رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 29 أكتوبر، 2019 0 تعليق

القواعد الأصولية والفقهية المنظمة للعمل الخيري(2)

بحث مقدم لمؤتمر العمل الخيري في جامعة أم القرى

يتضمّن هذا البحث تعريفًا مختصرًا بعلم القواعد الفقهية وعلاقته بغيره من علوم الفقه، وتنويهًا بأهميّته، كما يتضمّن تقرير أهميّة التأصيل الشرعيّ لمؤسسات العمل الخيري في مجالاتها الإداريّة والعملية وأعمالها الميدانية، لا في أرضيّة العمل الخيريّ النظريّة العلميّة فقط، كما يتضمّن البحث سردًا وشرحًا لأهمّ القواعد الفقهيّة التي يتّسع مجال تطبيقها، وتكثر الصور المندرجة تحتها في مجال الأعمال الخيرية، لا سيما منها ما ارتبط بالنّوازل المعاصرة التي ترتّب عليها خلق ميادين جديدة واسعة لهذا النوع من الأعمال، على أثر موجات النزوح واللجوء التي لم تكد تسلم منها بقعة من العالم.

المرجع إلى العرف

     كل اسم ليس له حدٌّ في اللّغة ولا في الشّرع؛ فالمرجع فيه إلى العرف، ومعناه كلّ لفظٍ استُعمل في كلام الشّارع ليدلّ به على حُكمه ومراده في أمرٍ ما؛ فالأصل أن يُفهم معناه من كلام الشارع نفسه؛ فإن لم يكن له فيه حد؛ فالمرجع فيه إلى لغة العرب؛ فإن خلا الشّرع واللّغة عن تحديدِ معنىً ثابتٍ لذلك الاسم، رُجع فيه إلى العُرف، والعُرف هو: «عادة جمهورِ قومٍ في قول أو فعل».

     ممّا يتخرّج على هذه القاعدة الولاية على الأموال، والنّيابة في التصرّفات عن المتبرّعين والموكّلين؛ فإنّه لا حدّ في الشّرع للولاية ولا للنّيابة، وإنّما يتغيّر حدّها بتغيّر الأعراف وتقلُّب الأزمان، وكذلك كفاية الفقير من أموال الزكاة والصدقات، بل إنّ أوصاف الفقر والمسكنة والحاجة والعوز في ذاتها، هي في الحقيقة خاضعة للعُرف.

 الأصل براءة الذمّة

     الذّمّة: وصفٌ يصير الشخص به أهلاً للإيجاب له وعليه؛ فيكون معنى القاعدة: الحكم المستمرّ الثابت المعمول به، أنّ ذمّة الإنسان خاليةٌ من وجوب الحقوق فيها على السواء في ذلك حقوق الله -تعالى- وحقوق المخلوقين، ولا تُشغل بشيء من ذلك إلّا بدليل؛ فإنّ المرء يولد ويخرج إلى حيّز الوجود خالياً عن كلّ التزامٍ أو دَيْن أو مسؤوليّة.

     وممّا يتخرّج على هذه القاعدة، أنّ ذمّة المؤسّسة الخيريّة بريئةٌ من ضمان أيّ شيءٍ لأيّ جهةٍ بناءً على ما يقع بينها وبين المتبرّعين من النّيابة والتوكيل، في حال حدوث أيّ خللٍ أو نقصٍ قدريٍّ في تنفيذ المشروعات الخيريّة، وإيصال الأموال النقديّة، أو المساعدات العينيّة إلى المستحقّين، إلّا في حال ثبوت التقصير والتفريط؛ وذلك لأنّ الأصل في يد المؤسّسات الخيريّة أنّه يد أمانةٍ لا ضمان عليها إلّا إذا ثبت التقصير.

الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد

     هذه قاعدة أصوليّة متفقٌ عليها، وتوضيحها أنّ «اجتهاد المجتهد في المسائل الظنيّة التي لم يرد فيها دليلٌ قاطعٌ لا يُنقض باجتهاد مثله إجماعاً، أي في المسائل التي يسوغ فيها الاجتهاد؛ لأنه لو نُقض الأوّل بالثاني لجاز أن يُنقض الثاني بالثالث؛ لأنّه ما من اجتهاد إلا ويجوز أن يتغير؛ وذلك يؤدّي إلى عدم الاستقرار، ويلزم التسلسل».

وهذه القاعدة ليست قاصرةً على حُكم الفقيه المجتهد والقاضي فقط، بل يدخل فيها كلّ مكلّف سواءً كان شخصاً حقيقيًّا أو اعتباريًّا، كالشّركة والجمعيّة والمؤسّسة، وذلك فيما يسوغ فيه الاجتهاد من غير المجتهد.

     وممّا يتخرّج عليها القرارات الإداريّة التي تُتّخذ في مرحلةٍ ما من عمر المؤسّسة، التي قد يكون ترتّب عليها بعض النّفقات والإجراءات التنفيذيّة، لا يلزم الرجوع عنها بإبطال آثارها إذا تبيّن أنّها كانت خاطئة، وإنما يُتحوّل عنها لاتخاذ المسلك الصحيح في المرحلة المستقبليّة.

وكذا المجتهد في تقييم استحقاق جهةٍ ما من مال الزكاة، أو في انطباق شروط بعض الواقفين عليها، ثم يتبيّن له خطأ الاجتهاد الذي عمل به مدّةً، يلزمه تصحيحه ولا يلزمه تصحيح آثاره، ولا يضمن شيئاً بسببه، إذا كان ممّا يسوغ منه ويُقبل.

التكليفُ مشروطٌ بالتمكُّن

     التكليفُ مشروطٌ بالتمكُّن من العلم والقدرة على الفعل، والتكليف هو إلزامُ مقتضى خطاب الشارع؛ فيكون المعنى أنّ مقتضى الخطاب الشرعيّ في ذمّة المكلّف لا يثبت إلا بعد علمه به، وبلوغه إيّاه، وقدرته على إنفاذه والامتثال له، والمراد بمقتضى الخطاب هنا هو الأحكام التكليفيّة الخمسة من وجوبٍ واستحبابٍ وكراهةٍ وتحريمٍ، وكذا الإباحة؛ لأنّها مقتضى الخطاب إذا كان الخطابُ خطابَ تخيير.

القدرة المشروطة

     ونحن إذا نظرنا في مسألة القدرة المشروطة في القاعدة، وجدنا أنّها أصلاً تؤول إلى العلم؛ لأنّ ما تعذّر العلمُ به لم تكن ثمّة قدرةٌ على الامتثال له؛ لذلك فالكلام في هذه القاعدة ليس هو الكلام المشهور للأصوليّين عند تحريرهم لشروط التكليف؛ إذ يجمعون على اشتراط العلم عند تعدادهم لشروط المكلَّف، أو شروط المكلَّف به، وإنّما ميدان هذه القاعدة هو الجواب على السؤال الآتي: هل يثبت أثرُ الخطابِ الشرعيّ في ذمّة المكلّف قبل بلوغه إيّاه؟ بمعنى أنْ يُطالَبَ بقضاءِ ما يكلّفه به الخطابُ عن الفترةِ التي كانت قبل بلوغه؟ أم لا أثر للخطابِ مطلقاً قبل بلوغه، ولا يمكن أن تترتّب عليه مطالبةٌ إلّا بعد بلوغه المكلَّفَ؟ الرّاجح الثاني، وهو ما تنصّ عليه القاعدة، ومن ثمراتها مثلاً: من لم يبلغه الخطابُ بالصّلاةِ، هل يُؤمَر بقضاء ما فاته من الصّلوات التي كانت بين يوم بلوغه إلى اليوم الذي بلغه فيه الخطاب؛ لأنّه مطالبٌ منذ أن صحّ خطابُه وإن لم يبلغه الخطاب؟ أم لا حكم ولا أثر للخطاب الشرعيّ إلّا بعد بلوغه وسماعه والعلم به؟ الراجح الثاني.

كثيرٌ من الفروع

     ويتخرّج على هذه القاعدة كثيرٌ من الفروع والصّور إذا تعامل المسلم -شخصاً حقيقيًّا أو اعتباريًّا- بمعاملةٍ كان يراها صحيحةً باجتهادٍ ممّن يسوغ منه، أو استفتاء، ثمّ ظهر له أنّ الصحيح بطلانها، لم يحرم عليه الانتفاع بآثارها والالتزام بحكمها، وكذا ناظر الوقف، أو الوصيّ على المال، إذا تصرّف تصرُّفاً من مضاربةٍ أو مزارعةٍ أو تأجيرٍ، ثمّ تبيّن له خطأ اجتهاده أو بطلانه، لم يكن ضامناً لآثاره إذا كان محتاطاً بما يكفي لإبراء ذمّته.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك