رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. محمد إبراهيم منصور 15 ديسمبر، 2017 0 تعليق

القواعد المرعية في السياسة الشرعية (2) قاعدة ارتكاب أخف المفسدتين لتفويت أشدهما

من القواعد الأصولية والفقهية المهمة التي تدور عليها أحكام السياسة الشرعية، قاعدة اعتبار القدرة والعجز، قاعدة تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما، قاعدة ارتكاب أخف المفسدتين لتفويت أشدهما، قاعدة اعتبار المآلات، وسيكون لنا مع هذه القواعد وقفات تربوية وفوائد إيمانية وفقهية، واليوم مع قاعدة ارتكاب أخف المفسدتين لتفويت أشدهما، وقاعدة اعتبار المآلات.

     وتعني هذه القاعدة أن المفاسدَ إذا تعارَضَت بحيث لابدَّ من وقوعِ المكلَّفِ في بعضِها، فيرتكبُ المكلَّفُ أدنى المفاسدِ وأقلَّها، ويدفعُ أعلاها وأقْواها، فإذا تزاحمت المفاسد بحيث لا يتمكن المرء من ترك المفسدتين معاً، وإنما يتمكن من ترك إحداهما بشرط ارتكاب الأخرى، فحينئذٍ يرتكب المفسدة الأقل من أجل درء المفسدة الأعلى. وهذه القاعدة لها أدلة في الشريعة، ومن أدلتها قوله جل وعلا: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ}، فهنا تعارضت مفسدتان:

     المفسدة الأولى: تلف النفس، والمفسدة الثانية: الأكل من الميتة. فتجنبت المفسدة الأشد، ولو كان في ذلك ارتكاب المفسدة الأقل بأكل الميتة. في الصحيحين: «أن أعرابياً بال في طائفة من المسجد، فزجره الصحابة - رضي الله عنهم - وقالوا: مَهْ مَهْ! قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: «لا تُزْرِمُوه - أي: لا تقطعوا بوله - دعوه»؛ فتركوه حتى بال، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعاه فقال له: «إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن »، فأمر رجلاً من القوم فجاء بدلْوٍ من ماء فشنّه - صبه – عليه».

      قال ابن حجر في فتح الباري: «أمرهم بالكف عنه للمصلحة الراجحة؛ وهو دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما». وقال الـنووي فـي شـرح مسـلم: «فـيه دفع أعظم الضررين باحتـمال أخفـهـما لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دعوه».

      قال العلماء: كان قوله - صلى الله عليه وسلم -: «دعوه» لمصلحتين: إحداهما: أنه لو قُطِع عليه البول تضرر وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أَوْلى من إيقاع الضرر به.

الثانية: أن التنجيس قد حصل في جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه في أثناء بوله لتنجّست ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد.

قاعدة اعتبار المآلات

     قال في القاموس القويم في الاصطلاحات الأصولية: «مآلات الأفعال معناها أن يأخذ الفعل حكما يتفق مع ما يؤول إليه سواء أكان الفاعل يقصد ذلك الذي آل اليه الفعل أم لا يقصده»

      وقال الشاطبي رحمه الله: «النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا؛ وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو الإحجام الا بعد نظره الى ما يؤول اليه ذلك الفعل «(الموافقات) أي: أنَّ المجتهد لا يقوم بالحكم على التصرف قولاً كان ذلك التصرف أم فعلاً إلاَّ بعد أن ينظر في مآله ونتائجه، ويقدر ما سيتمخض عنه تطبيق ذلك التصرف من المصالح والمفاسد والخير والشر وبعد ذلك يصدر الحكم على التصرف بالمشروعية أو عدم المشروعية. قال ابن الجوزي: «والفقيه من نظر في الأسباب والنتائج وتأمل المقاصد» (تلبيس إبليس 222).  وقال الشاطبي: «والأشياء إنما تحل وتحرم بمآلاتها» (الموافقات).  ومن الأدلة على اعتبار المآلات قول الله -عز وجل-: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} فمنع الله -تعالى- من سب هؤلاء الكفار وآلهتهم؛ لكي لا يقوموا بسب الله -تعالى-. وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «يا عائشة لولا أن قومك حديث عهدهم بكفر لنقضت الكعبة فجعلت لها بابين، باب يدخل الناس وباب يخرجون» ففعله ابن الزبير. (رواه البخاري).

      قال الحافظ ابن حجر: «ويستفاد منه ترك المصلحة لأمن الوقوع في المفسدة، ومنه ترك إنكار المنكر خشية الوقوع في أنكر منه، والسبب في ذلك اعتبار الرسول صلى الله عليه وسلم لمآلات أفعال من أسلم حديثاً خشية أن يظنوا أنَّ رسول الله يريد هدم الكعبة وما هو بهادم لها صلى الله عليه وسلم ، بل معيد لتأسيسها على قواعد إبراهيم، ومع هذا لم يفعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقد أفتى الإمام مالك أميرَ مكة حين أراد أن يرد البيت على قواعد إبراهيم فقال له: لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله.

      وحينما استشير رسول الله بقتل من ظهر نفاقه، قال صلى الله عليه وسلم : «لا يتحدث الناس أنَّ محمداً يقتل أصحابه »، و قال عليه الصلاة والسلام: «إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه قال يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه «وقال صلى الله عليه وسلم : «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يظن أنها تبلغ ما بلغت يرفعه الله بها، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يظن أنها تبلغ ما بلغت يهوي بها في النار سبعين درجة» (صحيح البخاري).

تطبيقات عملية لهذه القواعد

في المرحلة المكية

      كانت هذه هي مرحلة كف الأيدي وتحمل الأذى والاجتهاد في التربية والدعوة إلى الله؛ فمع أن الطباع العربية لا تقبل تحمل الضيم والأذى دون رد فعل انتقامي ولو بذلت القبيلة في ذلك جميع رجالها إلا أن التكليف الشرعي كان الأمر الجازم بكف اليد والصبر على الأذى مراعاة لعوامل القدرة والعجز واستبقاء لهذه الثلة القليلة لتمارس دعوتها إلى الله؛ ولذلك كان أحدهم يتحمل الأذى في نفسه بل يرى إخوانه يتعرضون للتعذيب والقتل، ولا يستطيع أن يدفع عنهم حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرى ياسر وسمية يعذبان بل و يقتلان فلا يزيد على أن يدعو لهما ويقول: صبرا آل ياسر؛ فإن موعدكم الجنة.

      بلا شك لم يكن هذا تخاذلا عن نصرة مظلوم أو خور وتخل عن الحق وإنما كان حفاظا على هذه الثلة المؤمنة التي لا يمكنها أن تواجه هذه القوى المعادية لها سواء كانت من قريش أم ممن وراءهم من خارج مكة.

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم 

      وقد أخذ الأسباب التي يغلب على ظنه أنها تلزم لهجرته ومنها التخفي مع أ ن عمر -رضي الله عنه - هاجر مجاهرا بذلك وبلا شك فإن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبة أكمل من هجرة عمر.

غزوة أحد

      بعد أن تغير مسار المعركة وبدأ هجوم المشركين من الخلف، وارتبكت صفوف المسلمين، واستحر القتل فيهم كان في الاستمرار في القتال خطر عظيم على جنود الإسلام؛ فقرر النبي صلى الله عليه وسلم الانسحاب واللجوء إلى شعب في جبل أحد مع وجود احتمالات خطر أيضا؛ فقد يقرر المشركون استمرار بعضهم يناوش المسلمين في الشعب ويذهب الباقون إلى المدينة ليجتاحوا من فيها من الضعفة والنساء والأطفال. والأموال إلا أن هذه مفسدة محتملة ومفسدة الاستمرار محققة؛ ولذلك اختار النبي صلى الله عليه وسلم الانسحاب.

غزوة مؤتة

     هذه الغزوة أرسل فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم جيشا قوامه ثلاثة آلاف جندي، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم زيد بن حارثة قائدًا على الجيش، فإن قتل فجعفر بن أبي طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة. -[-البخاري] وانطلق الجيش حتى بلغ الشام، وفوجئ المسلمون بأن جيش الروم يبلغ مائتي ألف مقاتل، فكيف يواجهونه بثلاثة آلاف مقاتل لا غير؟

      بدأت المعركة وقتل القادة الثلاثة وأخذ الراية خالد رضي الله عنه . فكان جل تفكيره كيف يمكنه أن ينسحب من هذه المعركة غير المتكافئة بأقل خسائر؟ فكانت خطته خطة انسحاب، وعاد بهم إلى المدينة، فقابلهم الصبية وهم يرمون التراب في وجوههم؛ لأنهم تركوا الميدان ورجعوا، وكانوا يعيرونهم قائلين: يا فُرَّار، أفررتم في سبيل الله؟  ولكن رسول الله «كان يعلم المأزق الذي كان فيه جيشه فقال لهم: «ليسوا بالفرار ولكنهم الكرار إن شاء الله». وسمى هذا فتحاً، وأطلق على خالد بن الوليد في هذه المعركة سيف الله المسلول، تقديرًا لذكائه وحسن تصرفه الذي أنقذ به المسلمين من الهلاك المحقق.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك