رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: عيسى القدومي 26 ديسمبر، 2010 0 تعليق

القطاع الثالث بعد دعاوى الإرهـاب والضحايا البريئة

 

كما أمتعنا وعودنا  د. محمد بن عبد الله السلومي الباحث الجاد في كتاباته الفريدة والمتخصصة بالعمل الخيري والوقفي والتحديات التي تواجههه، عاد لنا ليؤكد في كتابه الجديد : «القطاع الثالث والفرص السانحة.. رؤية مستقبلية» أن القطاع الثالث المتمثل في المؤسسات غير الربحية والمؤسسات الخيرية والوقفية والجمعيات الخيرية والأهلية ومؤسسات المجتمع المدني تعد شريكاً أساسياً ومكملاً في جميع عمليات التنمية في الدولة الحديثة. فالقطاع الخيري (الثالث) مسدد ومكمل وموجه للقطاعين الحكومي والخاص.

     سبق ذلك الكتاب للمؤلف – حفظه الله - كتابان فريدان في مادتهما وهما: «ضحايا بريئة»، و»القطاع الخيري ودعاوى الإرهاب»، وأوضح في كتابه الذي نستعرض أهم ما جاء فيه أن القطاع الثالث قوة إدارية مساندة للقطاع الحكومي، يسد الثغرات، ويعالج التقصير، ويقوي نفوذه، ويكسبه قوة اقتصادية وسياسية، ومسهم فاعل في دعم السلطات الثلاث: (التشريعية، التنفيذية، القضائية) في الدولة الحديثة. وله الأهمية القصوى في تقوية السياسات الخارجية للدول من خلال مؤسساته العلمية والثقافية والإغاثة.

     ودحضاً للأكاذيب التي تشاع بأن المؤسسات الخيرية – في العالم العربي- تقوض السلطة الحاكمة أفاد الباحث بأن القطاع الثالث يقوي السياسة الوطنية؛ حيث إن الدولة بقطاعها الحكومي (التنفيذي) لا تقوى على الكثير من المجالات التي يغطيها القطاع الثالث، بل هو شريك أساسي في تقوية العلاقات الخارجية فهو قوة إدارية وسياسية للدول التي تعمل به، وكلما كانت مؤسسات القطاع الثالث ومنظماته مرتبطة بالقدر المطلوب بأيديولوجية الدولة وجزءًا من استراتيجيتها، تعطي للدولة القوة الداخلية والخارجية، وبقدر ما تضعف تلك الرابطة أو تغيب تصبح مؤسسات القطاع الثالث معول هدم لإضعاف الحكومة، وفي بعض الأحيان مدخلاً داخلياً أو خارجياً لإضعاف الفكر والثقافية والدين والوطنية وأنماط الحياة الاجتماعية.

     وأوضح الباحث أن أمتنا - ولله الحمد - تمتلك مقومات نجاح قطاع المؤسسات الخيرية والوقفية الإسلامية، ولخصها في أربع وهي: الشريعة الإسلامية، والتجربة التاريخية (تطبيقات عملية تاريخية)، حيث إن الإسلام أول من قدم للبشرية الوقف بوصفه عملاً إنسانياً مستداماً، وثالثها القوى البشرية، وآخرها المال والموارد من صدقة عامة وجارية وتطوع وزكاة وفعل الخير .

     وللتدليل على مكانة القطاع الثالث في أمريكا على سبيل المثال جمع الباحث الآتي: 1.6 مليون منظمة ، وتبرعات فاقت 316 مليارا، و11 مليون موظف، و90 مليون متطوع . وحول واقع البذل التطوعي في دول العالم فاجأنا الباحث بالأرقام الآتية: بأن كل 200 من سكان الولايات المتحدة يحظون بمؤسسة بذل تطوعي ، وكل 150 من سكان ألمانيا يحظون بمؤسسة بذل تطوعي، وكل 130 من اليهود في الكيان المحتل يحظون بمؤسسة ترعى مصالحهم.

     ولخص د. السلومي المطلوب لإعادة مكانة القطاع الخيري والوقفي إلى ما كان عليه بأن نفعل دور مؤسساتنا الخيرية والوقفية والاجتماعية، والانتقال بها إدارياً إلى مفهوم القطاع الثالث ، فالدولة التي تتعاون وتدعم القطاع الثالث، وتجعلها مساهماً كبيراً وشريكاً دائماً في عمليات التنمية؛ تحقق الاستقرار في المجتمع.

     ومقارنة بين حضارتنا وبين الحضارات الأخرى أوضح الباحث أن حضارتنا تتميز بأنها: حضارة شعبية من صنع أفراد الشعب، وحضارة إنسانية، وبذل الخير مطلوب من كل مسلم، فإرادة الخير متوافرة والنفع للمجتمع مقصد شرعي، وحضارتنا حضارة متجددة ومستمرة استطاعت طوال القرون أن تصمد أمام أحداث من التقلبات السياسية والحروب والآفات والمجاعات، ومثل هذه الأحداث لم تصمد لها الحضارات التي عرفتها البشرية وبادت بسببها.

والقطاع الخيري في الإسلام يتميز بأنه حضارة شعبية ومن مبادئ دينية وأنه قطاع شامل ومتكامل لمواجهة كل شيء بمرونة، كما أنه قطاع إنساني فهو بجميع أنواعه بر وإحسان لجميع الإنسانية.

     وحضارتنا متوازنة متناسقة في شؤون الاقتصاد والسياسة والحكم والاجتماع والتربية والتعليم والصحة، وحضارتنا لا تلغي الآخر، فقد استفادت مما لدى الحضارات الأخرى السابقة وصححت المسار وأضافت إضافات راقية في شتى مجالات الفكر والمعرفة والعلوم والصناعة والتقنية، حيث كانت الدولة الإسلامية في العهد الأموي هي الأكثر عالمياً وفي الدولة العباسية الأولى كذلك، وفي 200 سنة الأولى من العهد العثماني هي الدولة الأولى في العالم.

     ولإحياء الهمم في النفوس كتب الباحث بأننا حينما نتحدث عن تجارب الماضي الإسلامي لا يعني هذا أننا نتباكى على الأطلال ولا ندعو لاستنساخ الماضي، بل نذكرها بوصفها تجربة ثرية، نعمل على تجديدها بما تستدعيه ظروف المكان والزمان، ولا نتكلم عن تجارب الغرب في القطاع الثالث بنفسية مهزومة وعقلية مأخوذة للغرب، بل نعرض ذلك ونحن نعتز بالإسلام وتشريعاته، ونعجب كيف أن الغرب قد استفاد من نظام الوقف الإسلامي ليحط لوائحه ونظمه المستمدة من النظام الإسلامي، نريد أن نجدد العزائم، ونستهدف الهمم، في زمن اليأس والإحباط.

وأضاف: نحن نستعرض صور أوقافنا الإسلامية في العصور الإسلامية لا نريد أن ننعزل عن واقعنا، المحلي والعالمي، بالاستغراق في تمجيد صور الماضي المشرق للحضارة الإسلامية.

     ومقارنة بين بداية نظام وتطبيق الوقف بين الأمم والشعوب، أوضح الباحث أن الوقف في الإسلام بدأ زمن النبوة (القرن السادس الميلادي) في حين أن أول إشارة للوقف في النظم الغربية كانت في التشريعات الإنجليزية التي صورت في (القرن السابع عشر) أي بعد أكثر من ألف عام،  ذلك القطاع الخيري والوقفي بمؤسساته وقطاعه الواسع الذي يشمل كل مناحي الحياة التعبدية والتعليمية والثنائية والإرشادية والإنسانية والمعيشية والإغاثية والذي حفظ مع غيره للمسلمين دينهم وهويتهم وقيمهم ومثلهم العليا، حتى في أشد الظروف صعوبة، وأكثرها قساوة. وكان أكبر اتساعاً من مؤسسات القطاع الحكومي أو القطاع التجاري الخاص، فكان هذا القطاع مصدراً للعلم والمعرفة والوقاية والعلاج.

     ولهذا عرف الغرب لماذا بقيت الحضارة الإسلامية بعد سقوط عاصمتها بغداد عندما غزاها التتار عام 1258م، وعرف أيضاً لماذا اندثرت حضارة روما بعد غزو البرابرة عام 476م .

ويؤكد الكاتب أن العمل الخيري هو القوة السليمة الهادفة (الجبارة) التي تعمل في صمت وهدوء، بعيداً عن صخب السياسة ونزاعات الحكم، فبقي سليماً وغير مستهدف لمدة طويلة قبل أن يكشفه الغرب من جهة ثم يحاربه، ومن جهة أخرى الاتجاه العلماني وأعداء الأمة الذين أرادوا إضعافها بتقويض مقوماتها.

     حيث استطاع الإسلام أن يجعل القطاع الخيري يتعدى دور (حالات الطوارئ) إلى دور التنمية والاهتمام بكل شرائح المجتمع دون شقاق أو نزاع مع مؤسسات (القطاع الحكومي)، ولتطور مفهوم الدولة عبر التاريخ، اصطلح الغرب على تسمية القطاعات الثلاث للدول (وفق المفهوم الإداري الحديث):القطاع الحكومي. القطاع التجاري (الأهلي).

القطاع الثالث القطاع الخيري والوقفي (اللاربحي).

     إلا أن التجربة الغربية في قطاعها الثالث في العصر الحاضر على الرغم من فاعليتها وإنجازاتها في بعض المجالات ونظمها الإدارية الناجحة غير قادرة على المنافسة والمحاكاة في فاعلية الأهداف والدوافع والتشريعات في القطاع الخيري الإسلامي. فالقطاع الخيري الإسلامي قائم على المبادئ والأخلاق التي تدفع العطاء أو تمنحه أو تصاحبه بأعمال فردية ومؤسسية.

     ويضيف الباحث : حسبنا أن التطبيقات التاريخية للمؤسسات الوقفية المانحة أنتجت حضارة إسلامية تحث على البذل والعطاء عبر اثني عشر قرناً من الزمان، مبادئ تجاوزت حقوق الإنسان إلى كرامته وشرعت لحقوق الحيوان، ومنحت الحقوق لغير المسلمين حتى شرعت حق الأسير الكافر {ويطمعون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً}.

     وكشفاً لواقعنا المرير مع القطاع الخيري كتب الباحث متألماً بأنه أول مرة في التاريخ أضحى العمل الخيري الإسلامي محل شبهات وشك وخوف وتوجس عند كثير من أبناء المسلمين حكاماً وسياسيين مفكرين ومثقفين وتجاراً ومانحين، وهذا نتاج عمل دؤوب واستراتيجيات ثابتة انتهجها الغرب ليوصل عملنا الخيري إلى ما وصل إليه. في الوقت الذي يدعم فيه الغرب قطاعه الخيري ويعده قطاعاً ثالثاً، حرص كذلك على محاربة القطاع الخيري في المجتمعات الإسلامية من خلال هيمنته ونفوذه وسيطرته على كثير من الحكومات الإسلامية.

     ذلك التضييق في ظل واقع مرير يعيشه - حسب إحصائية في تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية العربية لعام 2009، 65- مليون عربي يعانون الفقر ويرزحون تحت خط الفقر، و37% في العالم الإسلامي يعيشون الفقر وتحت خط الفقر . وهذا يعني أن ثلث سكان العالم الإسلامي تحت خط الفقر.

     وفي الفصل الأول وتحت عنوان: «جوانب في حقيقة القطاع الثالث ودوره» أفاد الباحث بأن كل عمل مؤسسي مستقل عن القطاعين (الحكومي والتجاري) ومكمل لأدوارهما يعد من عناصر القطاع الثالث؛ فالقطاع الثالث: مصطلح إداري اعتمدته منظمة الأمم المتحدة في تسمية كل المؤسسات المستقلة إدارياً عن القطاع الأول (الحكومي) وعن القطاع الثاني (التجاري)، وهو قطاع (الغُنم دون الغرم) يمنح القطاع الحكومي القوة السياسية والاقتصادية.وهذا القطاع يساهم في خدمة كل القطاعات وكذلك السلطات خاصة في مجال الدراسات والانتشارات والاستراتيجيات المحلية والدولية، ويعلمنا فن المشاركة.

     ومن الحقائق المسلم بها ارتفاع منسوب المعرفة لدى شعوب العالم العربي ومجتمعاته فقد أصبح قوياً بحقوقه وواجباته الاجتماعية والسياسية والثقافية، وبسبب عدم وجود المؤسسات الحاضنة والمستوعبة لتلك الطاقات نشأت الحركات والتنظيمات السرية، ونشأت جماعات التطرف الديني والسياسي.

     ولي إضافة على ما كتب د. السلومي بأن القطاع الثالث، نعم هو  قطاع أوجده ورعاه النظام في العالم الغربي، وسُنت له التشريعات التي تحفظ وجوده وتديم استمراره. ولكن في عالمنا العربي والإسلامي لا يسمح أن يكون لدينا القطاع الثالث المستقل النامي، ويفرض على مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات الخيرية والوقفية أن تكون تحت سيطرة الحكومات والدولة، وأن تبقى محدودة الإمكانات والنشاط والآفاق.

     فلا يراد له أن يكون كيانا مستقلا كما كان الوقف في العهود الإسلامية السابقة، ومطلوب أن يكون تحت رعاية وإدارة الدولة والحكومة، وأن يقيد بتشريعات ونظم تعطل هذه المؤسسات عن أداء مهمتها المناطة بها على الوجه الصحيح؛ فليس من السهل أن تصل مؤسساتنا الخيرية والوقفية لتكون شريكاً أساسياً موجها للقطاعين الحكومي والخاص، بل على الرغم من أن الكثير من مؤسساتنا مع شفافيتها ووضوحها تحارب وتقيد وتمنع من الانتشار وتوضع لها العراقيل أمام تحقيق أهدافها؛ لأن في نمائها خطورة وتحديا؛ ولهذا أدخلت تلك المؤسسات والجمعيات ضمن قائمة محاربة الإرهاب والتطرف؛ ولهذا من الصعب المقارنة بين ما عندنا وما عندهم؛ لأن المقارنة حتى تكون متكافئة لابد أن توفر الفرص المتوازية لنحقق ما نهدف إلى تحقيقه .

     وسأكمل – بمشيئة الله - في العدد القادم الفوائد والتوجيهات والبيانات من كتاب حري أن يقرأ ولاسيما من أهل الاختصاص، فهو دراسة علمية أجاد الباحث الدكتور محمد السلومي في إعطاء الرؤية المستقبلية للقطاع الثالث في عالمنا العربي والإسلامي والحلول الإستراتيجية التي تتجاوز الإخفاقات والتحديات المتعددة الاتجاهات والمسارات، وحقاً أننا عشنا مع صفحات كتابه الأمل بأن الأمة لن تفقد مقومات عزها وستعود كما كانت في سابق عهدها الدولة الأولى في العالم ، وتعود حضارتها العادلة التي لم تهمل حتى حق الأسير الكافر: {ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماً وأسيراً} (الإنسان: 8).

     والأمة مع ضعفها وتكالب السهام عليها من كل صوب إلا أنها – كما يرى الباحثون الغربيون من خلال المؤشرات والدراسات – في انتشار وصعود، فهي الديانة القادرة على تقديم الخير بلا حدود والمؤهلة لعرض القيم الإنسانية للعالم مستقبلاً.

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك