رئيس التحرير

سالم أحمد الناشي
اعداد: د. أحمد بن مبارك المزروعي 25 يونيو، 2019 0 تعليق

الفتوى الشرعية إخبار بالحكم الشرعي المجمع عليه مع التبيين والإيضاح (2)

 

نستكمل ما بدأناه في المقال السابق في الحديث عن الإفتاء والواقع المؤلم؛ حيث ذكرنا أن التجرؤ على الفتوى له أخطار كبيرة، و يترتب عليه آثام عظيمة، ومفاسد جسيمة، ولقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يتدافعون الفتوى كما قال ابن أبي ليلى -رحمه الله-: «أدركت مائة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُسأل أحدهم عن المسألة، فيردّها هذا إلى هذا، وهذا إلى هذا، حتى ترجع إلى الأول، وما منهم من أحد يحدث بحديث، أو يسأل عن شيء، إلا ودّ أخاه كفاه».

التنبيه الخامس

من تسرع وتساهل في الفتوى لم يجَزْ أن يُستفتى، من نظر في بعض مفتي الإعلام المتصدرين من أهل الفوضى، يجد عندهم تسرعاً وتساهلاً في الفتوى، ولهفًا لسماع السؤال، وتعطشاً لاستقبال المستفتين، على خلاف ما كان عليه أهل العلم الأولون.

     قال ابن الصلاح الشهرزوري -رحمه الله-: «لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى، ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتى، وذلك قد يكون بألا يتثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقّها من النّظر والفكر، وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة والإبطاء عجز ومنقصة، وذلك جهل، ولئن يبطئ ولا يخطئ أكمل به من أن يعجل فيُضل ويَضل… وقد يكون تساهله وانحلاله بأن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحظورة أو المكروهة والتمسك بالشبه طلباً للترخيص على من يروم نفعه، أو التغليظ على من يريد ضرّه ومن فعل ذلك فقد هان عليه دينه، ونسأل الله -تعالى- العافية والعفو».

التريث في المسألة

     وقد كان علماء المسلمين يتريثون في المسألة أيما تريث، لا سيّما المعضلة منها فعن سُحنون أن رجلًا أتاه فسأله عن مسألة فأقام يتردد إليه ثلاثة أيام: «مسألتي أصلحك الله اليوم» ثلاثة أيام. فقال له: «وما أصنع لك يا خليلي، مسألتك معضلة، وفيها أقاويل وأنا متحيّر في ذلك» فقال له: «وأنت أصلحك الله لكل معضلة» فقال له سحنون: «هيهات يا ابن أخي ليس بقولك هذا أبذل لك لحمي ودمي إلى النار، ما أكثر ما لا أعرف، إن صبرت رجوت أن تنقلب بمسألتك، وإن أردت أن تمضي إلى غيري فامض، تجاب في ساعة» فقال له: «إنما جئت إليك ولا أستفتي غيرك» فقال له: «فاصبر عافاك الله ثم أجابه بعد ذلك».

واقع الإفتاء الإعلامي

     أين هذه التؤدة والتأني من بعض واقع الإفتاء الإعلامي اليوم، فإن بعضهم يبادر بالجواب قبل تتمة السؤال أو قبل فهمه،أو يناقش السائل ولمّا يكمل كلامه ويطرح قضيته، فسرعان ما يقع في الوهم والخطأ، ويكثر عنه ذلك، حتى تكون صفة ملازمة لكل حلقة يخرج فيها ولكل مقطع ينشره، وهو مع هذا فرح فخور معجب بنفسه مغرور.

التنبيه السادس

     المفتي لا يرخص للناس فيما حرم الله، ولا يقنّط من -رحمة الله-؛ قال علي - رضي الله عنه -: «ألا أخبركم بالفقيه حق الفقيه؟ الذي لا يقنط الناس من رحمة الله ولا يرخص للمرء في معاصي الله، ولا يدع القرآن رغبة إلى غيره إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فقه فيه، ولا خير في قراءة لا تدبر معها». تأمل صفة هذا الفقيه، وقارن به حال بعض أهل الفوضى اليوم؛ فهم بين متساهل في فتواه، يفتي بما يطلبه المشاهدون متذرعاً بقاعدة اليسر والتسهيل في الدين، وبين متشدد في فتواه يقنط الناس من رحمة الله.

التنبيه السابع

     على المفتي ألا يُدخل المستفتي في الأمور الغامضة والإشكالات؛ من الآداب المهمّة على المفتي أن يبيّن جوابه بياناً مزيلاً للإشكال، وإذا كان في المسألة تفصيل فمن الخطأ أن يطلق الجواب دون تفصيل، وكذلك على المفتي ألا يطيل الإجابة حتى لا يستشكل السائل ولا تشتبه عليه الإجابة، قال ابن حمدان -رحمه الله-: «وعلى المفتي أن يختصر جوابه، فيكتفي فيه بأنه: يجوز أو لا يجوز، أو حقّ أو باطل، ولا يعدل إلى الإطالة والاحتجاج ليفرّق بين الفتيا والتصنيف، ولو ساغ التجاوز إلى قليل لساغ إلى كثير، ولصار المفتي مدرسًا، ولكل مقام مقال».

الاختصار في الفتوى

وقد ذكر أبو القاسم الصّيمري عن القاضي أبي حامد المروروذّي: «أنه كان يختصر في فتواه غاية ما يمكنه واستفتي في مسألة قيل في آخرها: أيجوز ذلك أم لا؟ فكانت فتواه: لا، وبالله التوفيق»، وهذا الاختصار مقيد بألا يكون فيه إخلال بالحكم والبيان.

ذكر الأدلة

وحتى لا يوقع المستفتي في الإشكال والاشتباه فإن العلماء نصّوا على أن المفتي لا يذكر للمستفتي من الأدلة إلا ما كان نصاً واضحاً، أما الأقيسة وطرائق الاجتهاد وأوجه الاستدلال فلم تَجَر العادة بذكرها.

استدلالات واهية

     ومن تأمل هذا التنبيه وقارن به بعض الإفتاء الإعلامي وجده على الصورة التي حذر منها العلماء؛ فبعضهم يدخل السائل في قياسات عقلية ضعيفة، وفي استدلالات واهية هزيلة، لا يُستفاد منها إلا وقوع السائل والسامع في الإشكالات، أو خدمتها لمصلحة المفتي الإعلامي ومنهجه الذي يريد أن يروج له عبر الشاشات.

التنبيه الثامن

     خطر إيثار الدنيا على فتوى المفتي؛ إن خطر إيثار الدنيا على فتوى المفتي كبير، ولابدّ على من آثرها أن يقول على الله بلا علم وقد نبّه ابن القيم -رحمه الله- على هذا الداء الخطير فقال: «كل من آثر الدنيا من أهل العلم واستحبّها، فلا بدّ أن يقول على الله غير الحق في فتواه وحكمه، وفي خبره وإلزامه؛ لأن أحكام الرب -سبحانه- كثيرًا ما تأتي على خلاف أغراض الناس ولا سيما أهل الرئاسة، الذين يتبعون الشهوات فإنهم لا تتمّ لهم أغراضهم إلا بمخالفة الحقّ ودفعه كثيرًا؛ فإذا كان العالم والحاكم محبّين للرئاسة، متبعين للشهوات، لم يتم لهما ذلك إلا بدفع ما يضادّه من الحقّ، ولا سيّما إذا قامت له شبهة، فتتفق الشبهة والشهوة ويثور الهوى، فيخفى الصواب، وينطمس وجه الحق، وإن كان الحق ظاهرًا لا خفاء فيه ولا شبهة، أقدم على مخالفته وقال: لي مخرج من التوبة. وفي هؤلاء وأشباههم قال -تعالى-: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ}. وقال -تعالى- فيهم أيضاً: {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}، فأخبر -سبحانه- أنهم أخذوا العرَض الأدنى مع علمهم بتحريمه عليهم وقالوا سيغفر لنا، وإن عُرض لهم عرَض آخر أخذوه فهم مصرّون على ذلك، وذلك هو الحامل لهم على أن يقولوا على الله غير الحق، فيقولون هذا حكمه وشرعه ودينه وهم يعلمون أن حكمه وشرعه ودينه خلاف ذلك، أو لا يعلمون أن ذلك دينه وشرعه وحكمه، فتارة يقولون على الله ما لا يعلمون، وتارة يقولون عليه ما يعلمون بطلانه، وأما الذين يتقون فيعلمون أن الدار الآخرة خير من الدنيا، فلا يحملهم حبّ الرئاسة والشهوة على أن يؤثروا الدنيا على الآخرة، وطريق ذلك أن يتمسكوا بالكتاب والسنة، ويستعينوا بالصبر والصلاة، ويتفكروا في الدنيا وزوالها وخستها، والآخرة وإقبالها ودوامها، وهؤلاء لا بد أن يبتدعوا في الدين مع الفجور في العمل فيجتمع لهم الأمران؛ فإن اتباع الهوى يُعمي عين القلب، فلا يميّز بين السنة والبدعة، أو ينكسه فيرى البدعة سنة، والسنة بدعة».

     هذا هو الواقع المؤلم في بعض الإفتاء الإعلامي اليوم؛ فإن بعض المفتين لا يخرج على التلفاز إلا لغرض دنيوي من طلب شهرة، وحب سمعة، واشتراط نقود حالّة ومؤجلة، وإذا جلس أمام الشاشات ظن أنه جلس على كرسي الملك فتراه منتفخاً متعاظماً يطمس الحق الذي ضدّه، ويرفع الشبه التي تخدمه بأدلة عقلية سقام، رافعاً صوته على الأنام، متشدقاً في الكلام، بلا أدب ولا احترام.

التنبيه التاسع

     الحذر من فتنة الإصابة في الإجابة؛ إن أجاب المفتي فأصاب، فليحمد الله على توفيقه، ولا يعجب بنفسه ويفتخر بها؛ فإن للإصابة فتنة أشدّ من فتنة المال، قيل لسحنون بن سعيد: «إنك لتسأل عن المسألة لو سئل عنها أحد من أصحابك لأجاب فتتوقف فيها. فقال -رحمه الله-: «إن فتنة الجواب بالصواب أشدّ من فتنة المال».

     فتأمل هذه الفتنة، وانظر كم مفتوناً قد فُتن بها يظن أنه حاز السبق والشرف بإصابته! بل يظن أنه العالِم الفريد الفذّ في زمانه، ولم يعلم أنه وقع في شراك هواه ونفسه، ولو كان عاقلاً لشكر الله وهضم نفسه، ونسب الفضل لأهله، لكنه جحده واتبع هواه، هذا فيمن كان مصيباً في فتواه، فكيف بمن كانت فتواه على جهل وهوى وفلسفة ليست من الهُدى وهو يظن أنه مصيب للحق والهُدى؟!

ليحذر كل مسلم

     هذه جملة من التنبيهات أرجو أن تكون مرشدة مبصرة للمسلم، مفرقة له بين أهل الفتوى وأهل الفوضى، وليحذر كل مسلم على نفسه من هذه السنوات الخداعات، ومن تصدّر كلّ رويبضة عبر الشاشات فقد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ خَدَّاعَاتُ يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ» قِيلَ وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ قَالَ: «السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ».

 

لاتوجد تعليقات

أضف تعليقك