رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 18 نوفمبر، 2019 0 تعليق

القواعد الأصولية والفقهية المنظِّمة للعمل الخيري (4) قواعد التفاضل في برامج العمل الخيري

 بحث مقدم لمؤتمر العمل الخيري في جامعة أم القرى

الإسلام درجات، والخير مراتب، والمعروف مَرَاقٍ، وكلّها يتدرّج العاملُ فيها ويتقلّب بحسب قدرته ووُسعه وعلمه بين أعلاها وأدناها، والأصلُ في كلّ سالكٍ إلى الله وقاصدٍ لخدمة الإسلام والمسلمين، وساعٍ في رفعة الأمّة الإسلاميّة، أن يعتني بمعالي الأمور ويترفّع عن دناياها وسفاسفها، ويتطلّب من الخير أعلاه، ومن المعروف أرقاه، ويعتني بتمييز الفاضل عن المفضول؛ فيلزم الأعمال الفاضلة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً، ولمّا كانت الأعمال الخيريّة ذات تأثيرٍ اجتماعيٍّ عام؛ فإنّ التزامَ القائمين على الأعمال الخيريّة باختيار الفاضل دوماً، من شأنه أن يزيد في بصمة المؤسّسات الخيريّة في الحياة العامّة، ويضاعف من قدرتها على النّفع والإصلاح والتأثير الإيجابيّ.

     ومن القواعد التي يُستعان بها على معرفة الوجوه الفاضلة من المفضولة في عمل الخير: (النفع المتعدي أولى من القاصر)، (خير الأمور أوساطها)، (يقدم في كلّ ولاية من هو أقوم بمصالحها)، (لكلّ عملٍ رجال)، (الولاية الخاصّة أقوى من الولاية العامّة)، (الأصل عند اجتماع الحقوق أن يُبدَأ بالأهم)، (إذا تعارض الإعطاء والحرمان قُدِّم الإعطاء)، (الإحسان إلى الأبرار أولى من الإحسان إلى الفجار)، (ما يخشى فواته أولى بالتقديم على ما لا يخشى فواته).

النّفع المتعدِّي أفضل من القاصر

     يتناسب الثواب مع شيُوع الخير وانتشاره وكثرة المستفيدين منه؛ فإذا كان أثر الفعل يتعدَّى صاحبَه إلى غيره؛ فإنّ ثوابه يكون أكثر من ثواب الفعل الذي يقتصر أثرُه على فاعله فقط؛ فكلُّ مكلَّفٍ قادرٍ على بذل المال لحلّ أزمات المسلمين، واستنقاذهم من الخطر المحيط بهم في الحروب والنّكبات؛ فبذلُ ماله في هذا الوجه خيرٌ له من إنفاقه على نوافل عباداته، كالحجِّ والعمرة ونحوهما.

خير الأمور أوساطها

     إنّ الخير في الاعتدال في كلّ شيء؛ واختيار أواسط الأمور في أعمالنا الخيرية، ووجوهها المقترحة، ومجالاتنا التنمويّة، يحافظ على ثقة المتبرعين في المؤسسة الخيريّة، طالما ثبتت واقعيّتها ومصداقيّتها باختيار المتوسّط من الأعمال التي يمكن الحفاظ عليها والاستمرار فيها، وترك تحميل المؤسّسة ما يفوق قدرتها الماليّة وطاقاتها البشريّة؛ الأمر الذي يفضي إلى خلل محتومٍ في العمل ونقصٍ في الأداء.

     فالمؤسسات الخيرية مؤتمنة على الأموال التي بأيديها، ويتوقع المتبرعون أن نقدم لأهل الحاجات ما يفي بمتطلباتهم من غير تقتير ولا إسراف، وما يصرف للعاملين في المؤسسات الخيرية مقابل أدائهم يحدّد بأواسط الأمور وما جرى عليه العُرف وأجرة المثل، فلا ينبغي للمؤسسة أن تُعطي رواتب عالية إلى حدّ الترف والرفاهية، ولا تقتّر على مستخدميها تقتيراً يفضي إلى تقصيرهم وشعورهم بالمظلوميّة؛ فإنّ التوسّط في هذا الأمر يحقّق الثقة، كما يحقّق الثبات في الأداء، والاستقرار في الإخلاص للعمل.

وممّا يتفرّع عن هذه القاعدة أصلاً: أنّ المتخصّصين في تقدير النّفقات المستحقّة في وجهٍ ما في المؤسّسة الخيريّة، لو اختلفوا اختلافاً لا يمكن حسمُه بالدّليل العلميّ المحسوس، فمن المستحسن أن يتفقوا على العمل برأيٍ يتوسّط الآراء.

