المجددون في الإسلام ورثة الأنبياء على الحقيقة
كانت بنو إسرائيل تسوسها الأنبياء، كلما مات نبي خلفه نبي، ولما ختمت النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم جعل الله العلماء ورثة الأنبياء يجددون لهذه الأمة أمر دينها كلما تراكمت عليه البدع والمحدثات، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها». وكان من هؤلاء المجددين في القرن الثاني عشر شيخ الإسلام محمد ابن عبدالوهاب -رحمه الله- لا أقول هذا من باب العاطفة أو المجاملة، بل أقول هذا من الواقع المتمثل في سيرته وأثره الحميد الذي يشهده المسلمون من إصلاحاته المتميزة في العقيدة والإصلاح المشهود، كما تشهد بذلك أيضاً كتبه ويشهد به المنصفون والباحثون حتى من الأعداء.
ولما كانت سنة الله في خلقه وجود الأعداء للرسل وأتباعهم من المصلحين الذين يقفون في وجه الباطل، فقد نال هذا الإمام نصيباً وافراً من الذم والاعتراض على دعوته، فصار أعداؤه يلقبون كل من عرف بالدعوة إلى الله ونشر العقيدة الصحيحة والرد على البدع والشركيات والانحرافات بأنه وهابي، وهذه مفخرة للشيخ لا مذمة والحمد لله-، ولكن هم يريدون خلاف ذلك - ويأبى الله ما يريدون - قال الشيخ ملا عمران - رحمه الله : إن كان تابع أحمد متوهبًا فليشهد الثقلان بأنني وهابي فالأعداء يريدون بهذا اللقب صد الناس عن الحق؛ بدعوى أن الدعوة التي قام بها الشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله - مذهب له خاص، انفرد به عن علماء الأمة، في حين أنه - رحمه الله - سار على ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم وما سار عليه صحابته والتابعون لهم بإحسان وما عليه القرون المفضلة التي أثنى عليها الرسول، وحث على اتباعها.
فالشيخ محمد بن عبدالوهاب - رحمه الله- لم ينفرد بمذهب خاص به ينسب إليه، كمذهب الجهمية المنسوب إلى الجهم والمعتزلة والأشاعرة والصوفية ونحوهم ممن خالفوا منهج السلف، ونسبت مذاهبهم إليهم، والشيخ محمد -رحمه الله- سار على منهج السلف الصالح وجدده بإماطة الشرك والبدع والضلالات عنه، ولكن هؤلاء الأعداء يريدون صد الناس عن الحق بدعوى أن الشيخ محمد -رحمه الله- خالف ما عليه غالب المعاصرين له ومن جاء بعدهم من البقاء على الشرك المتمثل بدعاء الأموات والاستغاثة بأصحاب القبور ومسايرة ما عليه الناس ولو كان باطلاً على حد: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ}، ويريدون أن يقطعوا الصلة بالسلف الصالح المتمسك بكتاب الله وسنة رسوله؛ فهم يزعمون أن الحق ما عليه الناس ولو خالف الحق، بل هناك من يقول إن ما عليه السلف الصالح لا يصلح لمن جاء بعدهم؛ فكل مجتمع له ظروفه وله حريته في اختيار ما يريد جيله من عقيدة أو منهج - وكأن القرآن والسنة لا يصلحان لكل زمان ومكان، والإمام مالك - رحمه الله - يقول: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها»، بل صار هؤلاء الأعداء ينسبون إلى الدعاة إلى الحق كل وصف ذميم من الجمود والتشدد والتكفير، وعمل المتفجرات والتخريب: {يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ}.
ألا يا عباد الله انتبهوا لأعدائكم وأعداء دعوة الرسول وأعداء منهج السلف من الذين يريدون أن يسوقوكم إلى الهاوية وأنتم لا تشعرون، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وعليكم بالجماعة، فإن يد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ في النار.
حدث في مثل هذا الشهر
- غزوة (ذي قرد) عام 6 هــ، وصَلّى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف.
- تمت في مثل هذا الشهر أيضًا: مبايعة عُمَر رضي الله عنه بالخِلافة عام 13 هــ.
- حدث أيضًا في مثل هذا الشهر: وفاة أبي بكر الصِدّيق -رضى الله عنه- عام 13 هــ، وأبو بكر هو أول من أسلم من الرجال، وأتى في اليوم الأول بخمسة من العشرة المُبَشّرين بالجَنّة، وهم الزُّبَير بن العَوّام وسعد بن أبي وَقّاص، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجَرّاح، وعثمان بن عَفّان، وفي اليوم الثاني أتى بثلاثة، وفي اليوم الثالث أتى باثنين.. وأبو بكر - رضي الله عنه - هو الذي صَدّق النبي صلى الله عليه وسلم في الإسراء والمعراج حين كَذبه الناس، وهو الذي صَحِب النبي صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فهو ثاني اثنين في الغار، وهو الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم : «أرحم أُمّتي بأُمّتي أبو بكر»، وهو الذي أخرج مالَه كُلّه -أكثر من مَرّة- في سبيل الله، وكان أميرًا على الحج في العام التاسع من الهجرة.. أبو بكر -رضي الله عنه- إيمانه يزِن أُمّةً، وقد استخلَفَه النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موتِه لإمامَةِ المسلمين في الصلاة، و اختاره الصحابة في سقيفة بني ساعدة لخِلافة المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، ووقف -رضي الله عنه - أمام مانعي الزكاة، ومُدّعي النُبُوّة «مسيلمة الكذاب، وسَجَاح، والأسود العنسي، وطليحة الأسدي»، وكذلك في حروب الرِدّة؛ حتى حفظ الله به الدين، وبدأ الفتوحات الإسلامية في العراق.. كل ذلك في سنتين فقط، وفي مرض موته أوصى بترشيح عُمَر -رضي الله عنه- لقيادة الأُمّة بعد وفاته نصيحة لله ورسوله.
فما أحرانا أن نعيش مع سيرة هؤلاء الأفذاذ من الرعيل الأَوّل؛ ليكونوا الأسوة والقُدوة لشبابنا، في وقت أصبح فيه القدوة باللاعبين والمُمَثِّلين والمطربين، وأصبحوا هم نجوم المجتمع، وكذلك في زمن يشتد فيه الطعن في هؤلاء الأطهار الأتقياء؛ فلابد أن نذبّ وندافع عنهم، فقد ضحّوا بدمائهم وأموالهم حتى وصل هذا الدين إلينا، رضي الله عنهم وأرضاهم.
لاتوجد تعليقات