الناس وإرهابهم ومداهمة منازلهم ، فهذه جريمة إبادة جماعية بحق شعب أعزل لمجرد أنه طالب بالحرية والعدالة الاجتماعية ، وقد سقط حتى الآن أكثر من ألف قتيل وعشرات الآلاف من الجرحى والمعتقلين والمفقودين، حسب المعلومات التي أكدتها المنظمات الحقوقية السورية وشهود العيان.
لاتوجد تعليقات