يقدَّم في كل ولاية من هو أقوم بمصالحها

     التوضيح: هذه قاعدة تكشف المعيار الأهمّ الذي لابدّ من مراعاته عند اختيار من يراد توليته أو إسناد عمل إليه، وهذا يختلف باختلاف المهامّ والأعمال؛ إذ كلّ عمل يحتاج لمهارة معينة؛ فيقدَّم في كل عمل من كان أدرى وأقوم بمصالحه؛ فينبغي على المؤسسات الوقفية والخيرية، حين تختار العاملين والمتولّين لأعمالها أن تراعي هذا المعيار؛ فتُسند الوظائف لمن تتوفّر فيه صفاتٌ تؤهّله تأهيلاً مخصوصاً لأداء تلك الوظيفة المخصوصة على أكمل وجه، وإن كانت فيه نقائصُ بالنسبة لوظيفةٍ أخرى، ومن الواجب ألا تتشوّش أذهان القائمين على هذه المؤسّسات بخلط المعايير، فليس كلّ تقيٍّ دقيقاً في الحساب، وليس كلّ عابدٍ نبيهاً، ولا كلّ متقنٍ لحرفةٍ أمينٌ تقيٌّ، وهكذا، إذ اجتماع القوّة والأمانة في النّاس قليل، فيُنظر في المواصفات الأقرب إلى تحقيق المصلحة المخصوصة فالأقرب.

لكلّ عمل رجال

     لكلّ وظيفة رجل مناسب يقوم بها، ولكل مهمّة رجل مناسب ينفّذها، ولكلّ صنعة صانعٌ يتقنها؛ فالواجب إسناد كلِّ عملٍ إلى من يُحسنه أكثر من غيره، ومراعاة التخصصات،  والمؤهّلات العلميّة والعمليّة والذهنيّة عند إسناد الوظائف والمهمّات إلى أهلها، وتوجيه الأفراد إلى المجالات التي تناسبهم بناءً عليها.

     لذا يُقدَّم لدراسة الحالات المحتاجة وكشف أحوالها من هو مختص بهذا الشأن، وله دراية علمية بالشؤون الاجتماعية وأحوال المجتمع، ممّن تخصّصوا في ذلك واتّسعت فيه خبراتهم، ولا يُجزئ أن يُزجَّ في هذا الميدان بمن تنطلي عليه الأمور، أو ينظر إليها بعاطفته، وكذا يُكلَّف بحساب الزكاة من له اختصاصٌ شرعيٌّ.

الولاية الخاصة أقوى من الولاية العامة

     التوضيح: الأصل في صلاحيّات الوليّ الخاصّ أن تنتقل إلى السلطان بمقتضى ولايته العامّة عند غياب الأوّل، لكن إذا وُجدت الولاية الخاصّة؛ فتُقدَّم على ولاية السلطان أو نائبه؛ لأنّها ولايةٌ لمُختصٍّ بها، بينما ولاية السلطان تشملُ ذلك بطريق العموم، وما كان أقلّ اشتراكاً، كان أقوى تأثيراً وامتلاكاً، أي تمكُّنًا، فلا يملك القاضي عزل القيّم على الوَقْف، ولو كان هو الذي ولَّاه نَظارةَ الوَقْف، إلّا إذا ثبتت خيانة ذلك النّاظر، ولا يملك القاضي التصرُّف في مال اليتيم مع وجود وصيٍّ على اليتيم، ولو كان ذلك الوصيُّ منصوباً من قِبَل القاضي، إلّا إنْ ثبتت خيانة الوصيّ.

الأصل عند اجتماع الحقوق أن يُبدَأ بالأهم

     عند تزاحم الحقوق لا يقدَّم فيها أحد على أحد إلا بمرجّح ومقتضٍ يقتضي تقديمه، ويبرهن على أنّه أولى ممّا أُخر عنه أوأُجِّل إلى ما بعده؛ فإنّه لا يجوز تقديم ما أخّره الله، ولا تأخير ما قدّمه، ولاسيما عند ازدحام الحقوق، وتضاؤل القدرة عن الوفاء بها جميعاً، أو ضيق الإمكانات عن الوفاء بكلّ الحقوق في وقتٍ واحدٍ، وإن كانت تسع الجميع في الواقع.

ومن تطبيقات هذه القاعدة: تقديم ما قدّمه الواقف في شرطِه، وتأخير ما أخّره؛ فإذا كان قد اشترط أنّ وقفه على طلبة العلم؛ فإن فضَلَ عنهم شيءٌ فإلى الجُنْد، لم يجُزْ للنّاظر تقديم الجُنْد على طلبة العلم.

     ومن موجبات التقديم في الاستحقاق من الزكاة: شدة الحاجة، والإنفاق على المسلمين المنكوبين بأمراض وبائيّة توشك أن تبيدهم وتستأصلهم أهمّ من الإنفاق على حالاتٍ مرضيّة فرديّة يضرّ تأخيرها ويمكن أن يتعايش المريض معها، أو لا يتأذّى بتأخير علاجها إلّا أذىً يسيراً محتملاً، وهكذا.

إذا تعارض الإعطاء والحرمان قُدِّم الإعطاء

إذا وُجِد سبب يقتضي الإعطاء وآخر يقتضي المنع، ولم يوجد مرجِّح بينهما، قُدِّم الإعطاء على الحرمان.

     ومن صور العمل بهذه القاعدة: لفظ الواقف أو المتبرّع تبرّعاً مشروطاً، إذا وُجد في كلامه ما يُعارضُ بعضُه بعضاً، وظهر فيه ما يقتضي منعَ إنسانٍ وما يقتضي إعطاءَه في آنٍ، ولم يمكّن التحقُّق من إرادته والوقوف على مقصده بمرجّح يصلح للعمل؛ فالإعطاء مقدّمٌ على المنع حينها، ووجه تقديم الإعطاء على المنع هو أنّ الواقف أو المتبرّع نجزمُ بقصدٍ عامٍّ له، وهو أنّه يقصد تكثير الخير، وتعميم الإعطاء، وتوسيع دائرة البذل؛ فإذا عمي علينا الوقوف على قصده المخصوص في صورةٍ مخصوصة، طرحنا الدّليلين المتعارضين في خصوص تلك الصورة، وأعملنا مقصده العامّ المعروف الظاهر لكلّ أحد.

الإحسان إلى الأبرار

     هذا عند استواء البَرِّ والفاجر في الحاجة؛ لأن الحاجة المُعبَّرَ عنها في القرآن بالفقر والمسكنة هي علّة الاستحقاق أصلاً؛ فإذا استويا فيها؛ فالأصل تقديم أهل الدِّين والاستقامة والالتزام على غيرهم؛ لئلّا تكون سبباً في أن يتقوّى بها العُصاة على معصية الله -تعالى-؛ فالمزكِّي عليه أن يتحرّى بزكاته أهل الدِّين الملتزمين بالشريعة، أما أهل الفجور، فلا ينبغي أن يُعانوا على فجورهم بالزكاة، ويحرُم دفع صدقة التطوع إلى العاصي بسفره أو إقامته إذا كان فيه إعانة له على ذلك، وكذا يحرُم دفعها إلى الفاسق الذي يستعين بها على المعصية، وإن كان عاجزاً عن الكسب، على أنّه لا مانع من أن يعتري الصورة المفضولة ما يجعلها فاضلةً في بعض الظروف، وهذا محكومٌ بالزمان والمكان والأعيان.

ما يُخشى فواته أولى بالتقديم

     التوضيح: أهل الحاجات متفاوتون في حاجاتهم؛ فمنهم الفقير, ومنهم الأفقر, ومنهم المحتاج, ومنهم الأحوج, ومنهم من حالته ملحّة حالّة, ومنهم من حالته متوقّعةٌ قريبة, ومنهم المحتاج إلى الضروريات, ومنهم المحتاج إلى الكماليات، والوجه في كلّ ذلك أن تُقدّم إغاثة المنكوبين في النوازل والكوارث؛ لأنّ المصالح التي شُرِعَ العَوْن لحفظها، والضروريّات التي نزلت الشرائع أصلاً وخُلق المال أساساً لصيانتها، تفوت في حال تأخّر مدّ يد العون إليهم.

     في حين أنّنا نجد أموراً تحتمل التأخير؛ فالإغاثة العاجلة أولى بالتقديم من إقامة الأوقاف والمشاريع وتنمية الخطط المستقبليّة للأجيال القادمة، وكذلك حفظ الأنفس والأعراض من الضروريّات، وهي أولى بالحفظ من الحاجيّات؛ كإقامة المشاريع التعليمية والتثقيفية، وعلى مستوى التعليم والإرشاد: العناية بتصحيح العقيدة، وتحقيق التوحيد، في الأوساط التي يُستهان فيها بذلك، أولى من الاشتغال بتحقيق مفصّل الاتّباع ونشر السّنن ومحاربة المكروهات والحضّ على الكمالات التعبّديّة.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك