الفسيفساء اللبنانية وترتيبات ما بعد تغير التوازنات
يعيش لبنان منذ تأسيسه حالة صراع بين طوائف وأديان ومذاهب وأحياناً عائلات سياسية، فهو بلد الطوائف الثمانية عشر والانقسامات الفكرية، ولا يكاد يوجد فكر أو فرقة أو مذهب أو دين إلا وله في لبنان موطئ قدم حتى قيل فيه إنه نموذج مصغر من العالم، وغالباً ما تجد فيه الدول المتصارعة ساحة للمنازلة وهو حالياً يشهد خلطاً للأوراق وإعادة ترتيب للتوازنات السياسية، وحتى نستطيع فهم الواقع اللبناني لا بدّ من قراءة سريعة لموازين القوى فيه:
عدد سكان لبنان: 4,000,000, وينقسم إلى طوائف دينية، وهي كالآتي:
السنّة: 30 %، والشيعة: 26%، والموارنة: 21%، والروم : 11%، والأرمن: 4%، وأقليات نصرانية: 3%، والدروز: 6%، والنصيريون (العلويون): 1%.
1- حزب الجنوب:
يمتلك قوة عسكرية كبرى قوامها 100,000 عسكري وغيرها من الأعتدة الحديثة ويمتلك 40,000 صاروخ وجهاز أمن متطور استطاع أن يخترق أهم أجهزة المخابرات في العالم، وكل ذلك حسب التقارير العسكرية الغربية (مع العلم أنه لا توجد إحصائيات دقيقة عن الواقع العسكري لحزب الجنوب لكن تجمع الدراسات أنه أقوى من الجيش اللبناني الذي يبلغ عدده 82,000 ومقسم طائفياً) كما أنه له تحالفات مهمة من الساحة الشيعية وهو مع حركة أمل يمتلكان90% من تأييد الطائفة الشيعية، كما أن له تحالفات مهمة في الساحة النصرانية.
كما يحظى حزب الجنوب برعاية كاملة ودعم غير محدود من إيران.
2- تيار المستقبل:
يقود 65 % من سنة لبنان لكن بقيادة مختلطة ترفض أن تكون سنية بل أعلن مؤخراً أنه تيار وطني يضم في قيادته مختلف الطوائف, ولا يمتلك أي جناح عسكري.
وعنده مؤسسات إعلامية منتشرة في أكثر من بلد وشركات تجارية وتعهدات أشهرها سوليدير ويفتخر بأن عنده 100,000 ناخب لبناني من الموظفين في شركاته وعائلاتهم.
ويعاني تيار المستقبل مثل أغلب التيارات من عدم التنظيم والاختلافات والتنازع والتي يسعى الجميع لترميمها وإدخال العلماء وطلبة العلم لتصحيح المسار للوحدة والتعاون.
3- القوات اللبنانية:
كانت في السابق تمثل الأصولية النصرانية المتحالفة مع دولة اليهود من أجل حماية المجتمع النصراني في لبنان، واستطاعت في الثمانينيات من القرن الماضي أن تبني قوة عسكرية كبرى وأن تحكم المناطق المسيحية ضمن دويلة كانت تسمى المنطقة الشرقية، ويحظى حالياً بدعم وتأييد حوالي 25% من الساحة النصرانية، ويعد الأكثر تنظيماً بعد حزب الجنوب لكن جناحه العسكري يعاني الشيخوخة وعدم إمكانية ضخ دم جديد وصعوبة التسلح .
4- التيار الوطني الحر:
أو التيار العوني يرأسه العماد ميشال عون ويستمد توجيهاته ومبادئه من أقواله وأفكاره، وبالتالي هو لا يعدّ حركة منظمة تنظيماً جذرياً وثابتاً وزعيمه خاض سابقاً حربين خاسرتين هما حرب الإلغاء وحرب التحرير ضد القوات اللبنانية وسوريا انتهتا بهروبه من قصر بعبدا إلى فرنسا لكنه استطاع اليوم أن يحافظ على تأييد 50% من النصارى بالرغم من كل الحملات التي يتعرض لها، رغم من تحالفه مع حزب الجنوب وتأييده للسياسات الإيرانية، وهو ما كان يعدّ من المحرمات في الساحة النصرانية.
5- حلفاء سوريا:
تتقدمهم حركة أمل وهي الفصيل الشيعي الثاني بعد حزب الجنوب وينتمي إليها 20% من الشيعة لكن تأثيرها يقوى بسبب وجود رئيسها نبيه بري في السلطة منذ عشرين عاماً تقريباً.
وبقية حلفاء سوريا ليس لهم امتداد شعبي كبير لكنهم يتميزون بالتنظيم وبوجود قوة عسكرية مهمة لديهم ومنهم: الحزب القومي, وحزب البعث, وبعضالفصائل الفلسطينية, والحزب الشيوعي, والحزب العربي الديمقراطي العلوي.
6- الحزب التقدمي الاشتراكي:
ينتمي إليه حوالي 70% من الدروز ويحظى بتأييدهم بسبب وجوده في السلطة منذ ثلاثة عقود وبسبب تقديمات ومساعدات مالية مستمرة يقدمها لجمهوره، ويتميز بتقلبات سياسية تحكمها المصلحة الدرزية وبقاؤه على رأسها.
7- قوى 14 آذار:
يتزعمها تيار المستقبل وأبرزها حزب الكتائب الذي يترأسه أمين الجميل وهو حزب عريق لكنه خسر تأثيره لصالح القوات اللبنانية غير أنه ما زال يمتلك بعض المؤسسات وجمهورا يناهز 15% من النصارى وهو يحاول التقرب من سوريا وإيران ولكن ليس عن طريق حزب الجنوب.
أما بقية مكونات 14 آذار فهي شخصيات مستقلة أو أحزاب ذات تأثير متوسط.
نتيجة لهذا الانقسام الحاد في الساحة اللبنانية وإلى كون معظم القوى السياسية مبنية على أساس طائفي، حرصت هذه القوى على الاستقواء بالخارج على بعضها مما جعل الأدوار الخارجية ذات تاثير كبير على الواقع السياسي في لبنان.
1- الدور الأميركي:
لا تتخذ الولايات المتحدة الأميركية لبنان مستقراً لسياساتها في الشرق الأوسط بل ممراً لها وهي تحاول الضغط على سوريا وإيران في لبنان لتكسب في العراق وأفغانستان، وأيضاً يهمها إضعاف النفوذ السوري الإيراني بعد أن يئست من القضاء عليه وذلك لأسباب تتعلق بضبط الإيقاع فيما يسمى الصراع العربي الإسرائيلي.
2- الدور الإيراني:
من الطبيعي أن يكون من أولويات السياسة الخارجية الإيرانية الوضع في لبنان؛ وذلك لوجود حزب الجنوب الذي رعته إيران ومازالت منذ نشأته كون له مخالب عسكرية ودولة داخل دولة، وقد توسع النفوذ الإيراني مؤخراً ليشمل قوى 8 آذار وهي تحاول اليوم مدّ هذا النفوذ ليشمل حزب الكتائب وبعض الأطراف النصرانية، وبعد زيارة أحمدي نجاد الأخيرة إلى لبنان بدأت إيران بتقديم مساعدات للجنوب اللبناني.
3- الدور السعودي:
يحتل لبنان مكانة رفيعة لدى المملكة العربية السعودية ولها نفوذها التاريخي فيه بدأ عبر آل سلام ثم رفيق الحريري وتوسع بعد الخروج السوري من لبنان عام 2005، وكانت السعودية خلال الفترة السابقة تنفذ سياساتها في لبنان عبر الحكومة البنانية مباشرة على خط السياسة اللبنانية وبناء علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف؛ مما قد يسمح لها بترسيخ هذا النفوذ وتوسيعه في الفترة القادمة وخصوصاً بعد انتهاء الخلافات مع سوريا الذي كان يحصل بشكل واضح .
وقد برز مؤخراً في لبنان أدوار فرنسية وقطرية وتركية ومصرية لكنها لا تشكل حالات مستقلة بل هي تندرج تحت واحد أو أكثر من الأدوار الرئيسة التي ذكرناها سابقاً.
بعد هذه المقدمة التي لا بدّ منها لفهم الواقع السياسي في لبنان نستطيع أن نرى بوضوح مجريات الأحداث، فبعد أن استطاعت قوى 14 آذار أن تتسلم الحكم دون أن تحكم بشكل كامل خلال الفترة السابقة عادت قوى 8 آذار إلى الحكم عبر إيصال مرشح ولايحظى بدعم أهل السنة له وتحفظ عربي ودولي وبدعم من أتباع الجنوب النيابية بعد أن ملكت قوة السلاح والأمر الواقع.
لكن هذا لا يعني أن المعركة حسمت، فالتوازن في لبنان لا مطلوباً بين قوة السلاح والأمر الواقع وقوة المال والعلاقات الدولية، لكن ما جرى مؤخراً رجح كفة قوى الأمر الواقع التي تتعامل بأسلوب الجزرة والعصى التي تستعد اليوم لإكمال سيطرتها على الدولة اللبنانية في وقت ينشغل العالم بما يجري في مصر، وغيرها من الدول العربية والإسلامية، وفي وقت تفاوض فيه أميركا إيران وسوريا على مكتسبات في العراق وتخفيف خسائر في أفغانستان، لكن إلى أي حدّ ستنجح في ذلك؟ التجارب أثبتت أنه في لبنان لا يمكن القضاء على أي طرف رئيسي لكن يمكن إضعافه وتهميشه إلى حين .
كذلك أثبت التاريخ أن الكلمة الفصل هي لعصابة القوة العسكرية على الأرض، فحين كانت القوات السورية تحكم لبنان كان يتم تعيين كل الناس في وظائفهم مهما علت أو انخفضت من قبل السوريين مع مراعاة بعض الحساسيات ومع مراعاة شروط التفويض الدولي للسوريين في لبنان، وبالتالي لم يكن هناك قيمة فعلية للديمقراطية ولمجلس النواب، وفي ذلك الوقت العصيب نشأت عبارة مجلس النواب سيد نفسه، واليوم عادت القوة لتحكم ولكن بأسلوب أنعم وبالتالي سيعود المجلس النيابي سيد نفسه وستفعّل مؤسسات الدولة ويعود لها دورها ويصبح لبنان سيداً وحراً ومستقلاً لكن بإرادة خارجية.
أين أهل السنّة من كل ذلك؟
بالرغم من كون السنة في لبنان الطائفة الكبرى من حيث العدد والإمكانات والامتدادات الدولية لكن دورهم لم يتناسب يوماً مع حجمهم فلبنان انتقل من المارونية السياسية إلى إيرانيين عبر الجنوب، وهذا عصر السياسة المظلمة، والسبب في ذلك يعود إلى أن السنة كانوا يعادون السوريين معظم فترة وجودهم في لبنان وبالتالي عانوا الاضطهاد وبعد خروج سوريا من لبنان سيطر عليها تياراً وطنياً قدم تنازلات كثيرة من أجل الوحدة والاهتمام بلبنان وما تشهده الساحة هي تداعيات الغفلة لأن أيادي تبني وأيادي تهدم من أجل النفوذ الإيراني الذي يهدد المنطقة برمتها في ظل مسارات ومصالح دولية.
انكسار تيار المستقبل بهذا الشكل المفاجئ استثار الغضب السني، يضاف إليه شعور أهل السنة في لبنان بالاضطهاد والغبن مع الفراغ في القيادة السياسية يشكل مادة قوية قد ينفذ منها من يتربص شراً بلبنان أو يريد تصفية حساباته مع قوى 8 آذار، فهل سيعيد للسنة مكانتهم ويعمق انتماءهم الوطني ويسهم في استقرار لبنان؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القليلة القادمة.
لاتوجد تعليقات