رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. حامد بن حميدان الجدعاني 4 نوفمبر، 2018 0 تعليق

القواعد الفقهية لمعالجة لظاهرة الغلو في التكفير

هذا البحث -بعون من الله تعالى- يحاول أن يساهم بفعالية في إبراز معالم قواعد السياسة الشرعية المتعلقة بإيضاح تحريم تكفير المسلمين؛، ومحاربة ظاهرة التكفير المنتشرة في بعض الأوساط الإسلامية، ويوضح بعمق دور الفقهاء الفعال في صيانة مكانة الأمة الإسلامية ممن يحاول النيل منها.

     ويبرز جهود العلماء المتميزة في محاربة ظاهرة التكفير، مع الاهتمام ببيان الحكم الشرعي لظاهرة التكفير، وفقا للقواعد الشرعية، والمساهمة البناءة في مواجهة الفكر التكفيري بالحجة والبرهان المستندة على الكتاب والسنة.

قواعد السياسة الشرعية لمعالجة ظاهرة التسرع في التكفير

من نصوص القواعد:

1- الاحتياط لاجتناب المحرمات واجب.

2- إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام.

3- إذا اجتمع حظر وإباحة غلب جانب الحظر.

4- ترك الفساد أولى من تحصيل الصلاح.

5- الدين مبني على أصلين: ألا يعبد إلا الله، ولا يعبد إلا بما شرع، لا نعبده بالبدع.

6- سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين.

7- الشريعة بنيت على قوله -تعالى-: {وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}.

8- الفرار من الأحكام الشرعية ليس من أخلاق المؤمنين.

9- قصد الشارع من المكلف مخالفة هواه حتى يكون عبدا لله طوعا كماهو عبد لله كرها.

10- المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه.

11- قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع.

12- قصد  المكلف المصالح التي جاءت الشريعة بما يخالفها مراغمة بينة لمقصد الشارع.

13- كل إنشاء سد تصرف الشرع فهو باطل.

14- كل حكم يخالف الإسلام فالإسلام ينسخه.

15- كل فعل أفضى إلى المحرم كثيرا كان سببا للشر والفساد، فإذا لم يكن فيه مصلحة راجحة شرعية، وكانت مفسدته راجحة؛ نُهي عنه، بل كل سبب يفضي إلى الفساد نُهي عنه، إذا لم يكن فيه مصلحة راجحة.

16- كل قصد ناقض قصد الشارع فباطل.

17- كل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له؛ فقد ناقض الشريعة، وكل من ناقضها؛ فعمله في المناقضة باطل؛ فمن ابتغى في التكاليف ما لم تشرع له؛ فعمله باطل.

18- لا يشرع إلا ما شرعه الله، ولا يحرم إلا ما حرّمه الله.

19- ليس للعبد شرع ما ليس بمشروع.

20- ما أدى إلى الحرام فهو حرام.

21- المبني على الفاسد فاسد.

22- وسائل الحرام محرمة.

     يمتاز المجتمع الإسلامي عن غيره من المجتمعات بتمسكه بتطبيق الشريعة الإسلامية في مختلف مناحي الحياة منهاجا لا يحيد عنه؛ فهو مجتمع يقوم على العبودية التامة لله -تعالى-،  قال -عز شأنه-: {إن الدين عند الله الإسلام}؛ فالشريعة الإسلامية هي التي وضعت للمجتمع الإسلامي أسسه، وسماته، ومقوماته، وهذا هو سر تميز المجتمع المسلم عن بقية المجتمعات.

      وبما أن المسلم يعد نفسه لبنة صالحة في نسيج المجتمع؛ فيجب عليه أن يكون محافظا على دينه، وقيم مجتمعه وثوابته؛ ومن ذلك: محافظة المسلم على عقيدته الإسلامية، والبعد عن كل ما يشوبها، أو يقدح فيها؛ ولا ريب أن من أعظم قوادح العقيدة الإسلامية ظاهرة التكفير؛ فشرها متسطير، والشيء إذا عظم قدره شدد فيه، وكثرت شروطه، وبولغ في إبعاده.

فعلى المسلم البعد في كلامه عن الوسائل القولية والفعلية التي نهى عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنها قد تفضي إلى الشرك، ومن أمثلة ذلك:

أ- نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن التلفظ بالألفاظ التي فيها التسوية بين الله -جلا وعلا- وبين خلقه نحو: ما شاء الله وشاء فلان، يدل على ذلك حديث حذيفة بن اليمان -رضي الله عنهما- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم فلان»؛ فدل الحديث على تحريم هذا القول؛ لأن ذلك قادح في تمام التوحيد وكماله.

ب- نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الغلو في مدحه، جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه سمع عمر - رضي الله عنه - يقول على المنبر: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تطروني، كما أطرت النصارى ابن مريم؛ فإنما أنا عبد، فقولوا: عبدالله ورسوله».

     وعلى المسلم -أيضا- البعد عن كل ما يسيء إلى الإيمان بالله -تعالى-، قال ابن قدامة -رحمه الله-: «من سب الله -تعالى-، كفر، سواء كان مازحا أم جادا، وكذلك من استهزأ بالله -تعالى- أو بآياته أو برسله، أو كتبه».

    فلا بد من الحذر من تكفير الناس بغير علم؛ فهو باب عظيم، عظمت الفتنة فيه، وكثر فيه الافتراق، وتشتت فيه الأهواء؛ فالمسلم يجب عليه صون لسانه من الخوض في هذا المجال دون بينة، قال الطحاوي -رحمه الله-: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله»، وينبغي التنبيه على أن الحكم بتكفير المعين لا بد له من شرطين:

1- أن يقوم الدليل على أن هذا الشيء مما يكفر به.

2- انطباق الحكم على من فعل ذلك؛ بحيث يكون عالما بذلك، قاصدا له، فإن كان جاهلا لم يكفر.

ومن الأصول التي يجب مراعاتها، والاهتمام بها في هذا المجال، لصون الألسنة من الخوض فيما يعظم خطره، ما يلي:

- أولا: التكفير حكم شرعي لا مدخل للرأي المجرد فيه؛ لأنه من المسائل الشرعية لا العقلية؛ لذا صار القول فيه من خالص حق الله -تعالى-، لا حق فيه لأحد من عباده؛ فالكافر من كفره الله تعالى أو رسوله - صلى الله عليه وسلم - لا غير.

- ثانيا: للحكم بالردة والكفر موجبات وأسباب ونواقض الإيمان والإسلام من اعتقاد أو قول أو فعل أو شك أو ترك، مما قام على اعتباره ناقضا الدليل الواضح، والبرهان الساطع من الكتاب أو السنة أو الإجماع.

- ثالثا: يتعين التفريق بين التكفير المطلق، وهو: التكفير على وجه العموم في حق من ارتكب ناقضا من نواقض الإسلام، وبين التكفير المعين.

- رابعا: الحق عدم تكفير كل مخالف لأهل السنة والجماعة؛ لمخالفته، بل ينزل حكمه حسب مخالفته من كفر، أو بدعة أو فسق أو معصية.

- خامسا: كما أن الإيمان شعب متعددة، ورتبها متفاوتة، فكذلك الكفر الذي هو في مقابلة الإيمان، ذو شعب متعددة، ورتب متفاوتة، أشنعها: الكفر المخرج من الملة، وهناك كفر دون كفر.

- سادسا: إصدار الحكم بالتكفير لا يكون لكل أحد من آحاد الناس، أو جماعاتهم، وإنما مرد الإصدار إلى العلماء الراسخين في العلم الشرعي المشهود لهم به، وبالخيرية والفضل، الذين أخذ الله عليهم العهد والميثاق، أن يبلغوا الناس ما علموه، وأن يبينوا لهم ما أشكل عليهم من أمر دينهم.

- سابعا: التحذير الشديد والنهي الأكيد عن سوء الظن بالمسلم فضلا عن النيل منه، فكيف بتكفيره، والحكم بردته، والتسرع في ذلك بلا حجة ولا برهان من كتاب ولا سنة.

وليعلم المتسرعين في إطلاق ألفاظ التكفير أن العلماء -رحمهم الله- نبهوا إلى نواقض الإيمان حتى لا يقع فيها المسلم، وهي:

- الأول: الشرك في عبادة الله وحده لا شريك له، قال -تعالى-: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}.

- الثاني: من جعل بينه وبين الله وسائط، يدعوهم ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم.

- الثالث: من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم.

- الرابع: من اعتقد أن غير هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه.

- الخامس: من أبغض شيئا مما جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولو عمل به.

- السادس: من استهزأ بشيء من دين الله، أو ثوابه أو عقابه.

- السابع: السحر.

- الثامن: مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين.

- التاسع: من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد - صلى الله عليه وسلم .

- العاشر: الإعراض عن دين الله، لا يتعلمه، ولا يعمل به.

     إن من يعلن دخوله في الإسلام فقد أعلن التزامه به وبأحكامه؛ فلا حرية بعد ذلك في الردة عنه، ولا حرية في الاعتراض على أحكامه وشرائعه المقررة، ولا حرية في التشكيك فيها أو تحريفها.

     لقد حرص السلف الصالح -رحمه الله- على التمسك بالسنة، والاعتناء بها، والاهتمام بها، والاهتمام بنشرها، والبعد عن البدعة، والتحذير منها؛ اتباعا لقوله -تعالى-: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلكم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)} (الأنعام).، قال مجاهد -رحمه الله- في قوله -تعالى- {ولا تتبعوا السبل}: أي: البدع.

     وقال -جل وعلا-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63)} (النور)؛ فهذه الآية الكريمة تحذر من مخالفة أمره - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن المنهاج الصادق إنما يكون في اتباع هديه، قال ابن كثير -رحمه الله-: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره}: أي عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سبيله، ومنهاجه، وطريقته، وسنته، وشريعته؛ فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله، وفاعله كائنا من كان.

     عن العرباض بن سارية - رضي الله عنه - قال: «صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودّع؛ فماذا تعهد إلينا، فقال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن عبدا حبشيا، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا؛ فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالةى.

     وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، فهذان الحديثان يدلان بمنطوقهما على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود، ويدلان بمفهومهما على أن كل عمل عليه أمره فهو مقبول، والمراد بأمره هنا: دينه وشرعه.

     وكتب عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله- إلى رجل: «أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وترك ما أحدث المحدثون بعدما جرت به سنته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السنة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة، ثم اعلم أنه لم يبتدع الناس بدعة إلا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، أو عبرة فيها؛ فإن السنة إنما سنها من قد علم ما في خلافها».

     وقد سئل الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- عن الرجل هل يشتغل بالصوم والصلاة أم يسكت عن الكلام في أهل البدع؟ فكلح في وجهه وقال: إذا هو صام وصلى واعتزل الناس، أليس إنما هو لنفسه؟ قلت: بلى، قال: فإذا تكلم كان له ولغيره، يتكلم أفضل.

     ولا شك أن كشف حال أهل البدع والتحذير منهم، وتبيين أمرهم أمر عظيم، والإنكار عليهم باليد واللسان أمر مهم، ولقد أحدث المسلمون في دينهم من البدع والدخيل، ما انحرف بكثير منهم عن سواء السبيل، وعمى عليهم دينهم الحق الأصيل، فما يفتح لهم الشيطان بابا من الضلال إلا ولجوه، ولا يزين لهم شيئا من البدع إلا اتبعوه، وما زال الخطر يستفحل، والشر يتفاقم.

ولكن لابد من مراعاة أمرين:

- الأول: أن يكون ذلك كله إخلاصا لله، وطاعة له، وموافقة لأمره؛ أملا في الإصلاح، لا أن يكون ذلك لهوى النفس، أو استيفاء من أحد، أو عدواة دنيوية له.

- الثاني: أن يكون ذلك كله من خلال عمل شرعي مأمور به؛ بحيث يحقق المصلحة، ويدرأ المفسدة حسب الأحوال والظروف المختلفة.

     إن ألفاظ المؤمن يجب أن يكون غايتها هي رضا الله -جل وعلا-، وصفاء المعتقد، ووحدة الصف، لا أن يكون مقصدها الطعن في الشريعة، وإلقاء الشبهات حولها، ورد الوحي المعصوم بعرضه على العقول القاصرة، والتهوين من تحكيم الشريعة بين العباد، ونشر أقوال الفرق الضالة؛ فقد ابتلي المسلمون اليوم بمن ينسبون أنفسهم للعقل، وينشرون أهواءهم الضالة المضلة بحجة حرية الكلمة، وهي في الحقيقة حرب الكلمة.

فيجب على المسلم ألا تكون في كلمته بدعة، أو تكون داعية إلى بدعة، أو مادحة لها، أو لأصحابها، أو حاثة عليها.

 

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك